|
|
جنين ـ علي سمودي حتى إشعار آخر فرضت قوات الاحتلال على المواطنة الفلسطينية حنان يونس جرار من مدينة جنين تأجيل زفافها بعد قيام قوة من جنود الاحتلال بسرقة مصاغها ومهرها خلال مداهمة منزل والدها يوم الأربعاء الماضي أثناء حظر التجوال الذي فُرض على مخيم ومدينة جنين . في الوقت الذي كانت تعيش فيه حنان أسعد لحظات العمر التي تنتظرها كل فتاة لتحقق فيها أحلامها كما تقول، وهي تستعد لاستكمال ترتيبات الزفاف وشراء مستلزماتها بعدما سلمها خطيبها أربعة آلاف شيكل, تدخل الاحتلال لينغص عليها ساعات الفرح ويقيد حدود الحلم الذي يبدو أنه أصبح رهينة للاحتلال وممارساته, وكأن الاغلاق والحصار وحظر التجوال الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني ويحرمه أبسط حقوقه في الحياة غير كافٍ بنظر الاحتلال، والمفروض أن يواجه المزيد من الضغوط والاجراءات ليعيش في جحيم يحول لحظات السعادة ـ وإن كانت محدودة ـ الى حزن وألم ومعاناة. معاناة بالغة والمعاناة التي ستواجهها حنان وأسرتها وخطيبها الذي تعب وكدّ طويلاً وسط هذه الظروف الصعبة لجمع المهر، بدأت بمداهمة أكثر من عشرين جندياً لمنزلهم الواقع في جبل أبو ظهير، كما يقول والدها البالغ من العمر 60 عاماً: "بينما كانت قوات الاحتلال تشدد قبضتها على المدينة وتفرض عليها حظراً للتجوال يطبق على الأنفاس، اقتحموا منزلنا وسط إطلاق النار الذي أرهب أطفالي وأسرتي، فاستيقظوا على أزيز الرصاص الذي اخترق النافذة وتطاير فوق رؤوسهم، حتى اننا نجونا من الموت بأعجوبة. وما كدت أفتح الباب ـ يضيف ـ حتى تدافع الجنود الى المنزل وسط الصراخ المرعب والمخيف". طردونا خارج المنزل تسمر جرار في مكانه من هول المنظر والحيرة تقيّد لسانه، فهو يحاول تهدئة روع أطفاله من جهة، والجنود الذين بدت عليهم ملامح الغضب والاستنفار من دون سبب من جهة أخرى. يضيف: "فتحت الباب وأبلغتهم أن من هو موجود من أسرتي هم أبنائي ولا يوجد شيء مخالف للقانون، ومع ذلك عاملونا بوحشية مطلقة.. انتشروا في كل مكان وعيونهم تتقادح شرراً، ثم أجبروني على رفع ملابسي عن جسدي. وبعد تفتيشي والصغار طردونا خارج المنزل الذي لم يتركوا فيه موطئ قدم لنا بسبب كثرة عددهم, فالمنطقة كانت محاصرة بشكل كامل، وكأن الجنود قادمون الى ساحة حرب. وحتى زوجتي عندما طلبت من الجنود ارتداء حذاء في قدمها ضربوها فأصيبت بجروح. لم ينتهِ المشهد لم ينتهِ المشهد في منزل جرار، وتواصل إطلاق النار أمام الأطفال الذين ارتجفت أجسادهم من شدة الخوف.. يضيف جرار: صلبنا الجنود تحت المطر الذي كان ينهمر بغزارة وسط برد شديد عدة ساعات، قاموا خلالها بتفتيش المنزل الذي احتلوه ثم اقتادونا الى منزل مجاور كان الجنود اقتحموه قبل دخولهم الى منزلنا، وجمعونا مع باقي العائلات في غرفة صغيرة مدة يوم ونصف اليوم من دون طعام أو ماء.. وحتى الحركة يجب أن نحصل على إذن مسبق قبل القيام بها، وكأنهم يريدون ان يتحكموا حتى بالنفس الذي وهبنا الله إياه، ولو استطاعوا لحرمونا منه. دمروا المنزل أمضى جرار وجيرانه لحظات قاسية طول فترة الاحتجاز التي انتهت ظهر يوم الخميس، ليعود الى منزله ويواجه المفاجأة الكبيرة التي جعلته يعتقد أنه ضل السبيل ووصل الى منزل آخر. فالجنود ـ يقول ـ حوّلوه الى خرابة, مزقوا الأثاث والكنبات، دمروا الخزائن والأواني, وسكبوا نعمة الله من طحين وأرز وسكر في المرحاض، ليؤكدوا أن هدفهم التخريب وتدمير ممتلكاتنا وكل مقومات حياتنا، فلم يبقَ من المؤن والغذاء شيء، تماماً كما فعلوا بالأثاث. خبر الصدمة الشديدة وبينما كان جرار يصبّر زوجته وأسرته ويحاولون إعادة ترتيب المنزل، فوجىء باختفاء مصاغ ابنته حنان الذي تبلغ قيمته ألف دينار, وما تبقى من مهرها أربعة آلاف شيكل كانت تضعها في خزانة المنزل التي دمرها الجنود خلال المداهمة. وقع الخبر كان صدمة شديدة على الرجل الذي قال: صحيح أنني حزنت لحالة الدمار التي خلفوها، ولكن سرقة المهر والمصاغ كانت الكارثة والمصيبة الكبرى التي ما زلت عاجزاً عن إيجاد حل لها، لأنها ستغير كل حياتي، خاصة أنني لن أتمكن من استرجاع المبلغ من جنود الاحتلال من جهة، ولعدم قدرتي على توفير بديل، فأنا موظف فقير في الدفاع المدني وبالكاد يوفر راتبي لقمة عيش أطفالي. كارثة من دون حل ولكن وقع الخبر كان أشد قسوة وتأثيراً على حنان التي أصيبت بصدمة شديدة، فبدأت تسأل والدتها وعيناها تغرورقان بالدموع عن الحل، وقالت: كيف سنتدبر الأمر؟ إنها كارثة، لقد أمضى خطيبي أياماً وأشهراً في العمل لكي نعيش كباقي البشر، وفي لحظة استولى الجنود على كل شيء من دون مراعاة أو تقدير لحالنا؟ نموذج آخر المصير نفسه واجهته الشابّة رانية العرقاوي من جنين، التي سرق الجنود مهرها خلال مداهمة منزلهم الواقع في حي المراح. تقول رانية وهي تبكي بشدة: لقد اضطررت لتأجيل زواجي حتى إشعار آخر.. لا يوجد قانون أو شريعة تجيز هذه الممارسات التعسفية التي يفرضها الاحتلال علينا من دون سبب, فقد اقتحموا منزلنا وفتشوه وخربوا كل شيء، حتى الصور كسروها والأثاث مزّقوه.. ولم يكتفوا بصلبنا خمس ساعات في ساحة المنزل في الشتاء والبرد, جميعنا رجالاً ونساءً وأطفالاً احتجزونا من دون رحمة أو شفقة، والمطر ينهمر علينا بغزارة، ثم سرقوا ألفي دينار هي مهري.
مصير مؤلم وذكرت رانية ان المبلغ كان موضوعاً في خزانتها، وعندما دهم الجنود منزلهم تعمدوا إطلاق النار بشكل غزير.. ولشدة خوفها على عائلتها خرجت معهم الى ساحة المنزل ونسيت إخراج النقود. وعندما غادر الجنود المنزل اكتشفت السرقة التي شكلت صدمة شديدة لها جعلتها عاجزة حتى عن الاتصال بخطيبها وإبلاغه بالنبأ الأقسى والأصعب في حياتها. وتضيف: في لحظة أصدر الاحتلال علينا حكماً قاسياً وسلبنا المبلغ الذي تعب خطيبي كثيراً لجمعه وتوفيره. ووسط حالة الحزن والألم التي تعيشها حنان ورانية، فإن السؤال المؤلم الذي يتردد على لسان كل منهما: ما العمل والاحتلال عادة لا يعترف بالسرقة ولا يعيد ما يصادره؟ وما هو الذنب الذي ارتكبتاه لتواجها هذا المصير المؤلم وهذه اللحظات العصيبة التي تهدد أحلامهما بالضياع؟.. |