أعــــــــــلام
الإمام الأوزاعي
80 ـ 157 هـ


يعتبر علماء الأصول أنه من شروط تأسيس المذهب الفقهي أن يكون مؤسسه حائزاً صفات المجتهد المطلق من عقل وعدل وعلم بمدارك الأحكام، وأن يكون للمذهب نهج فقهي خاص ومستقل عن غيره، وأن يعمل به ويتبعه بعض الجمهور. فهل كان مذهب الإمام الأوزاعي في الفقه يحوز هذه الشروط؟ ثم في حال الإيجاب لماذا اندثر هذا المذهب ولم تُكتب له سبل الاستمرار والشيوع؟

يعيد مؤرخو الفقه والتشريع الاسلامي خمول بعض المذاهب واندثارها الى جملة أسباب، يذكرون منها عدم وجود التلاميذ الذين التزموا عادة العمل بالمذهب وتدوينه وتطويره وتوفير سبل الاستمرار له، وكذلك تأييد بعض الحكام في الدولة الإسلامية، ومن ثم بعض المشكلات المتعلقة بدائرة الاستدلال بالرأي والقياس والعمل بهما أو إنكارهما. وكانت قد تكونت تبعاً لتفرق الصحابة في الأمصار ونشرهم العلم والسنة في البلاد التي نزلوا بها مدارس فقهية، كان من أبرزها مدرسة الحديث في المدينة ومدرسة الرأي في العراق. وقد مثلتا مجالاً واسعاً لجميع الآراء وتعددت فيهما البحوث، فكان لكل مدرسة طابعها وشخصيتها. وظهرت نتيجة ذلك المذاهب الفقهية التي استقرت على أربعة مذاهب معروفة عند أهل السنة والجماعة، وانقرضت كما ذكرنا مذاهب أخرى، وكان مذهب الأوزاعي من المذاهب المندثرة، وهو قد التزم الحديث لا يقدم عليه شيئاً، والتقى مع الظاهرية والشيعة ومع آخرين ممن ينكرون القياس..

ثم انتشر مذهب الأوزاعي في الشام وفي الأندلس باعتبار صلة الهجرة بين شرقي البحر الأبيض المتوسط وغربه، ثم تضاءل في الشام أمام المذهب الشافعي وفي الأندلس أمام المذهب المالكي. ويعتقد بعض المؤرخين أن من أسباب ذلك إنكاره العمل بالقياس، فيما كان كل من المذهبين يستدل بالرأي.

وُلد أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن بحمد الأوزاعي في مدينة بعلبك من أعمال البقاع في لبنان سنة 88 للهجرة (707م). لقبه الأوزاعي، وقد اختلف في معنى الأوزاع التي نسب إليها.. فقيل هي بطن من حمير، وقيل من همذان. عاش الأوزاعي يتيم الأب، ونشأ في حجر أمه في الكرك من أعمال البقاع. ثم نقلته أمه من بلد الى آخر في بلاد الشام، وكانت مدينة بيروت مركز حلّه وترحاله وسكنه. رحل الأوزاعي الى الحجاز وسمع الحديث في مكة من عطاء بن أبي رباح، وفي المدينة من ابن شهاب الزهري، واتصل بالإمام مالك بن أنس والإمام سفيان الثوري وعبد الله بن مبارك وغيرهم كثيرون.

بيت الأوزاعي في بيروت كان في وسط شمال المدينة في المحلة المعروفة اليوم بالسوق الطويلة، وكان منقطعاً فيه للعبادة والتدريس يقصده طلاب العلم والمستفتون. وكان تقياً يجمع الى الزهد والعبادة فضائل الأخلاق. ويستدل من صفاته أنه يحوز شروط الفقيه.

وكان الإمام الأوزاعي محدثاً من المحدثين المعروفين، ويجيز في تلقين الحديث. وقد اتفق مع الإمام الشافعي في تقييد استعمال كلمة (أخبرنا) من دون (حدثنا) في رواية الحديث عن شيخه.

ويعتبر مذهب الأوزاعي من أهم المذاهب الفقهية البائدة، ويصنف الأوزاعي في مدرسة أهل الحديث، لأنه كان ثقة في علم الحديث ويسند فتاواه وأقواله الى الأحاديث. لكن ذلك لا يعني رفضه الرأي والاجتهاد العقلي في بعض المسائل. وقد كان للأوزاعي أصحاب وتلاميذ وأتباع منهم ابنه محمد وصهره عبد الغفار بن عثمان وكاتباه عبد الحميد بن حميد ومحمد بن زياد.

وممن نشر مذهب الأوزاعي في الأندلس صعصعة بن سلام الدمشقي.

توفي الأوزاعي في بيروت سنة 157للهجرة، تاركاً ابنه محمداً وثلاث بنات وإرثاً من المال قيمته ثلاثة دنانير. ولكن إرثه الفكري توضحه هذه العبارة لأهل حنتوس عندما يشيرون الى مقام الإمام الأوزاعي: "ها هنا رجل صالح ينزل عليه النور".

د. طراد حمادة