المؤسسة الامنية والسلطة المدنية في الكيان الصهيوني:
تعايش أم مواجهة؟*


شلومو غازيت

تشكل العلاقة بين المؤسسة الأمنية والسلطة السياسية في الكيان الصهيوني موضوعاً خصباً للبحث، نظراً إلى التشابك الكبير بين الجهتين والتناقض القائم بين الرؤية النظرية والتطبيق العملي لهذه العلاقة، فبينما يفترض ـ حسب القانون ـ أن يخضع الجيش لرقابة وقيادة "المستوى السياسي"، يبدو الجيش في الواقع هو المتحكم بالقرار النهائي في القضايا المصيرية للكيان الغاصب.

وبعد ما أثارت "الانتقاد" موضوع هذه العلاقة في باب "عين على العدو" استناداً إلى مقالة كتبها                (الانتقاد ـ العدد     ، تاريخ          )، تتابع إثارة هذا الموضوع من زاوية أخرى، من خلال مقتطف من بحث مهم نشر العام الماضي حول آليات الراقبة السياسية على المؤسسة الأمنية، وبغض النظر عما يقوله الكاتب حول "الجيش الشعبي والديموقراطي" وما يوافق ذلك من ادعاءات، فإن الكاتب ـ شلومو غازيت ـ يقر بحقيقة يحاول الصهاينة التهرب منها، وهي كما يقول: "في الظروف القائمة وفي واقعنا الخاص: الجيش الإسرائيلي والشعب في "إسرائيل" هما واحد".

... الأمور(التي سأذكرها هنا) هي ثمار تجربتي الشخصية، حيث عملت بهذه المسائل وكنت متورطاً بها في المستوى العسكري لصناعة القرارات كما وتابعت، عن قرب، حالات التخبط والقرارات التي اتخذها المستوى المدني والسياسي .

المأسسة العسكرية - الأمنية لـ "إسرائيل" بلورها رجل واحد، دايفيد بن غوريون، أبو الأمة الإسرائيلية الجديدة. لقد كان شخصاً استثنائياً، ...

التحديات الأمنية التي من المطلوب من "إسرائيل" مواجهتها كلها موجودة "وراء الزاوية" وليس المطلوب الخدمة " وراء البحار" أو بعيداً عن البيت (إسرائيل) .

... في "إسرائيل" نما جيش ومؤسسة أمنية من داخل تنظيم قائم هو عبارة عن حركة سرية شعبية، في فترة ما قبل الدولة حيث استخدم هؤلاء (عناصر الحركة السرية)، إلى حد كبير، الأطر والخبرة، التي كانت لديهم في زمن الحركة السرية.

في ظل هذا الظرف نشأ الجيش الإسرائيلي كجيش استثنائي :

- جيش شعبي وديمقراطي.

- جيش يعتمد على التجنيد الإلزامي من أشمل وأثقل ما في العالم.

- جيش يشمل النساء في التجنيد الإلزامي للخدمة الأمنية.

- جيش يشمل خدمة الاحتياط، الذي ليس له نظير في حجمه، من حيث استمراره وتكثيفه للتجنيد المتكرر لرجاله..

...

... في الظروف القائمة وفي واقعنا الخاص: الجيش الإسرائيلي والشعب في "إسرائيل" هما واحد.

 

     خضوع المؤسسة الأمنية للسلطة المدنية:

ليس هناك جدال في ما يتعلق بالوضع الرسمي - والقانوني، حول أن المؤسسة العسكرية -الأمنية خاضعة خضوعاً واضحاً ومطلقاً للسلطة المدنية. ولكن هذه الأمور تتعقد، عندما يحاولون الانتقال والنقاش في مسألة "الرقابة" المدنية على المؤسسة الأمنية وبعيداً عن مسألة الخضوع (للسلطة المدنية)، ففي مجال الرقابة لا يوجد معنى للتسلسل الرسمي، إذ ان الاختبار الحقيقي قائم في تنفيذ هذه الصلاحية، نظرياً وعملياً.

عندما يتم الحديث عن الرقابة يوجد دائماً وجهين للعملة. فمن جهة المراقِب المطلوب وجود إرادة الرقابة والأدوات التي تُمكِّنه من تنفيذها. بينما المطلوب من جهة المراقَب استعداده لفتح أبوابه.

في الواقع الإسرائيلي يوجد خمس سلطات مدنية تتداخل مسؤوليتها في الرقابة على المؤسسة العسكرية - الأمنية، في الوقت الذي تختلف فيه ظروف وخصوصيات كل واحدة من هذه السلطات:

الحكومة، الكنيست، مراقب الدولة، المؤسسة القضائية، الإعلام .

 

1- الحكومة هي السلطة الأولى التي تخضع لها المؤسسة الأمنية:

تتحمل الحكومة مسؤولية الرقابة على الجناح الأمني الخاضع لها. ولا يوجد شخص يشكِّك بالمسؤولية "البرلمانية" للوزير والوزارة أمام الكنيست، أمام المؤسسة القضائية وأمام جمهور الناخبين.

غير أنه عندما تصل الأمور إلى حد تنفيذ حق- واجب هذه الرقابة، نظرياً وعملياً، لا يوجد لدى عناصر هذه السلطة ميل للقيام بواجبهم بشكل تام ونهائي، بالرغم من أن المسؤولية الرسمية واضحة على الإطلاق. وهذا خطر مستفحل ميَّز كل حكومات "إسرائيل" منذ عام 1948 وحتى اليوم.

لم أحقق في هذه الظاهرة، ولست مخوَّلاً لأن أحدِّد ما هي الأسباب والخلفية وتسلسل الأمور، التي أدت إلى هذا الوضع، ولكن مع ذلك يوجد في الواقع ثلاثة تقديرات ممكنة:

أ‌- يوجد نهج إسرائيلي سائد - ساذج جداً - يتمثل في منح ثقة تامة، تقريباً، للمستويات الخاضعة. والاعتقاد السائد (الذي يفتقد إلى أي أساس، بالطبع) هو أن الرقابة الفعَّالة ستكون "اختراقاً للاستقلال"، وسيؤدي ذلك إلى قيود والى رواسب سلبية وصعوبات في تنفيذ علاقات عمل سوية.

ب‌- ترفض المستويات الخاضعة، وفقاً لتقليد متبع منذ خمسين سنة وربما أكثر، (من أيام ما قبل الدولة) ترفض الانفتاح أمام الانتقاد الخارجي. وترى هذه المستويات في الانتقاد تعبيراً عن عدم ثقة شخصية بهم، وفي الواقع عندما أوشكت السلطة المسؤولة، أكثر من مرة، على تعيين جهة مراقبة كهذه (وأكثر من مرة بعد أن عُيِّنت) عملوا على إحباط حرية عمله. فعدم تعيين مستشار للاستخبارات، يقف إلى جانب رئيس الحكومة، يجب أن ننسبه، أولاً وقبل كل شيء، لمعارضة رؤساء الأجهزة. أضف إلى ذلك، عندما جرت محاولتان لتعيين مستشار كهذا سدت أجهزة الاستخبارات الطريق أمامه .

ج- ولكن خشيتي، من وجود سبب ثالث، أن يكون تفسير رقابة المستوى المسؤول التي يمارسها، نظرياً وعملياً، وليس فقط نظرياً على نشاطات المستوى الخاضع له، ان يكون تفسيرها وفقاً لرأي ما، لماذا وكيف جرت الأمور؟ وفي هذا الوضع يتم مباشرة إثارة السؤال التالي "إذا عرفت، لماذا لم تتدخل؟ لماذا لم تمنع؟". والمستوى السياسي (المسؤول) لا يحب أن يكون في وضع تنقل إليه المسؤولية عما يجري في الواقع.

لدينا هنا ثلاثة نماذج تشكل أدلة ملموسة على هذا الوضع الذي أثار عاصفة عامة كبيرة بينما استطاع المستوى السياسي أن يبقى "نظيفاً" على أساس أنه لم يكن يعلم:

- " العملية الحقيرة" في مصر خلال سنوات الخمسينيات و"القضية" التي في أعقابها: الجدال العام المحدد تركز حول سؤال واحد فقط - هل أعطى "وزير الدفاع" عام 1954 - بنحاس لافون - تعليمات أو صادق على العملية الفاشلة في مصر أو أنها كانت مبادرة رئيس قسم الاستخبارات، بدون مصادقة المستوى السياسي المسؤول عنه.

لم يسأل أحد "وزير الدفاع" عما يتعلق بمعرفته بالقرار الذي نفذه أعضاء الحركة السرية اليهودية في مصر، لم يسأل أي شخص كيف أنه لم يكن ذلك معروفاً للمستوى العملياتي للمجموعة.

- قضية "أوتوبيس 300": عندما خطف "مخربان الأوتوبيس" واعتقلا حيين، وتمت تصفيتهما مباشرة، بعد ذلك، من قبل رجال الشاباك، الذين وجِدوا في المكان، ادعى رئيس الشاباك أنه تلقى إذنا وتفويضاً، وأنه أصدر تعليمات بتصفية المخربين بناءً على التوجيهات. وتركز النقاش العام فقط حول مسألة هل تلقى رئيس الشاباك توجيهاً كهذا، ولم يكن النقاش حول تبني سياسة تصفية المخربين.

-  قضية بولارد: جوناثان بولارد، ضابط في سلاح الاستخبارات تابع لسلاح البحرية الأميركية، جُنِّد كعميل من قبل مكتب العلاقات العلمية على عكس السياسة، التي كانت متبعة من قبل مؤسسة الاستخبارات التي لم تُجنِّد ولم تستخدم عملاء من داخل جهاز الإدارة الأميركية بشكل عام ومن اليهود بشكل خاص. 

نتيجة لعدم وجود الرقابة، ولعدم وجود وظيفة مستشار لشؤون الاستخبارات إلى جانب رئيس الحكومة - لم يسأل أي شخص هل عرف المستوى السياسي باستخدام عميل إسرائيلي في البنتاغون وكيف صادق على عمله.

 

2- سلطة الرقابة الثانية هي الكنيست.

تعمل ثلاث لجان بشكل مباشر في نشاط المؤسسة الأمنية: لجنة الخارجية والأمن، لجنة المال ولجنة رقابة الدولة.

 اللجنة الأكثر قدرة هي لجنة الخارجية والأمن وهي أيضاً الاقل أهمية من أي لجنة أخرى من جهة ممارسة الرقابة على ما يجري. فهذه اللجنة لا تتلقى التقرير الملائم عن النشاط السياسي - الأمني.

لجنة المال ليس فقط انها لا تمارس دور الرقابة، وإنما أيضاً لا تتدخل في اعتبارات المؤسسة الأمنية، وانما يتركز كل اهتمامها على توزيع "كعكة" موازنة الدولة، وأن تنال المؤسسة الأمنية قطعة منها.

من المفترض أن تناقش لجنة رقابة الدولة، مع أعضاء لجنة الخارجية والأمن، ملاحظات مراقب الدولة على المؤسسة الأمنية. هذا دور مهم ومحترم وفقاً لجميع الآراء غير أن مساهمة هذه اللجنة محدودة.

هناك استثناء بارز يتعلق باللجنة الفرعية للجنة الخارجية والأمن التي يعتبر عدد أعضائها مُقلَّصاً جداً حيث تكشف المؤسسة الأمنية نفسها أمامها، على الأقل نظرياً، بدون تحفظ وبدون حدود.

 

3- السلطة الثالثة هي رقابة الدولة.

يوجد رقابة ناجعة ومهنية تُطبِّق مبدأ "بدون خوف وبدون محاباة" وإنما يُثار إزاءها مشكلتان: الأولى، أنها مركَّزة - بصدق من ناحيتها - حول تنفيذ السياسة، والتعليمات والاعراف القائمة، وهي لا تدرس "بعمق" القرار الشرعي الذي اتخذ والكامن وراءها.

ثانياً، ليس لها "أسنان"، فهي تنشر التقرير، الملاحظات التي نوقشت في الكنيست، غير أن السلطة التنفيذية، في الكثير من الحالات، لا تفرح ولم تسارع لتنفيذ توصياتها.

 

4- السلطة الرابعة، المؤسسة القضائية.

لا يوجد شك إزاء الخضوع المطلق للمؤسسة الأمنية أمام أحكام المحاكم، وخاصة أحكام محكمة العدل العليا، والمحكمة العليا، وإنما يثار ازاءها أيضاً مشكلتان:

أ‌- لا تبادر المحكمة ولا توضح بماذا تناقش. ما لم يُطرح أمامها ادعاء ولا يستطيع القاضي "التطوع" والنقاش في موضع ما. وهكذا من الناحية العملية يعتبر تدخلها محدوداً.

ب‌- السياسة المتواصلة التي مارستها المحكمة العليا طوال السنوات هي أنها امتنعت عن التدخل في اعتبارات المستوى الأمني الذي يقدم النصيحة لرئيس الحكومة. كما وامتنعت المحكمة عن الاصطدام برأي هذا المستوى (الأمني) وتوصيته، وامتنع هو ايضا من أن يطلب من خارج المؤسسة (الأمنية) رأياً "شخصياً" آخر مجرداً عن المصالح والمكانة الرسمية.

 

5- السلطة الخامسة والأخيرة الاعلام:

في هذا المجال، وربما أكثر من أي مجال آخر، جرى تغيير منذ حرب يوم الغفران (حرب 1973)، فخلال الـ25 سنة الأولى على وجود "إسرائيل" ألقى الإعلام على نفسه مهمة العمل "لمنفعة الأمن" كما يٌقدَّم ويُشرَح من قبل أجهزة الأمن.

ولكن بعد حرب يوم الغفران (1973) اعترف الاعلام بفداحة ما كان يقوم به. وبدا للإعلام أن "خضوعه" منع إجراء نقاشات عامة ومنعه من ممارسة الرقابة على السياسة وعلى اعتبارات الأجهزة الأمنية المختلفة. وآنذاك تقرر تبني سياسة الاستعداد لذبح كل "بقرة مقدسة" بدون أي تأثر لما سيلقاه كلامه من جهة الأضواء أو اعتباره بسيطا.

إلا أن النيات في جهة والواقع في جهة أخرى ... حيث تكوَّن خطر جديد لا يقل عما سبقه، ففي حين يبدو أن رقابة الإعلام والجمهور غير محدودة، إلا أنه في الواقع وُلدت مشكلات جديدة:

- لا يوجد للإعلام مقاربة حرة، تامة وغير مقيدة بمصادر المعلومات ...

-  بالرغم من التوجه لمهمة الكشف والانتقاد القاسي للإعلام في فعل ذلك، إلا أن المستوى المهني المتدني لجزء كبير من المراسلين والمعلِّقين لشؤون الجيش والأمن يُقيِّد نشاطهم في مجال التقارير، فليس لديهم قدرة على المبادرة للتحليل والانتقاد والتعليق ...

أضف إلى ذلك فإن "معيشة" المراسلين مشروطة بمصادر المعلومات في داخل المؤسسة وبالتالي سيمتنع المراسلون، بشكل طبيعي، عن انتقاد وكشف ما من الممكن أن "يذبح الدجاجة" التي تبيض لهم بيضاً ذهبياً ...

 *مقتطف من بحث كتبه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، سابقاً، "امان" - شلومو غازيت - نُشر في مجلة مِفنيه عام 2002 بعنوان "المجتمع والامن - تعايش ام مواجهة؟".