|
|
|
"تكلموا في خلق الله ولا تتكلموا في الله فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلا تحيراً". هذا الحديث للإمام الباقر (ع) يدل على أن المراد هو التكلم في اكتناه ذات الله وكيفيته ومحاولة تعليله. وإلا فإن الكلام في إثبات ذاته تعالى وسائر كمالاته وتوحيده وتنزيهه لا يوجب التحيّر. ولعل النهي موجه الى الذين يكون تكلمهم في هذه الأمور موجباً لحيرتهم. وقد احتمل المرحوم المحدّث المجلسي رحمه الله هذين الاحتمالين، اللذين قربناهما، من دون تعليق، ولكن قوّى الاحتمال الأول. وفي رواية أخرى عن حريز: "تكلموا في كل شيء ولا تتكلموا في ذات الله". وهناك روايات أخرى بهذا المضمون أو قريبة منه، مما لا نجد ضرورة لذكرها. وفي "الكافي" عن أبي جعفر (محمد الباقر) عليه السلام قال: "إياكم والتفكر في الله ولكن إذا أردتم أن تنظروا الى عظمته، فانظروا الى عظيم خلقه". الظاهر أن الحديث أيضاً يشير الى التفكر في كنه ذات الله، لأنه يقول في نهايته: "إذا أردتم أن تنظروا الى عظمته فانظروا الى عظيم خلقه". أي استدلوا من عظمة المخلوق على عظمة الخالق عز وجل. ويكون هذا على سبيل المثال لمختلف طبقات الناس الذين يمر طريق معرفتهم من خلال المخلوق. هذه الأحاديث وأمثالها التي تنهى عن التكلم في ذات الله والتفكر فيه هي نفسها دليل على ما نقصده. والحديث الذي يوضح هذا الأمر هو الحديث الشريف في "الكافي" في باب التفكر. عن أبي عبد الله (جعفر) الصادق عليه السلام قال: "أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وفي قدرته". وفي حديث آخر في "الكافي": سئل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن التوحيد، فقال: "إن الله عز وجل عَلِمَ أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى (قل هو الله أحد)، والآيات من سورة الحديد الى قوله: (وهو عليم بذات الصدور) فمن رام وراء ذلك فقد هلك". إذاً، يتضح أن هذه الآيات التي تشير الى التوحيد، وتنزيه الله، والبعث، ورجوع الكائنات (الى الله) نزلت للمتعمقين وأهل التفكير العميق. فهل مع كل هذا يمكن القول إن التفكر في ذات الله حرام؟ أي حكيم أو عارف جاء بمعارف أكثر مما جاء في أول (سورة الحديد)؟ إن منتهى معرفتهم هو الوصول الى قوله تعالى: (سبَّح لله ما في السماوات والأرض). هل هناك أفضل بياناً في وصف الله تعالى وتجلّي ذاته المقدسة من الآية الشريفة: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم). أقسم بحياة الحبيب (ص) أنه لو لم تكن لبيان حقيّة كتاب الله الكريم غير هذه الآية الشريفة لكفت ذوي القلوب. إرجعوا قليلاً الى كتاب الله، والى خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبار خلفائه المعصومين سلام الله عليهم، وقارنوا لتروا مَن مِن الحكماء والعارفين جاء ببيانات أجلى وأوضح مما جاء به أولئك في كل موضوع من مواضيع المعارف؟ إن أقوالهم مشحونة بوصف الحق والاستدلال على ذات الله وصفاته المقدسة، بحيث ان كل طائفة تحظى على قدر سعتها وإدراكها. * من كتاب "الأربعون حديثاً" للإمام الخميني (قده) |