"البراءة من المشركين في الحج"


الشيخ محمد توفيق المقداد

قال الله تعالى في سورة التوبة "وأذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولُه، فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشّر الذين كفروا بعذاب أليم" (الآية 3).

مما لا شك فيه أن البراءة من المشركين هي من أساسيات الدين الإسلامي، ومن مفاهيمه الأصيلة التي لا يمكن التنكر لها أو التهاون بها، لأن المشرك هو الذي يضيف الى الذات الالهية ما يتنافى مع قدسيتها وجلالها كالزوجة أو الولد أو أي شيء آخر، وهذا ما تأباه الذات الإلهية بالمطلق، لأن الله واحد أحد، وقد عبّر عن هويته التامة في سورة الإخلاص "قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد". وقد أثبت الإسلام البراءة في ما بين المسلمين والمشركين والكافرين في سورة "الكافرون" "قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين".

ومن جهة ثانية أمرنا الله بأن نتولى من يتولاه، وأن نسير خلف القيادة الموحدة العابدة الملتزمة نهج الله وخطه في الحياة من دون انحراف أو اعوجاج، وقد قال تعالى "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون"، فمثل هذه القيادة التي يكون الله ولي أمرها في كل قول وفعل هي الضمانة للناس في الدنيا من سلوك سبيل الكفر والشرك، وهي الطريق للنجاة عند الله يوم القيامة، ولذا نجد أن الله يبين نتيجة المشركين يوم القيامة فيقول "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان، إلا إن حزب الشيطان هم الخاسرون".

من هنا نصل الى البراءة من المشركين في الحج عندما يكون المسلمون مجتمعين من كل أنحاء العالم ليمارسوا مناسك الحج في مكة المكرمة وما جاورها من الأماكن كعرفات والمزدلفة ومِنى، إلا أن أهم أفعال الحج في مكة حيث الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة، ففي ذلك المكان الذي جعله الله حرماً آمناً لكل من دخله بشرط أن يكون موحِّداً لله عز وجل غير مشرك به، ولذا نجد أن الآية الكريمة في صدر هذه المقالة قد تلاها أمير المؤمنين علي (ع) في مكة المكرمة يوم الحج الأكبر، أي "يوم النحر ويوم العيد"، وكان المشركون لا يزالون يحجون الى مكة قبل نزول هذه الآية، وبعد تلاوتها لم يعد من المسموح للمشركين دخول مكة لأداء المناسك التي كانوا يؤدونها قبل الإسلام.

وهذا يعني أن البراءة من المشركين أمر مشروع في الإسلام وراجح وخصوصاً في مكة المكرمة "منبع التوحيد" و"موطن" نزول الوحي وإعلان الإسلام دين التوحيد، وإذا لم تكن البراءة في مكة ممكنة ففي أي مكان آخر تكون فيه البراءة أكثر أثراً ومعنى؟

ولا ريب في أن الأمة الإسلامية في هذا الظرف الراهن تواجه تحديات كبيرة وخطيرة جداً من جانب المشركين أعداء الإسلام كدين والمسلمين كأمة، ولا مفر لهذه الأمة من أن تتبرأ من كل ما يخالف دينهم ويعمل على كسر شوكتهم وتشتيت شملهم وتفريق كلمتهم، وأفضل مكان للبراءة هو "مكة المكرمة" حيث الأمة كلها موجودة هناك من خلال المسلمين القادمين من كل أقطار العالم على اختلاف جنسياتهم وألوانهم ولغاتهم، وكلمة التوحيد لله هي الجامع الأكبر بينهم، وهو الذي دعاهم للاجتماع في ذلك المؤتمر السنوي الإلهي الذي جعله للمسلمين فرصة مناسبة لدراسة أوضاعهم ومناقشة شؤونهم ولتقريب الآراء ووجهات النظر في ما بينهم لإيجاد أفضل السبل للتعاون والتكاتف من أجل ردع المعتدين الذين يكيدون للأمة ويريدون اسقاطها.

ولا شك في أن براءة المسلمين في الحج من الشرك والمشركين هي عبارة عن الرفض المطلق لكل أشكال الهيمنة والسيطرة التي يمارسها المستكبرون المشركون ضد شعوب العالم عامة، والشعوب الإسلامية خاصة، وهذه البراءة التي يصرّح بها حجاج بيت الله الحرام يجب أن يصل صداها وصوتها وتأثيرها الى كل بلد من بلاد المسلمين، والى كل موقع في الأرض يوجد فيه المسلمون.

ولا بد أن يرتب المسلمون آثار البراءة العملية والفعلية في حياتهم من خلال تجهيز العدة للجهاد والقتال ضد الذين يتبرؤون منهم، وإلا لكانت البراءة لقلقة لسان لا تقدم ولا تؤخر في تغيير وضع المسلمين اليوم المحتاجين الى كل عناصر قوتهم وبأسهم لرد العدوان الإسرائيلي عن الشعب المظلوم في فلسطين، لأن هذا العدوان ضد الأمة الإسلامية كلها بحاضرها ومستقبلها.

من هنا نفهم السبب الذي دعا الإمام الخميني المقدس لإعلان البراءة من المشركين في مكة المكرمة لأنها المكان الأنسب والأفضل الذي يعلن فيه المسلمون رفضهم لكل ما يخالف دينهم، ولكل من يحاول أن يفرض سيطرته وهيمنته على الأمة ومواردها ومقدراتها وإرادتها، ولذلك يجب على المسلمين الذين يؤدون فريضة الحج، وعلى المسلمين في بلدانهم الذين لم يذهبوا، أن يتفقوا على وقت محدد من أيام الحج لكي يعلنوا جميعاً البراءة بصراحة قوية وصوت مدوّ يخرق أسماع المستكبرين ويقضّ مضاجعهم ويجعلهم يشعرون أن هذا الإعلان يعني الاستعداد الكامل للتضحية والجهاد في سبيل الله لتحرير الأمة من جلاديها وظالميها.