لغة الامام الخميني (قده) تعرف ثقافة الناس وتعبّر عن واقعهم


في الحلقة الثانية والأخيرة من الحوار الذي اجرته "الانتقاد" مع الدكتور عماد أفروغ، استاذ علم الاجتماع السياسي، يتواصل الحديث حول الثورة الاسلامية، مقدماتها ومسارها ونتائجها، ويستكمل الدكتور أفروغ في هذه الحلقة ما بدأه من شرح لصفات الامام الخميني (قده) حسب رؤيته، ثم ينتقل الحديث الى بعض تجارب الدكتور أفروغ الشخصية في ميدان الثورة.

 

ـ نتابع الحديث عن صفات الامام الخميني (قده)

فالذي يعمل في سبيل الله ليس عنده هذا الاصرار ان يرى النتيجة في زمانه، فالمسألة عنده ليست شخصية، هو يبدأ والآخرون يتابعون وهكذا..

ممكن أن نقول أيضاً ان التفكر المصلحي هو من صفات الامام، فليس الأمر ان التوجه للضرورات ليس فيه تأثير للزمان وللمكان ولا اهتمام بهما، بل ان الامام يقول بأن الزمان والمكان لهما دخل في الموضوع ومن الممكن ان يتغير بناءً عليهما.

ومن هنا التوجه والالتفات للظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، الامام اذاً فتح باب المصلحة امام الحكومات الاسلامية... جاء الامام وأكد الاهتمام بالعقلانية وبالظروف المتحولة التاريخية والثقافية التي نشهدها.

ميزة أخرى بارزة عند الامام رضوان الله عليه هي الحياة البسيطة والقناعة في العيش التي تجلت عند الامام برغم الامكانات الوافرة والكبيرة التي لديه كونه قائداً وحاكماً، وحتى قبل الثورة فإن المرجعية بحد ذاتها توفر امكانات هائلة حيث ان مرجعية التقليد تشمل رجوع الافراد لمرجعهم ودفع الحقوق المالية له.

فلم يكن عند الامام مشكلة في الحصول على الاموال، ولكنه بكل وعي وحساسية لم يستفد من اي من هذه الامكانات، بل عاش بمستوى أقل من الطبقة المتوسطة بكثير، والناس بشكل عام كان لديهم من الامكانات ما لم يكن يملكه الامام! سواء قبل الثورة أو بعدها لا فرق.. هذا السلوك "العلوي" عند الامام من الميزات البارزة التي لو لم تكن فيه فليس معلوماً مثلاً ان يستطيع ان يحصل على كل هذه المحبة العجيبة من الناس.

مسألة البعد عن التحجر، وهي لعلها ترجع الى توابع ما ذكرنا من التوجه للمصلحة وادراك الظروف الحالية (الزمان والمكان) وما ذكرته هو فقط عدة مواصفات بارزة ويمكن الاشارة الى الكثير غيرها، مثلاً عرفان الامام الذي اشرت اليه سابقاً، صلاة الليل، التفكر، الزهد..

 

ـ يطرح أحياناً عند الكلام عن الامام مفهوم "الكاريزما" الذي تحدث عنه علماء الاجتماع وخاصة "ماكس فيير" وأن هذه "الكاريزما" تبرز في مجتمعات ضعفت فيها العقلانية، فما هي وجهة نظركم في هذا الموضوع؟

 

أصلاً، أريد أن أقول ان ما طرحه ماكس فيير على "الكاريزما" وقيادتها، وأنها تأتي في الانتقال من المجتمع التقليدي نحو المجتمع القانوني والعقلاني، هذا كله لا يمكنه شرح وتبيين المسألة هنا في مورد الامام.

نظرية "الكاريزما" تقع في أرضية معرفية وتاريخية مختلفة، أصلاً أنا أعتقد أن ما عُرض على أنه "كاريزما" بتعريف فيير يمكن تطبيقه على شخصية الامام... أولاً الامام كان مرجع تقليد، وأنا شخصياً اعتقد أنه لو لم يكن الامام مرجع تقليد لما ملك كل هذه القدرة والنفوذ، مرجع التقليد هو مكانة ومنصب تقليدي... فبشكل عام مراجع التقليد عندهم هذه "الكاريزما"، بشكل أو بآخر وليس هذا بالموقع العادي او الضعيف. فالناس تعتقد ان المرجع ولأجل العلم والسلوك والوعي والفهم والجهد الذي يبذله عنده قابلية الرجوع اليه.. فبناءً عليه يجب الا نغفل عن هذه النقطة، الأمر الآخر هو أن "الكاريزما" هي قسم من العالم التقليدي قد نُقل الى العلمانية، وهذا ما قام به "فيير". قيادة "الكاريزما" لها معنى في الاطار الديني. بما لها من أبعاد قدسية، لا يمكن ان ننسى البعد الحقيقي القدسي ثم نقول انها تشمل "هتلر" و"لينين"، وهذا باعتقادي تحريف لهذا المفهوم.

ليس صحيحاً أن ننسى البعد القدسي للقضية ونتوجه للبعد العاطفي الصرف كشاخص "للكاريزما"، ويتم تعريف القدسية في محل مستقل عن هذه الاحساسات والعواطف.

والنقطة الأخرى هي أن النظام الشيعي هو نظام ذو أرض خصبة لتربية وتنمية هؤلاء القادة الحقيقيين ذوي "الكاريزما"، وهذا يظهر بالرجوع الى مقام المرجعية، هذا المقام الذي له جذور في السنّة، وعندما نسمع انه من كان من الفقهاء صائناً لنفسه مخالفاً لهواه... فللعوام أن يقلدوه.. هذا مقام وموقعية تقليدية ومستمدة من السنّة والحديث، فلا يمكن القول انها حالة عبور ومرحلة تحول وبعدها نذهب نحو القانوني ـ عقلاني وكأنها مرحلة احساسات وعاطفية ينبغي عبورها باتجاه القانون... وكأن الدين نفسه لم يؤكد العقلانية والقانونية؟! التقليدية الشيعية هي عين العقلانية والقانونية، فهل يمكن للقائد "الكاريزمي" ان يعمل بخلاف قوانين الاسلام؟؟ في النظر المتعارفة "للكاريزما" هكذا... يعمل خلاف القانون، بل انه هو الذي يصنع القانون.. القائد في الاسلام يطبق القانون، والامام عندما يذكر المصلحة فإنه يقول هذا ايضاً من الاحكام الأولية للاسلام التي عُرّفت في الكتاب والسنّة، وهذه السنّة قبل ان تكون سنّة تاريخية اجتماعية تقليدية فإنها مكتوبة "النص"، وهو من عند الله، ولانه "نص" فهو مختلف بشكل كامل، ولهذا كله فإنه لا معنى للتشبيه والمقارنة بين الامام والقائد و"الكاريزما" فـ"الكاريزما" لا ترتبط بمجتمعنا، والاشخاص الذين في مجتمعنا يطرحون هذا فإنه للأسف ليس عندهم فهم عميق لا "للكاريزما" ولا للامام!

 

ـ كيف تجلت آلية قيادة الامام للشعب نظراً الى اختلافها عن الاشكال التقليدية للعمل السياسي الحزبي او الجبهوي وما شابه؟!

 

هذه نقطة جميلة جداً، علاقة الامام بالناس، يمكننا القول تقريباً انها مثل علاقة الامام المعصوم بالناس (بمستوى اقل) وهو شيء أعلى من علاقة المرجع بالناس، وعلاقة حب وعشق، أصلاً الولاية نفسها لها معنى العشق. ارتباط عرفاني، علاقة عاشق ومعشوق، علاقة وحدة، هذه العلاقة (العاشق والمعشوق) لا نراها مثلاً في العرفان المسيحي. الشاعر حافظ الشيرازي يقول(ترجمة البيت)

ما الذي حدث عندما وقع ظل العاشق على المعشوق؟

كنا نحن المحتاجين له، وصار هو المشتاق لنا.

فالمسألة هنا هي احتياج واشتياق، علاقة خاصة شرقية،اسلامية، دينية، لا يمكننا التفريق بين الدين والشرق، ليس علاقة عقلانية بمعنى النفع والحساب (المادي) وهذه نقطة ينبغي الالتفات اليها، نشير الى ان الامام استخدم اساليب وآليات شعبية في ارتباطه بالناس، أساليب تقليدية عادية بعضها ورد في النص وبعضها شعبي، تعرفون ان كثيراً من شعائرنا هو نصّي كالحج.. نموذج سلوكي معرف من قبل الله، وهناك سلسلة من السلوكيات، صنعها الناس، مثلاً اقامة ذكرى الاسبوع ـ الاربعين ـ الحسينيات، الامام استفاد بشكل كامل وكبير من الارتباط بالشعب، باللجان والهيئات والمناسبات المعيشية والشعبية.

وهذا كله جزء من رأسمال الشعب والناس ومن المؤسسات الشعبية غير الرسمية، لا نقول انه لم  يُستفد من وسائل الاعلام والاتصالات الحديثة، ولكن كانت الاستفادة من وسائل بسيطة جداً، اشرطة كاسيت، مكبر صوت، كتاب، ماكينة تصوير (فوتوكوبي)، وسماحته كان يريد ان يدلنا ان العلاقات الشعبية أقوى وأسرع وأكثر فعالية من كثير من الوسائل الجديدة والمتطورة، هناك مسألة خاصة، واللغة هي المهمة، لغة الامام كانت لغة تعرف ثقافة الناس، وليس كالاصطلاحات الصعبة وغير الملموسة مثل الامبريالية والخ.. الامام قال: الشيطان الأكبر، الناس يعرفون جيداً مفهوم الشيطان.. لو قال الامبريالية فقط النخبة تفهم المقصود، ولكن الثورة احدى مميزاتها انها استطاعت تعبئة الجميع، الامام استطاع من خلال الارتباط بالناس، من خلال موقعية المرجعية، علاقة العشق والمحبة، اللغة العارفة بثقافة الناس، استطاع ان يعبئ للثورة، وفي الواقع حتى الآن فإن الناس تعتبر الامام حامي عزتها، وأنا أعبر عن المسألة هكذا، والناس تعتبر ان الامام هو جواز عبورهم على الصراط... لهذه الدرجة الامام عزيز عند الناس، فقد اعطاهم هويتهم المفقودة، الناس تشعر انه لا يوجد اي فاصلة بينها وبين القيادة.. وهذا لا يرجع لظروف تاريخية ولا لشخصية الامام، بل لموقعية القائد في الكتاب والسنّة، وهذه هي النظرة الفلسفية العميقة التي هي البنية التحتية الموجودة في الاسلام بالنسبة للقائد والشعب.

 

ـ كونك قضيت فترة من دراستك في الغرب (بريطانيا) وعندك مطالعات متنوعة حول التيارات والكتابات المعاصرة، نسأل: الآخرون والمثقفون منهم كيف نظروا الى الثورة الاسلامية، والى اي حد اتسمت آراؤهم بالموضوعية؟

 

اذكر لكم  بعض المسائل التي لمستها خلال اقامتي (أُبعد الدكتور من بريطانا بعد اعتقاله لفترة ولأسباب سياسية) الحملات والهجمات ضد الاسلام التي اصبحت اشد بكثير مؤخراً في تلك الفترة كانت الحملات الاعلامية منصبة على ايران، اما الآن فتشمل كل ما هو اسلامي وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وهذا يرجع الى السياسة العدوانية وخاصة من قبل اميركا، أما في تلك الفترة على مستوى المثقفين والنخبة كان هناك جو من الابهام حول الثورة الاسلامية. الى أين ستصل؟ ماذا يشمل برنامجها؟ كان هناك سلسلة من الهجمات ومن الادعاءات الكاذبة التي لم تكن عمومية ـ الشيء اللافت للنظر هو تأثر الناس العاديين، فمن اطلع منهم على الثورة كان معجباً بها، وهذا ما لمسته شخصياً وبشكل متكرر على سبيل المثال:

أحد العمال الذي كان ينظف زجاج المبنى الذي نسكنه عندما تعرف الينا: قال"ادعوا لنا ان يظهر عندنا ايضاً خميني... وأيضاً عندما اعتقلت أحد عناصر الشرطة شهد في المحكمة ضدي وتقرر ابعادي، وفي آخر يوم من الاعتقال قبل الترحيل كنت صليت الظهر وقبل الشروع بصلاة العصر، جاء هذا الشرطي نفسه وقال: انا عندي رجاء منك! قلت تفضل: قال: اسأل الله ان يسامحني على ما فعلته معك! من أين جاء هذا التأثير المعنوي؟! أي تأثير معنوي للثورة وللشباب المنتمين لها..

لقد وصلت للآخرين رسالة الثورة سواء في مبانيها النظرية أو أبعادها المعنوية، وليس المقصود انها وصلت لجميع الأفراد، المقصود هو النظام وليس الأشخاص، وصلت لهم رسالة الثورة... اما الادراك الأرقى وخاصة عند المثقفين فإن هناك موانع هي الحملات الاعلامية القوية، وكذلك الهم العلماني المسيطر على نظام الجامعات، الذي للأسف تأثيراته تظهر في الجامعات الاسلامية! والى حدود ما فإنهم لا يلتفتون بشكل جيد الى الابعاد الالهية والمعنوية في هذه الثورة. نحن الآن بشكل او بآخر نشهد الان تحولات في الغرب بسبب أخذ العبر من الماضي.. مثلاً مسألة طرح العلم الديني.

ما يسمى احياء الله في مجالات مختلفة، التوجه نحو المعولمين في العلاقات الانسانية... وهذا من تأثيرات الثورة الاسلامية وذلك البعد العالمي الذي أشرت اليه في مقدمة البحث، فهذا البعد العالمي للثورة يشمل احياء الله في ساحات المعرفة وكذلك تقوية المعنويات.. وعلى كل حال ما اريد قوله هنا انه لا يصح ان نتوقع كثيراً من نخبويي تلك الجامعات، لانهم ولسنوات متمادية كانوا غرباء عن حياة الناس ومعيشتهم وعن العلم الديني، ولكن مؤخراً حصلت بعض التحولات الايجابية على هذا الصعيد، مثلاً عندما تقرأ بيان المثقفين الاميركيين الثمانية والخمسين حيث نجد اما عن طريق الفصل او عن طريق تحول ما كلاماً عن الله والشيطان والـ... المفاهيم الدينية كانت غائبة لسنوات عن العلم العلماني والاثباتي... اما الآن فإنها تطرح، وهذا يحكى عن نوع من التحول والتغيير الايجابي الذي ينبغي متابعته.

 

ـ كنتم من اوائل المتطوعين وهاجرتم من ايران الى لبنان لتلتحقوا بالمقاومين الفلسطينيين واللبنانيين في اواخر السبعينيات، ولكم ذكريات في قلعة الشقيف وعلى الحدود ضد الصهاينة، حالياً ماذا تشعرون وأنتم تتابعون انتصارات وجهاد المقاومة الاسلامية والانتفاضة المباركة؟!

 

الى الآن لا أشعر الا انني واحد من هؤلاء المقاتلين، أشاركهم في كل احساسيهم، ويغمرني الفرح عندما أجد هذا الاهتمام والمحبة والتشجيع لحزب الله من جميع المسلمين والشرفاء.. اذكر لكم حادثة جرت معنا في مكة منذ سنوات عندما كنا في الحج وحدث سوء تفاهم بين احد الحجاج اليمنيين من اهل السنة وبين بعض طلابنا فإذا بأحد الاساتذة الجامعيين الليبيين يتدخل وتحدث بحزم الى الحاج اليمني ويقول له: لسنا نحن من اخرج اميركا و"اسرائيل"، بل حزب الله، وهؤلاء ينبغي تقديرهم واحترامهم. وهذا التصور موجود تجاه حزب الله. انا شخصياً أشعر بالانس عندما اسمع بأخبار المقاومة التي تمثل كل مقاومة العالم الاسلامي، وأدعوهم دائماً ان لا يلتفتوا الى بعض المشاكل النظرية هنا وهناك، ويحكموا عهدهم كما هم دائماً مع الخميني والخامنئي الذي يتابع بالحق طريق الامام، هذا العهد الذي أوثقوه بالأصل مع محضر الحق تعالى، مع رسول الله(ص) ومع امير المؤمنين (ع) وابي عبد الله الحسين (ع)، وان يتابعوا ولو بلغ الأمر ما بلغ..