قصة بناء "اللوفر": التاريخ في متحف


خوفاً من خطر "الفايكنغ" بدأ العمل في باريس لبناء سور بطول ثلاثة آلاف متر تقريباً، وسماكة ثلاثة أمتار، وارتفاع عشرة أمتار، فانبثقت قلعة على مقربة من نهر السين، وارتفع في قلبها برج رئيسي بارتفاع ثلاثين متراً، وسماكة ثلاثة أمتار، وقطر تسعة وعشرين متراً. وأحاطت بالبرج خنادق، وجدران استحكامية، وبريمات.

وأطلق على الموقع اسم "اللوفر" دون أن يعرف أحد سبب، أو أصل، أو معنى هذه الكلمة، ثم تحول اللوفر الى قلعة غدت مخبئاً آمناً للخزينة الملكية، المحفوظات، وأثاث التاج، فضلاً عن جعلها سجناً للشخصيات الشهيرة.

في العام 1528 أمر الملك فرانسوا الأول بإزالة برج اللوفر الرئيسي وشيدت مكانه مطابخ سادة الاقطاع ومساكنهم، وأوعز الملك بزخرفة شققه داخل القلعة، وانجاز رسوم جدارية تمثل أشخاصاً خرافيين نصفهم الأعلى بشر والأسفل ماعز، ثم جاء دور الذهب، الذي ازدانت به بعض أرجاء القصر، وأشرق زجاج النوافذ بالرسوم والألوان الجديدة.

لقد أراد فرانسوا الأول أن يجعل من نفسه نصيراً للآداب والفنون، فشكل نواة لمجموعة اللوفر الفنية، واستضاف ليوناردو دافنشي وحصل منه بعد وفاته على لوحتيه "القديسة أنا" و"القديس يوحنا المعمدان"، و"الموناليزا" على الأرجح، بالاضافة الى لوحات لرافائيل وأندريا ديل سارتو وفرابار تولوميو وتيسيان.

 

رواق هنري الرابع 

حال دخول الملك هنري الرابع باريس عام 1594 أنشأ ورشة ضخمة لوصل قصر اللوفر بقصر التويلري عن طريق رواق كبير، استمر العمل فيه طيلة ستة عشر عاماً وفي العام 1610 مع اكتمال الرواق، اغتيل الملك داخله، وكان الملك قد عبّر عن ارادته في تحويل هذا الرواق الى سكن وورشة لمجموعة من أبرع الرسامين وأمهر الحرفيين وأضحى اللوفر مدينة للفنانين.

ثم زاد التطور مع الملك لويس الرابع عشر في العام 1658 أما في العام 1789 ومع قيام الثورة فاهتز اللوفر رمز الملكية، ثم جرت فهرسة آثاره الفنية، وغدا تحويل اللوفر الى متحف وطني مطلباً ملحاً، فراحت تتبلور ملامحه في العام 1793 الى ان تحول الى "المتحف الوطني للفنون".

 

متحف نابليون 

في العام 1803 اطلق اسم نابليون على المتحف باقتراح من المشرّع كامباسريس، وفي عهد نابليون شهد المتحف نهضة عظيمة فأصبحت موجوداته بالآلاف وأكثرها تم الاستيلاء عليه في الحروب وتحديداً الأحجار المنقوشة.

 

سرقة الجوكندا 

في العام 1911 سرقت لوحة دافينيش الشهيرة الجوكندا أو الموناليزا من اللوفر ولم تستعد الا في العام 1913 حيث تلقى تاجر عاديات رسالة غريبة من شخص يعرض فيها اعادة الموناليزا الى وطنها ايطاليا مقابل مكافأة، وبعد اتمام الصفقة، اعيدت الى باريس واستقبلت استقبال الملوك.

اما في العام 1940 ومع زحف الألمان الى فرنسا فقد جرى اخفاء جميع محتويات اللوفر ولم يسلب سوى 49 لوحة بأساليب ملتوية، ومع ذلك تمت اعادتها بعد التحرير.

 

تحولات سريعة 

بسبب إخلاء وزارة المالية للمكان الذي استعملته 120 عاماً انفتح امام المهندسين أفق رحب حول المتحف ليصبح اللوفر مدينة داخل مدينة، فأصبح قبو اللوفر يتسع لـ 600 سيارة و 80 حافلة مع مساحات للمهن الفنية والأزياء والمطاعم ومختبر، كما أعيد توزيع عناصر المكان من لوحات وتماثيل بتكلفة لا تقل عن 6 مليارات فرنك فرنسي، الا ان المشروع برمته أثار سلسلة من الجدل، وبالأخص حول الهرم الزجاجي، عقب اختيار الرئيس ميتران للمهندس الصيني ـ الاميركي ايوه مينغ بي ومشروعه الخاص ببناء هرم زجاجي كبير، بارتفاع 21 متراً وهو مؤلف من 675 مثلثاً زجاجياً، والذي ارتفع في وسط ساحة نابليون داخل المتحف.

 

معلم انساني 

ينتصب متحف اللوفر في قلب باريس، متشبثاً بالقيم الرمزية للقصر الملكي الذي يوجد فيه، وبقيم الأعمال واللوحات الساهرة في جنباته التي تحكي قصة الابداع الانساني على مر العصور، بهذا يتحول المتحف الى حارس رهيب لأصول الفن التشكيلي في الغرب، ويمارس بحجمه الكبير، وبعظمة بنائه الملكي، سلطة كبيرة في التقليد الجمالي للرسم والتشكيل.

لا يكتفي متحف اللوفر باللوحات وأعمال الفن التشكيلي، ولكنه يحتوي على مجموعة ضخمة من الآثار التي تنتمي الى حضارات متعددة، لعل أهمها وأجملها على الاطلاق آثار الحضارة العربية الاسلامية، وتنتصب النقوش المصرية القديمة، وتستلقي قربها مومياءات العهود المصرية الغابرة، وتسهر السيوف العربية القديمة وأواني الطبخ ومفاتيح المدن، وأغلبها وصل الى المتحف بطرق مشبوهة، وفي كل الأحوال، يبقى متحف اللوفر مفخرة لباريس وللفنون في العالم.

عبد الحليم حمود