الفجوة الرقمية: أزمة مال أم سياسة اهمال


يروي الدكتور فاروق الباز المصري الجنسية وهو أحد منسقي مشروع "الباثفايندر" إلى المريخ في وكالة الفضاء الأميركية الـ "ناسا" أنه وخلال إحدى جولاته في السودان دخل إلى أحد مقاهي الأنترنت وفوجئ بأن الأجهزة التي يستخدمها رواد ذلك المقهى أكثر تطوراً من تلك التي يعمل عليها في مكتبه الخاص في وكالة الفضاء. هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن استخدام العرب للحواسيب لا يزال أقل من قدرتها, وأن هذه الالة حتى اليوم لم تتعد نطاق الآلة الطابعة أو التلفاز .

فقد أكد تقرير للاتحاد العربي لتقنية المعلومات أن حجم ‏‏الفجوة الرقمية العربية في مجال برامج الحاسوب وصل إلى 4,5 مليار دولار فيما بلغت ‏كثافة انتشار أجهزة الحاسوب 80 مليون جهاز، وبلغت كثافة خطوط الهواتف 80 مليون خط .

هذه الأرقام مخيفة في واقع الحال ولكن هل سنبقى ننتظر ما وعدتنا به بعد الدول الغربية التي اكتشفت أن الاستمرار في اتساع هذه الفجوة سيوصل إلى عدم القدرة على استقبال الدفق المعلوماتي الذي يصلنا من تلك الدول فضلاً عن غزوها الثقافي لحضارتنا وديننا ومحاولة استعمارنا من أبواب شتى ليس أقلها معلوماتياً.

 وأشار التقرير نفسه إلى أن تلك الدول المتقدمة رصدت ميزانيات ضخمة لتقليل هذه الفجوة من خلال ‏ ‏خدمة مشروعات إقليمية ودولية من أجل تحقيق التنمية الرقمية!!.

ان الثورة المعلوماتية التي أدت الى الثورة التكنولوجية انما نشأت بفعل العمل على اختصار الوقت والجهد في سبيل إنتاج أفضل المعدات من أجل تطوير الصناعة في العالم الغربي بينما لا يزال العرب يسعون للحصول على هذه التكنولوجيا من أجل التباهي فقط بأنهم يمتلكون أحدثها دون معرفة القدرة الكامنة فيها.

فالعرب يصرفون سنوياً ملايين بل مئات الملايين من الدولارات على شراء التقنية الحديثة، ويحرصون على أن تكون في الأسواق العربية قبل نزولها في أي مكان في العالم, ولكن من دون التخطيط لما يمكن أن يستفاد منها.

لم يدخل العرب الى عالم المعلوماتية بعد, وإن كانت بعض المحاولات الصغيرة من قبيل شركات تسجيل النطاقات (DOMAIN) بالعربية على شبكة الانترنت لتسهيل وصول العرب إلى بعضهم البعض عبر استعمال نطاقات عربية على الانترنت بدل تهجئة الاسماء العربية بالاجنبية.

قامت السعودية بإنشاء مصنع لإنتاج الحواسيب المصنعة داخل البلاد وصرفت عليه المبالغ الطائلة وبالتعاون مع شركة "أنتل" لكن حتى الآن لم نشاهد أياً من هذه الأجهزة في الاسواق.

كذلك بالنسبة لسوق البرامجيات فإن بعض الشركات ما زالت تحاول خوض غمار هذا العالم مع القدرة العالية التي يمتلكها افرادها، لكن من دون أي دعم حكومي, في المقابل نجد الحكومات في العالم الغربي تشتري أول عمل لشركات كهذه بسعر تشجيعي يمكن في بعض الاحيان أن يغطي تكاليف العمل بأكمله كدافع للعمل نحو الأفضل.

 

البحث العلمي ومؤسساته 

تكاد مؤسسات البحث العلمي تكون معدومة عندنا في ظل المفهوم السائد في صرف الاموال على التقنية حيث اننا نستطيع الحصول على ما نريد من مشروعات دون الحاجة الى جهود وطنية، فيمكننا شراء أي مشروع من الخارج أو حتى تنفيذ أي دراسة جاهزة من الخارج دون الالتفات إلى أن الخارج لا يعطينا إلا ما لا ينفعه أو ما قد يكون جربه وفشل في التجربة فيبيعنا اياه لنسقطه بكل مستلزماته على شعوبنا .

ان الشركات الكبرى في العالم الغربي تقوم بتمويل الابحاث العلمية بكل طاقتها, لان ذلك بالنتيجة سينعكس مردوده عليها لناحية الانتاج  بينما نحن ما نزال نعتقد أن دفع الاموال على هذه الابحاث هو بلا طائل. وإذا ما نبغ أحد أبناء الامة في علم ما,  يجب عليه الذهاب الى الخارج ليجد من يموّل أبحاثه وليس آخرهم الشاب اللبناني الذي قام بصنع الشاشة المسطحة ذات الوجهين والتي دفع من كدّ عرقه كلفة تسجيل براءة اختراعها فضلاً عن تسجيلها عالمياً، وهو يحضر أوراقه للسفر الى الخارج للبحث عن تمويل مع العلم انه أعلن عن ان تكلفة هذاالتمويل زهيدة، وان انتاجه ممكن بكل بساطة.

الاهمال المستمر هو سبب التخلف وسبب زيادة اتساع هذه الفجوة، وإذا لم يلتفت العرب إليها فإنها ستبلعهم مع سيل الجيوش القادمة.

مصطفى خازم