بين باول وكيسنجر

 

  أمامنا نصان لوزيري خارجية اميركيين حالي وأسبق: الاول للحالي كولن باول قاله امام مجلس الشيوخ الاميركي، وأفصح فيه عن الهدف الحقيقي لغزوة العراق القادمة وقال فيه حرفيا "ان هذه الحرب ستؤدي الى اعادة تركيب الشرق الاوسط بما يضمن مصالح الولايات المتحدة أكثر فأكثر"، والثاني للاسبق الاشهر هنري كيسنجر نشر كمقالة في صحيفة "الشرق الاوسط" (9/2/2003) وفيه استعرض الرجل معرفته بتاريخ العلاقات الدولية واجرى مقارنة موسعة بين العدوان البريطاني ـ الفرنسي ـ الاسرائيلي على مصر عام 56 وموقف واشنطن حينه المعارض للضربة، وموقف باريس وبرلين وغيرهما من "الحلفاء الاوروبيين" المعارض  لضرب العراق حاليا. المثير في مقالة كيسنجر هو افصاحه عن مكنونات نفسه كشخصية غارقة كلها في الجريمة، جرائم الحرب طبعا، عندما سخر من بعض القادة الاوروبيين بقوله حرفيا "الواقع ان الحلفاء غير فاعلين لان زعماء دول الحلف يستشيرون المحامين، ولن ينتعش هذا التحالف الا عبر تفعيل المشاعر والروح المعنوية بعيدا عن قيود القانون والمواثيق".

  طبعا لا يستغرب مثل هذا الكلام عن رجل مثل كيسنجر في رقبته لائحة اتهام طويلة فصلها كريستوفر هيتشنز في كتابه المثير "محاكمة هنري كيسنجر". كما ان الاخير (كيسنجر) في كتابه "هل تحتاج اميركا الى سياسة خارجية جديدة؟" عارض تماما القضاء الدولي وانشاء محكمة جنائية دولية، وما يتصل بها من نقاش وبحث وتفكير. اذاً من المنطقي ان يدعو كيسنجر بعض القادة الاوروبيين الى ان يصطفوا بجنبه كمجرمي حرب ضد العراق لا كرجال سلام.

ومع ان الرجل لا موقع تنفيذياً له حاليا في ادارة جورج بوش، وهو استقال من رئاسة لجنة التحقيق حول هجمات نيويورك وواشنطن التي شكلها الرئيس الاميركي لانها تتعارض مع زبائن مكتبه للاستشارات القانونية والتجارية والسياسية وغيرها، الا ان كلامه اذا وضع الى جانب كلام باول فيشكل مرجعية اساسية للاخير، ويوضح المنبع الذي يستقي منه رجال بوش افكارهم وآراءهم التي يديرون بها بلادهم والعالم.

 ففي حين تبرز دعوات من معظم انحاء العالم تطالب الولايات المتحدة بتقديم "ملف اتهام" و"ادلة قاطعة" "تبرر الحرب ضد العراق"، وعدم اللجوء الى القوة الا بعد استنفاد كل الوسائل الديبلوماسية يأتي تصريح باول، على طريقة سلفه، ليسخر من هذا التفكير الذي ينتمي الى "عالم قديم" لا قيمة له حاليا، عالم كان فيه للقانون الدولي بعض القيمة فأنهت الولايات المتحدة عهد القانون الدولي هذا، وأعادت البشرية الى شريعة الغاب.

ألم يعلن باول ان مصالح اميركا هي المعيار، لا اسلحة الدمار الشامل ولا "الارهاب" ولا من يحزنون. فلماذا يتعب العالم نفسه مع وحوش العصر؟

عبد الحسين شبيب