|
|||
|
الهجمات الإعلامية الأميركية على فرنسا وألمانيا تتصاعد لأسباب على صلة بتوترات تقليدية بين الفريقين. أسباب جيدة للحنق الأميركي تبلورت من خلال حرب المنطق التي لعبت فيها أوروبا دوراً حاسما في تهفيت حجج الإعلام الأميركي، وبالتالي في المزيد من إظهار الصورة البشعة للتوجهات الأميركية أمام الرأي العام الأوروبي والدولي، بشكل أسهم في ارتفاع منسوب العداء لواشنطن.
في التاسع من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أجرت القناة التلفزيونية الفرنسية الثانية، وهي قناة قريبة من مركز القرار الفرنسي، مقابلة مع الاستراتيجي الأميركي المعروف إدوارد لوتواك، شن خلالها هذا الأخير حملة شعواء على الرئيس جاك شيراك، وأكد أن واشنطن لها معه حساب طويل، وبأنها اتخذت قراراً بمحاسبته، وبأنه سيسدد الحساب، لأنه "أراد أن يأكل على حساب الولايات المتحدة...". وفي السابع من شباط / فبراير الجاري، أضاف دونالد رامسفيلد إلى هجومه على فرنسا وألمانيا، حيث نعتهما بأنهما تمثلان "أوروبا القديمة"، أضاف هجوماً جديداً تمثل بوضع المستشار الألماني غيرهارد شرودر في خانة واحدة مع ليبيا وكوبا، مع ما يوحي به ذلك من قرب وضعه في خانة الدول المارقة، أو حتى في محور الشر، وخصوصاً أن ألمانيا وسوريا هما العضوان الوحيدان في مجلس الأمن اللذان رفضا الحرب الأميركية على العراق حتى بتفويض من الأمم المتحدة.
تذكير بالأصوليات وقد أرفق رامسفيلد، الذي حضر إلى ألمانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي للمشاركة في المؤتمر السنوي للأمن في ميونيخ، أرفق هجومه بما يشبه الإنذار أو بفرصة اللحظة الأخيرة عندما دعا ألمانيا وفرنسا إلى الالتحاق بما أسماه "أكبر حلف في التاريخ"، مشدداً على أن هذا الحلف بات يضم تسعين دولة، الأمر الذي اعتبره المراقبون إشارة واضحة إلى عملية العزل التي تسعى واشنطن لفرضها على البلدين العاصيين، خاصة بعد الرسالة التي وجهتها ثماني دول أوروبية إلى الولايات المتحدة وتضمنت تأييدها لحربها المزمعة على العراق. ومن الجدير بالملاحظة، في إطار الحرب الباردة التي تدور رحاها بين ضفتي الأطلسي، والتي تتميز بارتفاع منسوب المشاعر المعادية في المعسكرين، وكذلك بحملات إعلامية في منتهى الشدة، أن وزيرة الدفاع الفرنسية ميشال آليوت ماري بالذات، هي التي ردت على رامسفيلد لتذكر بأصوليات التحالف كـ "الحوار والتشاور واحترام الآخر وتجنب الاتهامات غير القائمة على أسس صحيحة والتفسيرات الكاذبة...". والسؤال الذي يطرح نفسه، في الوقت الذي تلوّح فيه فرنسا باحتمال استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن ضد أي قرار قد يصدر بشن الحرب تحت مظلة المنظمة الدولية دون أدلة كافية على عدم تعاون العراق مع المفتشين الدوليين، هو حول الأسباب التي أدت إلى تفاقم الخلافات بين فرنسا وألمانيا من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية، بهذا الشكل الذي كاد يطغى على المشكلة الأساسية المتمثلة بالخلاف بين واشنطن وبغداد.
خلفية صراعية الأكيد أن تلك الخلافات التي ترتكز إلى خلفية صراعية في مجالات الحرب التجارية والتسلح والبيئة والمؤسسات الدولية واحتكاك المصالح والتوترات الناشبة حول التفرد الأميركي والنزعة الأوروبية باتجاه القطبية التعددية (راجع العدد الأخير من "الانتقاد") لم تخفف من حدتها عقود من التحالف الوثيق ضد الخطرين النازي والشيوعي، إضافة إلى ما يسمى حالياً بالتهديد الإرهابي. غير أن هذه الخلافات تمحورت مؤخراً حول الموضوع العراقي وقبله، إلى حد ما، حول النظرة إلى الحرب على الارهاب والرفض الأوروبي لفكرة صراع الحضارات والحرب الصليبية اللتين تستبطنهما الدعوات الملحّة من قبل واشنطن إلى وقوف "الأمم المتحضرة" إلى جانبها في المواجهات الراهنة والمستقبلية. فالمعروف، في هذا المجال، أن فرنسا لا تتفق مع سياسات الولايات المتحدة تجاه بلدان العالم الثالث والعربي ـ الإسلامي وتدعو، كبديل لنهج التدمير الاقتصادي الذي تعتمده واشنطن في تلك البلدان من خلال المؤسسات المالية الدولية، إلى اعتماد سياسات تنموية وشراكات ضرورية لوضع حد أمام السيرورة العالمية بسرعتين متفاوتتين. وفيما يتعلق بلعبة المصالح المباشرة في العراق، فإن فرنسا وألمانيا اللتين خسرتا الكثير من جراء الحرب الأولى على العراق تعلمان بأن واشنطن تسعى من خلال الحرب الثانية إلى وضع اليد على النفط العراقي، وعلى نفط الخليج في المرحلة اللاحقة، ما سيؤدي إلى خسائر فرنسية وألمانية أكبر بكثير في هذا المجال. وهذه الخسائر ستكون أكثر خطورة في المجال السياسي حيث ان إعادة رسم خارطة العلاقات الإقليمية والدولية بعد الحرب لن تخدم غير توجهات الهيمنة الأميركية والإسرائيلية. وكل ذلك يتعارض بالطبع مع المساعي التي تبذلها كل من فرنسا وألمانيا لإثبات وجودهما، من خلال الاتحاد الأوروبي، كقوة فاعلة على المسرح الدولي. ولا شك بأن واشنطن توجس خيفة من تعميق وتوسيع الاتحاد الذي يشكل قوة منافسة حقيقية على المستوى الاقتصادي، ويتقاسم السيطرة بالتساوي مع الولايات المتحدة على ما يقرب من 50 في المئة من السوق العالمية ما يؤهله، برغم حاجته إلى السوق الأميركية واكتوائه بنار الحمائية الأميركية، لإحداث انقلاب حقيقي في موازين القوى الاقتصادية. وقد دلت على ذلك نجاحات العملة الأوروبية الموحدة خلال العامين الماضيين، حيث تمكنت أكثر من مرة من زحزحة الدولار عن موقعه كسيد للعملات العالمية. ولا تقلّ عن ذلك خطورة في نظر واشنطن مساعي فرنسا، والدعم الألماني لهذه المساعي، من أجل تكوين قوة أوروبية يشكل مجرد وجودها إيذاناً بفك الارتباط مع الحلف الأطلسي وتوجيه ضربة كبرى للحلم الأميركي بتأييد الهيمنة على القارة من خلال ذلك الحلف.
الإقناع الأميركي إلا أن جميع هذه الأسباب وغيرها مما يمكن اعتباره أسباباً تقليدية للتوتر قد أفسحت المجال، في ظل قرع طبول الحرب الأميركية على العراق، لظهور عنصر خلافي جديد تبرز أهميته عندما نأخذ بعين الاعتبار مدى الأهمية التي تعلقها الإدارة الأميركية على "إقناع" العالم بصحة طروحاتها من خلال ما لا يحصى من المؤسسات المتخصصة في أفانين التأليب والتلاعب عبر قنواتها المتمثلة بإمبراطوريات إعلامية بالغة السطوة في سوق الأفكار العالمية. والحقيقة أن أوروبا، وألمانيا وفرنسا بوجه خاص، قد ألحقت هزيمة نكراء بهذه المؤسسات حيث بات الحديث يوميا في أوروبا، وخلافاً لتوقعات جهابذة الإعلام الأميركي، عن تدهور صورة أميركا في نظر الرأي العام وعن تصاعد نزعة العداء المكشوف للولايات المتحدة. ويتجلى ذلك من خلال التهفيت الأوروبي المنهجي للحجج الأميركية بفضل منطق مضاد ومتماسك هو الذي يفسر، إلى حد بعيد، هبوط أسهم أميركا وتدهور صورتها بالتوازي مع اتساع مدى التأييد غير المسبوق للموقفين الألماني والفرنسي. فعلى سبيل المثال لم يعد يوشكا فيشر، أو غيره من المسؤولين الألمان والفرنسيين، هو وحده غير المقتنع بفكرة التهديد الذي يشكله العراق للغرب وللاستقرار في العالم. والدليل على ذلك أن 85 في المئة من البريطانيين يشاركونه هذا الاعتقاد مع ما يعنيه ذلك من تهديد لحكومة بلير ومواقفها الثمينة في خدمة السياسة الأميركية. وهذا التحول على مستوى الرأي العام عبّر عن نفسه في التظاهرات الضخمة التي خرجت لاستنكار الحرب في مدن أوروبا والولايات المتحدة، والذي جعل 32 في المئة من البريطانيين و77 في المئة من الفرنسيين يعارضون الحرب حتى تحت مظلة الأمم المتحدة. كما عبّر عن نفسه مثلاً في إسبانيا حيث بات مطلب البرلمانيين اليساريين بعقد جلسات لمناقشة موقف بلادهم من الحرب يشكل تهديداً ملموساً لحكومة خوسيه ماريا آزنار الذي أسلس القياد هو الآخر للتوجيهات الأميركية.
حرب المنطق وبالطبع فإن هذه التحولات التي تتسارع باتجاه المزيد من الابتعاد عن الوصي الأميركي هي من النتائج المباشرة لما يمكن اعتباره حرباً ضروساً مجالها المنطق وصراع الحجج بين الولايات المتحدة وكل من فرنسا وألمانيا. والحقيقة أن هذه الحرب قد أسفرت حتى الآن عن تكريس مجموعة ضخمة من التساؤلات المحرجة والقناعات الراسخة التي تنفخ الرياح في وجهة غير تلك التي تشتهيها حاملات الطائرات الأميركية... لماذا تشن الحرب على العراق من غير أدلة مقنعة لا يمكن توفيرها إلا من خلال استمرار عمليات التفتيش التي تعرقلها الإدارة الأميركية؟ لماذا كل هذا الحرص الأميركي والبريطاني على تلفيق أدلة من النوع الذي لا يلبث أن ينكشف عن فضائح حقيقية لملفقيها أنفسهم؟ لماذا إعطاء الأولوية للحرب على العراق في وقت يعاني فيه العالم ـ نتيجة للسياسات الأميركية بالذات ـ من مشكلات أكبر بكثير من احتمال امتلاك العراق لبعض أسلحة الدمار التي لا يبدو قادراً أو مستعداً لاستخدامها؟ لماذا يلاحق العراق على الشبهة ويتم التغاضي عن كوريا الشمالية برغم يقينية امتلاكها لتلك الأسلحة وقدرتها على استخدامها؟ لماذا يكون الترتيب الأميركي لأوضاع العراق أفضل من الفوضى السائدة، وما هو الدليل على أن الترتيب الأميركي يقدم ضمانة للاستقرار؟ لماذا كل هذا الضجيج حول العراق وكل هذا الصمت عن "إسرائيل" وترسانتها الضخمة من أسلحة الدمار الشامل، واستخدامها الأسلحة الأميركية في ضرب الشعب الفلسطيني؟ لماذا ترد واشنطن بحرب فعلية واسعة النطاق على خطر افتراضي، وما الذي يعنيه إدخال مفاهيم الحرب الوقائية والضربة الاستباقية غير السعي إلى تحكيم إرادة الصقور الأميركيين بمصير العالم؟ لماذا تتخلى إدارة بوش عن سياسة الاحتواء والردع التي اثبتت فاعليتها مع الديموقراطي كلينتون ومع الجمهوري ريغان وسمحت للولايات المتحدة، في الوقت ذاته، بتحقيق ازدهار اقتصادي ملموس لم يلبث أن أخلى المجال للركود في ظل سلاسل الإفلاسات والسرقات التي انتعشت مع وصول بوش إلى الحكم؟ ما الذي تعنيه تبسيطية بوش وعنجهيته حيث لم يسبقه أي رئيس أميركي إلى الزعم بأنه يمثل وحده معسكر الخير، وأن كل من لا يقف وراءه ينضم آلياً إلى معسكر الشر؟ أسئلة محرجة باتت تحتل مناطق شاسعة في الوعي الأوروبي وستواصل التقدم داخل هذا الوعي، بغض النظر عن المواقف النهائية للثماني أو حتى للحكومتين الفرنسية والألمانية. وتقدمها هذا يعني مزيداً من تدهور صورة أميركا وتصاعد النزعة المعادية لها، خصوصاً مع اطلاع الرأي العام يومياً على عقلية الطغيان والبدائية الفجة التي تحكم السلوك الرسمي الأميركي. ألم يستحدث البيت الأبيض شبه وزارة للتضليل الإعلامي تحت اسم "إدارة الدبلوماسية العامة"، بموازنة 655 مليون دولار، مهمتها المكشوفة هي التلاعب بالأفكار من خلال ابتكار الأكاذيب ورشوة الكتاب والصحافيين ودفعهم إلى إنتاج تلفيقات تخدم السياسة الأميركية؟ ألا يصرح الأميركيون علناً عن نيتهم ضرب زعماء ومثقفين أوروبيين وتخريب مؤسسات اقتصادية أوروبية؟ د. عقيل الشيخ حسين |