"مبادرة" نصر الله: تصدٍّ سياسي بقطع الطريق على العدوان الاميركي
تجمع بين مصالح الشعب العراقي ومصالح المنطقة


تلتقط دعوة ـ اقتراح أمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصر الله أكثر اللحظات حراجة ومفصلية لمقاربة المخارج الممكنة والموضوعية لاحتواء نيران العدوان الاميركي الزاحف بسرعة نحو الشعب العراقي، وما تبقى من امكاناته وقدراته، ومن خلاله امكانات وقدرات المنطقة بأسرها. اذ لم يعد خافياً على أحد ان الكلفة الباهظة المباشرة للعدوان الاميركي على العراق سيدفعها الشعب العراقي في أرواحه ومقدراته، وفي حاضره ومستقبله أيضاً، لا سيما أنه ما فتئ، يجد نفسه، على الأقل، منذ عقدٍ ونيف من الزمن، بين مطرقة "الاستبداد الداخلي"، و"سندان" "الاستعمار الخارجي"، وتحديداً الاميركي.

كما لم يعد خافياً على أحد، أن أهداف العدوان الاميركي على الشعب العراقي، يراد لها أن تتجاوز في آثارها ونتائجها وتداعياتها، حدود إعادة انتاج مرحلة استعمار بلد عربي، وبالتالي اعادة انتاج مرحلة "الاستعمار الكولينيالي" السابقة، الى  ما يكفل اعادة صياغة كامل منطقة الشرق الأوسط سياسياً.

والصياغة تتخذ هنا أبعاداً سياسية متنوعة تلتقي جميعها عند نقطة تحقيق الهيمنة الاميركية على المنطقة ومقدراتها سياسياً واقتصادياً من خلال انتاج أشكال جديدة من الأنظمة، تكون أكثر قدرة وقابلية على تأكيد هذه الهيمنة، وتحقيق المصالح السياسية والاقتصادية الأميركية، فالمطلوب، اليوم، أنظمة تكون أكثر انسجاماً مع المتغيرات العميقة التي أصابت العالم لا سيما لجهة اعادة توزع قوى الهيمنة والتأثير فيه.

فمرحلة ما بعد الحرب الباردة، تحتاج الى احداث تحويل في طبيعة ومواقع الأنظمة تكون أكثر انسجاماً مع مستلزماتها، وأكثر قابلية لانجاح الاستراتيجية الاميركية الكونية.

الا أن أخطر ما في اعادة الصياغة هذه من تطلعات يكمن في أمرين أساسيين: الأول، يتمثل في احداث عملية تجفيف استراتيجية لمنابع القوة في المنطقة، تؤدي الى مزيد من اختلال توازن القوى لمصلحة الكيان الاسرائيلي، وذلك من خلال ضرب ما هو موجود، أو ما هو متبقٍّ من قدرات عسكرية، وامتصاص الامكانات المالية والاقتصادية، لا سيما من خلال وضع اليد نهائياً على الثروات النفطية التي تعتبر المورد المالي والاقتصادي لدول المنطقة، والتحكم بإنتاجه وتوزيعه وأسعاره، ومن خلال انتاج شبكة تبعية جديدة، وخلق المزيد من المشكلات والتحديات الداخلية لاستنزاف الطاقات فيها، وتركيز الانتباه اليها، الأمر الذي من شأنه ان يوفر بيئة استراتيجية أمنية آمنة للكيان الصهيوني، تسمح له ـ وهذا هو الأمر الثاني ـ بصياغة ما يراه مناسباً لاحلامه وأطماعه بالنسبة للشعب الفلسطيني وقضيته المركزية.

بكلمة واحدة الأخطار المحدقة بالمنطقة هائلة وكبيرة لدرجة تستحق استنفار كل الجهود وطاقات القوى الحية والحريصة على مستقبل شعب العراق والأمة بأسرها، ان تبادر الى مواجهتها قبل أن تأخذ مداها، والطريق الى ذلك لا يكون ولن يكون الا من خلال اسقاط المبررات الاميركية للعدوان، وهي مبررات، كما هو معروف، تتمحور حول ثلاثة أمور هي:

ـ الطبيعية الاستبدادية والقمعية للنظام العراقي.

ـ الجنوح العدواني نحو دول الجوار الذي تجسد في حربين ما زال العراق والمنطقة بأسرها يدفعان فاتورتهما على كل المستويات حتى الآن، ولهاتين الحربين ارث ما زال عالقاً من جملته وجود ازمة ثقة عميقة بين النظام العراقي ودول الجوار.

ووجود أزمة عدم ثقة مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن ناشئة عن عدم التزام النظام العراقي بدقة بالقرارات الدولية الصادرة تحديداً على اثر اجتياح الكويت وحرب عاصفة الصحراء، التي من تداعياتها الاستمرار باتهام النظام العراقي، بأنه لا يزال يحتفظ بأسلحة دمار شامل.

اذا كانت هذه هي ذرائع العدوان الاميركي على الشعب العراقي، وهي ذرائع في الاجمال يمكن ادراجها تحت مقولة "كلمة حق يراد بها باطل"، فإن التصدي لهذا العدوان لا يكون الا من خلال ابطال هذه الذرائع نفسها، كما ان اطفاء النيران وضمان عدم استعارها مجدداً، لا يكون الا من خلال تعقب مصادرها التي تزودها بالوقود لقطعها عنها، اذ في هذه الحالة، اذا كان العدوان الاميركي سافراً للبعض، ومبرراً للبعض الآخر، يمكن جعله عدواناً سافراً للجميع، ولا يمكن لأحد الا أن يدينه. المطلوب بكلمة واحدة ان لا يتحول اي منا الى مساعدٍ للعدوان، لا سيما المعنيين به مباشرة.

ولأن المرحلة الآن ليست مرحلة تصفيات داخلية، ولا مرحلة تبادل الاتهامات، ولأن العراق، اليوم، شئنا أم أبينا هو قضية عراقية أولاً، وإقليمية ثانياً، ودولية ثالثاً، الأمر الذي يجعله موضع اهتمام شامل وعلى جميع المستويات، كل هذا يجعل المبادرات تتزاحم على أبوابه، الا أن معظم هذه المبادرات انما تقاس بمقاييس مصالح دولها لا سيما الدولية منها، في حين المطلوب مبادرة تجمع بين مصالح العراق وشعبه من جهة، ومصالح منطقتنا وأمتنا من جهة أخرى. ومبادرة من هذا النوع يجب أن تنهض روحها على منطق تسوية يجمع اقراراً واعترافاً من البعض، وارتفاعاً من البعض الآخر على الآلام والجراح مهما كانت صعبة وقاسية، لأن الخيار الآن ليس بين الحسن والسيئ، بقدر ما قد يكون بين الأفضل في هذه الظروف، وما يمكن أن يكون أسوأ بكثير.

من هنا، كان المفتاح الاستراتيجي في دعوة الأمين العام لحل هذه المعادلة هو ما أسماه بـ"المصالحة الوطنية" التي اذا توافر لها الاحتضان والرعاية السياسية المطلوبة شكلت مدخلاً ضرورياً لإحداث تغيير داخلي في صورة ومضمون الحكم المقبل في العراق، وهي صورة لا تشترط إقصاء أحد، وتعترف بكل القوى السياسية الفاعلة والموجودة على الساحة العراقية. مثل هذا التغيير سيصيب العدوان الاميركي بعطب استراتيجي كبير، لا سيما اذا سارعت الحكومة الجديدة الى تقديم برنامج شامل لاعادة بناء العراق وتأكيد وحدته على كل المستويات، والى  تصفية تركة الحرب مع ايران والكويت، والى ارساء علاقات أخوة وحسن جوار مع الدول المجاورة، والى التعاون بصدقية مع المنظمات الدولية.

مصطفى الحاج علي