المقاول


"إذا كان لديك مال فإنك تسعى إلى امتلاك السلطة التي ستمكنك حتماً من امتلاك مال أكبر".

هذه الفلسفة التي تحكم عمل الرأسماليين في العالم وجدت في سيرة حياة رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني المكان الأمثل للتحقق، فهو المغني السابق على متن السفن السياحية الذي انطلق من الصفر بأموال يتم التحقيق حالياً بمدى "نظافتها" كي يؤسس أكبر امبراطورية إعلامية في إيطاليا، ويحقق من خلالها أرباحاً مادية خيالية، قادته إلى السلطة مرتين، وجعلته يجني بالفعل المزيد من الأموال.

يقول برلسكوني ـ المولود عام 1936 ويحمل شهادة في الحقوق يشكك الكثيرون بمدى صحتها ـ إنه منذ بداياته آمن بالنمط الأميركي للحياة الذي يقوم على أساس أن المال هو أساس كل شيء، وأنه مع تحقيق المال يمكن للإنسان أن يحقق أي موقع أو منصب يريده.

ربما لهذا، يقف برلسكوني بقوة إلى جانب الولايات المتحدة في حربها على العراق ـ والمنطقة ـ فهو مشبع بحب أميركا، واللحظات الأكثر إثارة للافتخار في حياته ـ حسب قوله ـ هي تلك التي وقف فيها جنباً إلى جنب مع الرئيس الأميركي جورج دابليو بوش .. ليغنيا معاً!

ولا تبدو المواقف الصادرة عن هذا المقاول الداخل ـ بطريقة تخالف ما هو متعارف عليه في إيطاليا ـ إلى عالم السياسة إذا وضعت في السياق الطبيعي لمنطلقات التفكير التي يعتمدها، فهو الذي تحيط به الشكوك من مختلف الجهات ـ نظراً لاكتشاف علاقة الكثير من المقربين منه بعصابات المافيا ـ  يعتبر أن الحضارة الغربية أكثر رقياً من الحضارة الإسلامية، وهو الذي وصل إلى سدة الرئاسة في إيطاليا على جناح التغرير بالناخبين عبر الإعلام واعتماد الدعاية المكثفة ـ على الطريقة الأميركية الشهيرة ـ يعتبر أن "إسرائيل" هي الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ولذلك فهو سوف يسعى بكل قوة لضمها إلى الإتحاد الأوروبي.

ولا تبدو صفة المقاول ـ بمعناها السلبي ـ بعيدة عن هذه الشخصية الكاريكاتورية، فهو يبذل كل طاقته السياسية وانطلاقاً من موقعه في رئاسة للحكومة الإيطالية من أجل إسقاط حقوق العمال الإيطاليين، وإعطاء رجال الأعمال وكبار الرأسماليين قدرة التحكم بمصيرهم وبمصير الاقتصاد الإيطالي بشكل عام، وهذا ما فجّر في وجهه التظاهرات الغاضبة والرافضة لسياسته الاقتصادية التي يصرح الكثير من المراقبين أنها تهدف بشكل أساسي لتحقيق أهداف ذاتية شخصية ضيقة بعيداً عن مصلحة الاقتصاد الإيطالي الذي يعاني من مصاعب اقتصادية جمّة.

وإذا كان هذا ديدن المقاول في التعاطي مع القضايا الداخلية ـ ضارباً عرض الحائط بمصالح أبناء شعبه ـ فليس غريباً أيضاً أن يقف على طرفي نقيض مع أبناء شعبه في ما يتعلق بموضوع الضربة الأميركية ضد العراق، ففي حين تشير استطلاعات الرأي إلى أن معظم الإيطاليين يرفضون التعاون مع أميركا في موضوع ضرب العراق ويدينون بشدة المنطلقات الأميركية لهذه الحرب العدوانية المتوقعة، يقف برلسكوني بقوة إلى جانب صقور البيت الأبيض، لا بل يلعب دوره كمسوّق لهذه الضربة عبر تحقيق اختراقات في مواقف الدول الرافضة لها.

"عندما تملك مالا كافيا، رجاءً قم بشراء تلفزيون خاص، إذ سيكون بمقدورك حينها أن تصبح رئيس وزراء"، هكذا يتهكم الإيطاليون على برلسكوني، وربما يضيفون على هذه العبارة في المستقبل: "وعندما تصبح رئيس وزراء اقطع علاقتك بالمافيا كي لا تنتهي في السجن".

محمود ريا