|
|
|
إعداد : نافذ أبو حسنة في بيت المقدس لم يكن مستغرباً أن يتخذ الواقف من وقفيته إذا كانت مدرسة أو سواها مدفناً له ـ بل لعل هذا دأب الكثيرين ـ إذ هو يوقف في القدس تقرباً الى الله وخدمة لدينه الحنيف، وأن يُدفن في البقاع المقدسة الطاهرة، فإنه يحوز موطئاً في الأرض التي باركها الله. لذلك فقد كثرت التربة في الوقفيات، وكانت موجودة في معظم مدارس القدس التي نواصل الحديث عنها في هذه الحلقة، بادئين بالحديث عن المدرسة الخاتونية، لنجد أنها قد ضمت أيضاً في تربتها عدداً من القادة المسلمين والمقدسيين على وجه الخصوص.
المدرسة الخاتونية: تقع في باب الحديد غربي الحرم الشريف. يتفق المؤرخون على أن واقفتها هي أوغل خاتون. وكان وقفها في الخامس من ربيع الثاني سنة سبعمئة وخمس وخمسين للهجرة. وفي سنة سبعمئة واثنتين وثمانين للهجرة أكملت أصفهان شاه بنت الأمير قازان شاه عمارة هذه المدرسة ووقفت عليها. بقيت الخاتونية مكاناً للتدريس، فدرس فيها القرآن الكريم حتى القرن العاشر الهجري، وأصبح متقطعاً بعد ذلك، الى أن توقف مع بداية الاحتلال البريطاني في فلسطين، إذ أصبحت داراً للسكن. دفن في المدرسة الخاتونية الزعيم الهندي المسلم محمد علي سنة ألف وتسعمئة وإحدى وثلاثين للميلاد، كما دفن فيها الزعيم الفلسطيني موسى كاظم الحسيني سنة ألف وتسعمئة وثلاث وثلاثين، ونجله شهيد "القسطل" عبد القادر الحسيني، ثم ابنه فيصل عبد القادر الحسيني. وبباب الحديد أيضاً أقام "بيدمر" نائب الشام سنة سبعمئة وإحدى وثمانين المدرسة الحنبلية. فيما أقامت المدرسة البارودية بباب الناظر، الحاجّة سفري خاتون ابنة شرف الدين محمود المعروف بالبارودي، وذلك سنة سبعمئة وثمان وستين للهجرة. ومن مدارس القدس أيضاً المدرسة الجهاركسية بجوار الزاوية اليونسية من جهة الشمال، وفي الجهة الشمالية من ساحة الحرم غرب المدرسة الأسعروية المتخذة اليوم مكاناً لمحكمة الاستئناف الشرعية الإسلامية، ما بين باب شرف الأنبياء ومئذنة باب الأسباط. وغرب المدرسة المنجكية تقوم المدرسة الحسينية، وبداخل ساحة الأقصى عند الرواق الشمالي تقوم المدرسة الطالونية، ويصعد إليها من السلم الموصل الى منارة باب الأسباط، أنشأها شهاب الدين الناصري الطولوني. وبخط باب حطة لجهة الغرب تقوم المدرسة الكاملية. ومن المدارس التي تحولت دوراً سكنية المدرسة العثمانية، وتعرف اليوم بدار الفتياني، وهي واقعة على يسار الخارج من الحرم من باب المتوضأ المعروف بباب الطهارة. والمدرسة الجوهرية، وتعرف اليوم بدار الخطيب، وهي في طريق باب الحديد من الجهة الشمالية. وقريباً من الجوهرية تقوم المدرسة المزهرية، وواقفها هو الزينبي أبو بكر الأنصاري الشافعي سنة ثمانمئة وخمس وثمانين للهجرة. ولما كان الحديث عن مدارس القدس بعددها الكبير فضلاً عن وصفها ولو باختصار، مما لا تستطيعه هذه الوقفات، فسنفصل القول في بعض من أشهرها وهي:
المدرسة الأفضلية: من مدارس القدس وعرفت قديماً بالقبة. تقع في حارة المغاربة، وقفها على فقهاء المغاربة المالكية الملك الأفضل نور الدين سنة خمسمئة وتسع وثمانين للهجرة. لا تذكر المصادر التاريخية شيئاً كثيراً عنها. أما في الستينيات من القرن العشرين فكانت داراً يسكنها بعض الفقراء المغاربة، وزالت مع قيام جرافات الاحتلال الصهيوني بهدم حارة المغاربة عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين. ويقول المؤرخ المقدسي عارف العارف: هناك مدرسة بهذا الاسم في حارة النصارى كانت في القرون الوسطى مسجداً له منارة، ويرجع تاريخه الى ثمانمئة وسبعين للهجرة. وقد ذكر هذا المسجد مجير الدين الحنبلي في الأنس الجليل.
المدرسة الأشرفية: من أشهر مدارس مدينة القدس وأضخمها إن لم تكن أشهرها قاطبة. عًُرفت أيضاً بالمدرسة السلطانية، موقعها بجوار باب السلسلة، وقد بناها في الأصل الأمير حسن الظاهري باسم الملك الظاهر خوشقدم سنة ثمانمئة وخمس وسبعين للهجرة. لكنه لم يتم بناءها، إذ توفي الملك الظاهر، فقدمها الأمير حسن الى الملك الأشرف قاتيباي، فنسبت إليه وسماها الأشرفية. سنة ثمانمئة وثمانين للهجرة زار قاتيباي القدس، ولم يعجبه بناء المدرسة، فأمر بهدمها، ثم أرسل من مصر مهندسين وعمالاً باشروا بإعادة بنائها في سنة ثمانمئة وخمس وثمانين للهجرة. استغرق العمل فيها سنتين، فجاءت آية في الإتقان والجمال.
المدرسة الرشيدية: تأسست عام ألف وتسعمئة وستة في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وسُميت بهذا الاسم نسبة الى أحمد رشيد بك متصرف القدس. تطورت هذه المدرسة في الحرب العالمية الأولى فأصبحت مدرسة ثانوية كاملة من اثني عشر صفاً. ويعرف هذا النوع من المدارس بالمدارس السلطانية (المكتب السلطاني). خلال عهد الانتداب البريطاني أخذت المدرسة الرشيدية تنمو وتتطور، حتى غدت من أحسن المدارس الحكومية في فلسطين. كانت المدرسة أولية، وفيها قسم ثانوي. ثم زاد التعليم فيها عن الثانوي بسنتين أخريين، فصارت تؤهل خريجيها الحاصلين على شهادة الثانوية العامة (المتريكوليشن) لدراسة الطب والهندسة بدراسة مواد خاصة تحضيرية. |