|
|
|
لم يكن قد مضى شهران على صدور كتاب "من قتل من في بنطلحة؟" لمؤلفه نصر الله يوس في نهاية العام 2000، حتى أثير جدل جديد حول كتاب آخر صدر في 8 شباط/ فبراير 2001 في باريس تحت عنوان "الحرب القذرة" الذي يروي تفاصيل ضلوع الجيش الجزائري في ارتكاب المجازر ضد المدنيين، التي تشهدها الجزائر منذ مطلع التسعينيات. وتأتي أهمية الكتاب من أن مؤلفه حبيب سويدية هو ضابط سابق في القوات الخاصة للجيش الجزائري طيلة الفترة التي يرويها، أي بين الأعوام 1992 و2000. ويبدو ان كتابه هو الأكثر مصداقية من بين كل ما قيل وكتب سابقاً عن الحرب بين الجيش الجزائري والحركات الأصولية الإسلامية، وفق شهادة القاضي الإيطالي الشهير فردينا ندو ايمبوسيمياتو الذي وضع المقدمة، وهو نائب وسناتور سابق والرئيس الفخري للمحكمة العليا للجنايات في إيطاليا ومتخصص بملفات المافيا والإرهاب وحقوق الإنسان في العالم. يقول القاضي الإيطالي: "عندما قرأت كتاب "الحرب القذرة" اكتشفت الاختلاف الجذري بين الواقع الجزائري والطريقة التي تغطي بها وسائل الإعلام هذا الواقع. إذ انه بالنسبة لأغلبية الأوروبيين، المجازر اليومية ضد المدنيين نساء وأطفال، هي من عمل الإرهابيين الإسلاميين الأصوليين والدمويين فقط". ويضيف القاضي أن هذا الكتاب مهم على أكثر من صعيد، انه يزعزع القناعات الراسخة عن حقيقة الحرب الدائرة في الجزائر، ويطرح عدة تساؤلات، ويضع أمام الوعي المدني للأوروبيين مشكل عدم القيام بأي شيء من أجل وضع حد للمجازر وما يجب القيام به اليوم. ويعتبر القاضي ان شهادة حبيب سويدية ذات مصداقية عالية، لسببين رئيسيين: "قبل كل شيء، ان دقة الوقائع التي يسردها هي من القوة بحيث يبدو مستحيلاً اختلاقها. وفضلاً عن ذلك، فإن الناشر دار لاد يكوفيرت تحقق من كل الوقائع التي سردها الضابط السابق قبل نشرها، وقد حصلت على قناعة بأنها أمام شاهد نزيه وله مبرر قوي. وثانيهما ان ما يقوله سويدية يطابق التقارير التي استغرقت سنوات والتي قدمها مراقبون محايدون وعلماء اجتماع ومؤرخون وصحافيون والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان". وفي طرحه سؤال ما العمل؟ يرى القاضي انه من الواضح على المدى البعيد أن الحل السياسي الدائم للمسألة الجزائرية لن يأتي إلا من الجزائر نفسها. وهذا الحل يفترض عقداً اجتماعياً واضحاً وحازماً، يقوم على الرفض الحاسم للعنف مهما كان مصدره، وعلى الاعتراف بكل القوى السياسية التي تعترف بهذا المبدأ، في سبيل بناء دولة القانون جديرة بهذا الاسم، ويضيف: "وأنا مقتنع بأن أغلبية الجزائريين هم الآن على استعداد لذلك. غير ان قوى المجتمع المدني التي يمكن ان تحمل هذا المشروع هي اليوم هشة ومشتتة." ويؤكد القاضي في نهاية مقدمته الطويلة على طرح السؤال التالي: ما هي الإمكانيات اليوم، لتحديد ومعاقبة مرتكبي الجرائم المقترفة من الإرهابيين ومن القوات الخاصة؟ قبل كل شيء، يجب التدقيق بأن الأمر يعني جرائم ضد الإنسانية من دون أي لبس، حسب التعريف الدقيق جداً الموضح في المادة /7/ من النظام الأساسي لمحكمة الجزاء الدولية، والتذكير بأن المسألة الجزائرية قد تمت إثارتها بوضوح في مؤتمر الأمم المتحدة الذي تبنى هذا النظام الأساسي في روما في تموز/ يوليو 1998. وينهي القاضي مقدمته بالتأكيد على الاتحاد الأوروبي بأنه يجب ان تكون مساعدته للحكومة الجزائرية مشروطة، بإرسال لجنة دولية لا علاقة لها بالسياسة متكونة من خبراء يعتبرون حجة، ويتكفلون بتوضيح الحقيقة حول انتهاكات حقوق الإنسان ومرتكبيها، أياً كانوا. إنه لا يعني بأي حال من الأحوال نوعاً من "التدخل" ولكن من واجب التضامن مع الضحايا. وبعد أن يمهد الضابط السابق لكتابه بالتعريف بنفسه حيث ولد العام 1969 في ولاية تبسه التي تبعد نحو 650 كيلومتراً شرقي الجزائر بالقرب من الحدود التونسية، ويشرح أسباب دخوله إلى الجيش، وينتقل الكاتب للحديث في الفصل الأول عن تركيبة الجيش الجزائري وجذوره التاريخية. فالجيش الوطني الشعبي هو خليفة جيش التحرير الوطني. وينتمي معظم قادته إلى الشرق الجزائري، وخصوصاً أولئك المشهورين بفرارهم من الجيش الفرنسي أمثال الجنرالات لعربي بلخير، بنعباس غزايل محمد تواقي، خالد نزار ومحمد العماري. فالجيش الجزائري كان يعمل دائماً على أساس مناطقي (جهوي) وقبلي. فالجنرالات خالد نزار وليامين زروال وبنعباس غزايل، وطيب دراجي وعبد الملك غنايزية وآخرون ينحدرون من مثلث باتنة، تبسة، وسوق أهراس، وهي ثلاث مدن تقع في شرق الجزائر، وينحدر منها كبار ضباط الجيش. أما اليوم فقد أصبحت القبائل، والوسط ووهران غرب البلاد ممثلة في مختلف أجهزة الجيش، خاصة في قطاع المخابرات العسكرية والدرك الوطني. ثم يبدأ الكاتب في الحديث عن التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري وصعود الحركة الإسلامية في الانتخابات البلدية في حزيران/ يونيو 1990، وأولى اللقاءات التي كانت تجري بين وزير الدفاع السابق خالد نزار والشيخ عباسي مدني (مؤسس الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، وكان ذلك خلال حرب الخليج الثانية في كانون الثاني/ يناير 1991. ويشرح الكاتب الانتصار الساحق الذي حققته الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية يوم 26 كانون أول/ ديسمبر 1991، الأمر الذي أدى إلى عقد قيادات الجيش اجتماعاً طارئاً مع الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد وأجبروه على الاستقالة في 12 كانون الثاني/ يناير 1992. وكان العقل المدبر لكل هذه العملية الجنرال خالد نزار بالاشتراك مع بقية الجنرالات محمد العماري، ومحمد مدين (سي توفيق) والطيب دراجي، وخليفة رحيم، والعربي بلخير وعبد الحميد جوادي. كانت مرحلة بوضياف في رئاسة الدولة الجزائرية قصيرة جداً، إذ اغتيل في 29 حزيران/ يونيو 1992. وكانت جرأته في مواجهة المافيا السياسية الوطيدة، وامتلاكه ملفات الفساد عن الجنرالات، وعلاقته الوطيدة مع قاصدي مرباح رئيس الأمن العسكري السابق، الذي ترك رئاسة الحكومة وأسس حركة (مجد)، والعارف بكل أسرار الجزائر، هي من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى قتله. فبوضياف ومرباح قتلا بالتناوب. وشكل تاريخ 26 أيلول/ سبتمبر 1992 نقطة تحول مفصلية في بداية مكافحة الإرهاب، إذ عين الجنرال محمد العماري رئيساً للقوات الخاصة ونائباً لرئيس هيئة الأركان، واصبح هذا الأخير يعمل بشكل عضوي مع رئيس جهاز المخابرات العسكرية محمد مدين الملقب بـ (سي توفيق). ومع بداية العام 1993، أصبح هذا الجيش الخاص لمكافحة الإرهاب يضم في صفوفه 6500 رجل، ويساعد محمد العماري في مهمته هذه العماد فوضيل شريف والعقيد حمانا. أما أول احتكاك للكاتب مع المجازر فيعيده سويدية إلى آذار/ مارس 1993، حيث كان يستعد للنوم عندما ناداه النقيب دوارة وكان برفقة العماد فوضيل شريف، نائب قائد قوات المكافحة، والعقيد جبار، مدير المركز العسكري للتفتيش في البليدة "وطلبوا مني أن أرافق مع وحدتي مجموعة من مساعدي الضباط ووحدات كوماندوس وكان بعضهم يرتدي الزي المدني ويحمل خناجر وقنابل، الأمر الذي كان يقربهم جداً من مجموعة الإرهابيين، وذهبنا في مهمة خاصة جداً. وأثناء عودتنا كان في الطريق حاجز للحرس الجمهوري لكن القادة العسكريين كانوا أعطونا الأوامر بعدم الخضوع لأي تفتيش، وبالفعل فبعد أن تبادلنا تأدية التحية تركنا الحاجز نمر دون تفتيش، وعند الواحدة والنصف فجراً كنا عائدين من المهمة، التي كانت وحدتي تؤمن الحماية لها في منطقة دوار الزعترية ـ المعروف أهلها بتعاطفهم مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ ـ فوجئت بمساعد ضابط كان تحت إمرتي يرفع بوجهي سكيناً مخضبا بالدماء، وفي اليوم التالي كانت عناوين الصحف تتحدث "مجزرة ليلية جرت في قرية الزعترية وقضى فيها أكثر من 12 شخصاً" لقد شاركت في هذه المجزرة. ولأول مرة شعرت بأنني متواطئ في الجريمة. وعلى هذا النحو يحتوي الكتاب طائفة كبيرة من التفاصيل والأسماء والأحداث التي يريد الكاتب من خلالها إظهار أن القوات المسلحة الجزائرية، وتحديداً القوات المكلفة بمحاربة "الأصوليين" لجأت إلى الأساليب نفسها التي استخدمها هؤلاء لترويع المدنيين وإلباس "الأصوليين" تهمة المجازر للتأثير في الرأي العام المحلي والعالمي. ويذكر الضابط السابق كيف أنه كان مرة بالقرب من وحدة خاصة وقعت في كمين للإسلاميين، وحين أراد التدخل وعرض أن يهب لمساعدة رفاقه جاءه عبر جهاز اللاسلكي صوت "فوزي" (وهو الاسم العسكري للجنرال محمد العماري) بالفرنسية قائلاً "إني آمر الوحدات بالبقاء في مراكزها بانتظار تعليمات أخرى. وعند منتصف الليل عندما حصلنا على الإذن وجدنا ما يروعنا: 8 قتلى من صفوف وحدة الجيش بينما الإسلاميون كانوا نجحوا في الابتعاد". وبعد فترة ذهبت وحدة الضابط لتطويق قرية قريبة من مدينة البليدة التي تبعد 45 كم عن الجزائر العاصمة، كان فيها إسلاميون، وجاء أمر الجنرال فوضيل شريف يقول "ينبغي ألا تأخذوا الإرهابيين أحياء، اقضوا عليهم جميعاً، اقتلوهم واقتلوا كل من يدعمهم، فلسنا هنا لمكافحة الإرهابيين فقط وإنما كل الإسلاميين". إن خطاب قادة الجيش واضح، فهو يطالب باستئصال كل الذين صوتوا لمصلحة الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ففي نهاية آذار/ مارس 1993، انتقل الضابط السابق مع وحدته العسكرية إلى العمل في منطقة الأخضرية، وهي منطقة مغلقة للإسلاميين تبعد 70 كم عن الجزائر العاصمة، باتجاه الشرق من أجل مساندة الفرقة العسكرية الأولى المتمركزة في مدينة البويرة. ويروي الضابط السابق كيف كان يتم قتل السجناء، وينقل عن الجنرال محمد العماري عبارة قال إنها اشتهرت في صفوف الجيش، ويقول: "إن الإسلاميين يريدون الذهاب إلى الجنة. وعلينا أن نرسلهم إذاً إلى هناك سريعاً، لا أريد سجناء، أريدهم جميعاً قتلى". ويعتبر الضابط السابق أنه مع ترقية الجنرال محمد العماري إلى رئاسة هيئة الأركان في الجيش الجزائري في 5 تموز/ يوليو1993، اشتدت المكافحة ضد الإرهاب، ولا تقتصر الاتهامات حول المجازر وقتل المدنيين على الجنرال محمد العماري (الذي بات خصوصاً بعد استقالة نزار الرجل الأول في المؤسسة العسكرية)، وإنما تطال أيضاً جنرالات آخرين مثل محمد مدين رئيس المخابرات العسكرية، ومستشاره الأيديولوجي الجنرال محمد تواتي الملقب بالمخ، وسليم سعدي الذي استلم وزارة الداخلية بدل محمد حردي. ويؤكد "إني رأيت زملاء لي من الجيش يحرقون صبياً في الخامسة عشرة من عمره وهو على قيد الحياة. ورأيت جنوداً مقنعين بثياب إرهابيين يقتلون مدنيين. ورأيت عقداء في الجيش يذبحون بدم بارد أناساً لمجرد الاشتباه بهم. كما شاهدت بأم العين ضباطاً يعذبون إسلاميين حتى الموت". ويذكر الضباط السابق أن الجنرال محمد العماري كان يطالب الجنرال سعيد بأن يضع رؤوس الإرهابيين على طاولته بعد أن يتم قطعها بناء على أوامره. وتأتي أهمية الكتاب من أنه يروي من الداخل تفاصيل ما يؤكد أنه دور القوات الخاصة في عمليات اغتيال وتصفيات بشعة. كما يتضمن هذا الكتاب تحليلاً عن كيفية استخدام السلطة العسكرية في الجزائر المخابرات العسكرية، والقوات الخاصة، وقوات الدرك الوطني، وأجهزة البوليس من أجل اعتقال وتعذيب وتصفية الإسلاميين أو المتعاطفين مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وقد حوكم العديد من الإسلاميين من قبل محاكم عسكرية، وصدرت بحقهم عقوبة الإعدام، في تناقض واضح مع حقوق الإنسان ومبادئ المحاكمات العادلة. في سيرورة تطور الحرب الأهلية الجزائرية، يوضح حبيب سويدية كيف أن أجهزة المخابرات العسكرية لعبت دوراً مركزياً في تعزيز السلطة العسكرية بواسطة التلاعب بالعنف الذي برر اتخاذ إجراءات غاية في القمع والشدة، وتقوم تقنية المخابرات العسكرية الجزائرية على ترك وقوع عمليات يقوم بها إسلاميون متطرفون، بل انها تشجعها (كما هو الحال بالنسبة لمطار هواري بومدين في خريف 1992)، لكي تنتهج لاحقاً "استراتيجية التوتير". في الجزائر، كان يوجد على الدوام سلطة عسكرية غير مرئية، فهي التي تخترق مؤسسات المجتمع المدني، وتصفي المعارضين من داخل النظام كما من خارجه. وهذه السلطة العسكرية الخفية هي السلطة الفعلية الموجودة في الجزائر، التي من أجل الدفاع عن بقائها في الحكم، والدفاع عن ضمان مصالحها وامتيازاتها، تلجأ إلى استخدام الأساليب غير الشرعية من أجل تصفية المعارضين، والانقلاب على الدستور. فالهدف المعلن من قبل ممثليها هو الحديث دائماً عن الديمقراطية والحرية وحماية مكاسب الجمهورية، لكن الأسلوب المستخدم لتحقيق ذلك هو ارتكاب الجريمة السياسية المنظمة بحق الشعب الجزائري. الحرب القذرة للجيش الجزائري توفيق المديني الكتاب: الحرب القذرة الكاتب: حبيب سويدية الناشر: دار لاد يكوفيرت ـ باريس ـ 2001 |