الصناعة اللبنانية.. الواقع والتحديات
من المرحلة الذهبية الى الكبوة.. فالتراجع


لعل أبرز المشاكل التي يعاني منها القطاع الصناعي في لبنان هي فقدان السياسة "الحمائية" لهذه الصناعة من المنافسة غير المتكافئة مع صناعات الدول الأخرى، واقتحام هذه الصناعات الأسواق المحلية وإغراقها، اضافة الى الأكلاف الإضافية التي تثقل كاهل الصناعي، من الكهرباء الى المولدات والمحروقات والاتصالات، حيث تزيد هذه الكلفة عدة أضعاف عما هي عليه في بعض الدول المجاورة على الصعيد الإقليمي، وكذلك على الصعيد الدولي.

وإذا كانت السمة المميزة لتاريخ الصناعة في لبنان هي النهوض بعد كل كبوة، والقدرة على البقاء والاستمرار والتكيف مع مختلف الظروف، فإنه يبرز في هذه المرحلة سؤال ملح هو: هل تستطيع هذه الصناعة تجاوز المحنة التي تعاني منها في ظل تردي الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان، والنهوض مجدداً للقيام بدورها، خصوصاً بعد التراجع الذي شهدته في بداية التسعينيات واضطرار عدد من المصانع للإقفال وتسريح العمال او تقليص عددهم؟..

في هذا التحقيق لمحة عن قطاع الصناعة ومساهمته في الناتج المحلي، وواقع بعض الصناعات والتحديات والمشاكل التي تواجهه.

 

شهد القطاع الصناعي في النصف الثاني من القرن الماضي مرحلة طغت عليها المحن والأزمات، في حين نجح خلالها بعض القطاعات الإنتاجية الأخرى من الازدهار. واستحقت هذه الحقبة أن يطلق عليها بجدارة المرحلة الذهبية للاقتصاد اللبناني.

فانطلاقاً من الخمسينيات وبروز فوائض مالية ضخمة غداة ثورة النفط الأولى، كانت كلها مراحل ازدهار واستقرار اقتصادي ونمو ثابت بامتياز.

إلا أنه في خضم هذه المرحلة وجدت الصناعة اللبنانية نفسها تناضل في اطار عام مجحف لها على مختلف الصعد، ومحبذ لقطاعات إنتاجية أخرى.

وفي ظل غياب السياسة الصناعية استهل القطاع الصناعي نشاطه خلال الخمسينيات بنكسة، فقد كان لإنهاء الوحدة الجمركية مع سوريا دوره في القضاء على أهم مصدر للتزوّد بالمواد الخام، إضافة الى تدهور حجم الصادرات الصناعية وخسارة أكبر سوق تصديرية للبنان.

ويعود غياب السياسة الصناعية في لبنان في فترة ما قبل الـ1975 بشكل أساسي لعدم وجود نموذج صناعي تطويري قادر على إقناع صانعي القرار في لبنان بأهمية الصناعة.

إلا أنه في اطار ارتفاع النفقات المحلية وانعدام الإنتاجية في أواخر التسعينيات، بدأت الدولة بالتوجه نحو الدرس الجدّي للوضع غير التنافسي للصناعة اللبنانية على صعيد الكلفة بشكل خاص.

وتبين ان تكاليف الإنتاج المقوّضة لفاعلية الصناعة تعود بشكل  أساسي لضخامة التكاليف التي ينفرد فيها لبنان دون غيره من دول المحيط المنافسة، وأن تأثيرات هذه التكاليف توازي في موقعها الضرائب المفرطة..

ولا يمكن إخفاء الاهتمام الرسمي بالقطاع الصناعي في الفترة الممتدة بين العامين 1996 و2001، إلا أن هذا الاهتمام لم يصل الى مستوى توفير سبل الدعم الكاملة للصناعة.

وقد برز هذا الاهتمام بسلسلة من القرارات، في وقت كانت الصناعة اللبنانية تمر بعملية تغيير تنطلق من مبدأ تحقيق التكيف مع متطلبات الاقتصاد الجديد وتحديد دور القطاع في الألفية الثالثة، على ضوء التقدم التكنولوجي والمعلوماتي والاتصالاتي.

ارتفاع ملحوظ

وسجلت نسبة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي ارتفاعاً ملحوظاً بعد تعاظم الانطلاقة الصناعية في بداية السبعينيات، وقد كانت نسبة هذه المساهمة نحو 13.1% عام 1965، وارتفعت ببطء نسبي لتسجل في العام 1969 13.4%.

ولكن مع الفورة في التوظيفات الصناعية في الفترة ما بين 1970 و 1972، ارتفعت نسبة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي  الى 15% عام 1973، وإلى 16.7% عام 1974.

أما في الفترة الواقعة بين عامي 1980 و 1991، فقد ارتفعت نسبة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي وتراوحت ما بين 20.4 و 21.8%، في حين أنه في العام 1992 ارتفعت قيمة الإنتاج الصناعي من 1.57 مليون دولار فوصلت عام 2000 الى نحو 3172 مليون دولار، وبلغت نسبة الارتفاع نحو 200%. إلا أن نسبة مساهمة القطاع الصناعي وإجمالي الناتج المحلي تراجعت الى حدود 19%.

وكانت الصادرات الصناعية قد سجلت رقماً قياسياً في العام 1996 بلغ أكثر من 937 مليون دولار، وكانت مؤشراً الى مدى التطور الذي بلغته الصناعة اللبنانية، وانعكاساً للنشاط الاقتصادي العام.

ومما يُذكر أنه في بداية التسعينيات ظلت الدول العربية المقصد الرئيسي للصادرات اللبنانية. وتراوحت نسبة الصادرات اليها ما بين 25% عام 1993 و 63% عام 1995. غير أنه منذ العام 1996 بدأت هذه النسبة بالتناقص تدريجياً، فبلغت نحو 26% عام 1996 ونحو 41% عام 1999 وما يقارب الـ42% عام 2001.

ويتعاظم هذا التناقض اذا أخذنا بالاعتبار تزايد حصة الصادرات الصناعية اللبنانية، حيث ارتفعت الى ما يقارب 94% عام 2001، بعدما كانت نحو 90% عام 1993 و89% تقريباً عام 1972.

انخفاض نسبة الصادرات اللبنانية الى الدول العربية قابله ارتفاع في نسبة هذه الصادرات الى الدول الأوروبية كافة، بما فيها دول الاتحاد السوفياتي السابق، لما يقارب 34% عام 2001، بعدما كانت 23% عام 1996 و 32% عام 1993. ولقد ساعد على هذا التزايد ارتفاع مستوى الالتزام بالمعايير والمواصفات العالمية من المؤسسات الصناعية اللبنانية، ما سهل من عملية انسياب السلع اللبنانية الى الخارج.

 

المؤشرات الصناعية العامة

على مستوى الصناعات كافة، يبلغ عدد المصانع الإجمالية وفق المسح الصناعي 1998 لغرفة التجارة والصناعة 20205 مصانع  وتشمل مؤسسات حرفية ومؤسسات تحويل قد تعتبر صناعية، في حين تشير تقديرات أخرى الى ان عدد المصانع فعلياً لا يتجاوز 5.000 مصنع. في حين ان القوى العاملة في الصناعة تبلغ نحو 114.108 عمال، ويقدر الإنتاج الصناعي العام بنحو 3953 مليون دولار، وعليه يكون متوسط الإنتاج في المؤسسة الواحدة نحو 179 ألف دولار، ومتوسط إنتاج العامل الواحد حوالى 25 ألف دولار.

وتصدر القيمة المضافة المحققة من الصناعة بنحو 17.7 مليون دولار، ومتوسط نسبة القيمة المضافة الى الإنتاج نحو 43.18%. أما التكوين الرأسمالي الثابت في الصناعة وفقاً لإحصاءات المسح الصناعي لعام 1998، فيبلغ 373 مليون دولار، ما يجعل متوسط الاستثمار في المؤسسة الواحدة نحو 17 ألف دولار.

 

الموادّ الغذائية

وتعتبر صناعة المواد الغذائية والمشروبات من أهمّ الصناعات اللبنانية، وأكثرها استقطاباً للرساميل الموظفة في الصناعة، ولليد العاملة الصناعية، وتستأثر بالعدد الأكبر من المصانع.. غير أن صناعة البناء بتنوعها وشمولها قطاعات إنتاجية متعددة تدفع بصناعة المواد الغذائية والمشروبات الى المرتبة الثانية. وعليه يبلغ عدد مصانع المواد الغذائية والمشروبات 4482 مصنعاً، ما نسبته 20.35% من إجمالي عدد المصانع وفقاً للمسح الصناعي الذي جرى في العام 1998. وتستخدم هذه المصانع 26390 عاملاً يشكلون ما نسبته 23.13% من إجمالي القوى العاملة في الصناعة.

أما صناعة مواد البناء، فتضم صناعات متعددة ومختلفة ومتشعبة، غير أن معظمها يندرج ضمن صناعة الخشب ومنتجاته.

ويبلغ عدد مصانع مواد البناء 8238 مصنعاً نسبتها نحو 37.81% من اجمالي عدد المصانع (المسح الصناعي الذي تم في العام 1998)، وعدد اليد العاملة المستخدمة فيها 34802 عاملاً نسبتها 30،50% من إجمالي اليد العاملة في الصناعة.

ويقدر إنتاج صناعة البناء بنحو 1120 مليون دولار، أي ما نسبته 28.24% من إجمالي الانتاج الصناعي. وتحقق هذه الصناعة قيمة مضافة تقدر بأكثر من 500 مليون دولار، أي ما نسبته 29.32% من إجمالي القيمة المضافة المحققة في الصناعة.

 

الأنسجة.. الملبوسات

يبلغ عدد المصانع المدرجة ضمن صناعة الأنسجة والملبوسات والجلود والأحذية حوالى 4358 مصنعاً، أي 19.79% من إجمالي عدد المصانع. منها 2262 مصنعاً للألبسة و 1392 مصنعاً للجلود والأحذية و 804 مصانع نسيج، ويبلغ عدد العاملين في هذه الصناعات 2،711 عاملاً  يشكلون ما نسبته 18.15% من إجمالي القوى العاملة في الصناعة.

ويقدر الإنتاج الصناعي لهذه الصناعات الثلاث بنحو 424 مليون دولار، بما نسبته 72% من اجمالي الإنتاج الصناعي، وتحقق هذه الصناعات قيمة مضافة تقدر بما يقارب 178 مليون دولار نسبتها من إجمالي القيمة المضافة المحققة في الصناعة نحو 10،41%، أما نسبة الى القيمة المضافة من الإنتاج فتقارب 41.92%..

 

صناعة الطباعة والنشر

يبلغ عدد المصانع العاملة في الطباعة 782 مصنعاً نسبتها 3،55% من إجمالي عدد المصانع تستخدم هذه المصانع 4818 عاملاً نسبتهم من إجمالي القوى العاملة الصناعية ما يقارب 4.22%.

ويقدر الإنتاج الطبيعي بنحو 551 مليون دولار، ما نسبته 3،92% من إجمالي الإنتاج الصناعي. وتقدر القيمة المضافة التي تحققها الطباعة بنحو 79.2 مليون دولار نسبتها 4.65% من إجمالي القيمة المضافة المحققة في الصناعة.

 

صناعة الآلات والمعدات الصناعية

يبلغ عدد مصانع الآلات والمعدات ومصانع الآلات والأجهزة الكهربائية معاً 597 مصنعاً منها 389 مصنعاً للآلات والمعدات و 208 مصانع للآلات والأجهزة الكهربائية، ونسبة هذه المصانع تقارب 3.71% من العدد الإجمالي للمصانع. ويستخدم هاتين الصناعتين نحو 4362 عامل نسبتهم 3،8% من إجمالي القوى العاملة في الصناعة.

ويقدر الإنتاج الصناعي لهاتين الصناعتين بنحو 212 مليون دولار نسبته 5،37% من إجمالي الانتاج الصناعي. كما تقدر القيمة المضافة المحققة لها 859 مليون دولار، ونسبتها 5.03% من اجمالي القيمة المضافة المحققة من الصناعة ككل.

 

صناعة المجوهرات

وفقاً للمسح الصناعي  الذي حصل في العام 1998، أدرجت صناعة المجوهرات ضمن النشاط الصناعي الخاص بصناعة الأثاث والصناعة، غير مصنفة ولم تخصص لصناعة المجوهرات تفاصيل دقيقة.

ويبلغ عدد مصانع المجوهرات 268 مصنعاً نسبتهم 0،99% من إجمالي  عدد المصانع، تستخدم 1252 عاملاً نسبتهم 1.10% من إجمالي القوى العاملة الصناعية.

ويقدر الإنتاج الصناعي للمجوهرات بنحو 67 مليون دولار، بنسبة 1،54% من إجمالي الانتاج الصناعي وتحقق هذه الصناعة قيمة مضافة تبلغ 22 مليون دولار، نسبتها 1،28% من اجمالي القيمة المضافة.

 

الموادّ الكيماوية ومشتقاتها

يبلغ عدد مصانع المواد الكيماوية 394 مصنعاً بنسبة 1.47% من إجمالي عدد المصانع، تستخدم 2797 عاملاً نسبتهم 2.45% من إجمالي القوى العاملة في الصناعة.

ويقدر إنتاج الصناعات الكيماوية بنحو 195 مليون دولار بنسبة 4.92% من إجمالي الإنتاج الصناعي، وتحقق هذه الصناعة قيمة مضافة تقدر بنحو 99 مليون دولار نسبتها 5.62% من القيمة المضافة للصناعة ككل.

 

منتجات المطاط واللدائن

يبلغ عدد مصانع المطاط واللدائن 416 مصنعاً نسبتها من عدد المصانع الإجمالية 1.89%، تستخدم 3776 عاملاً نسبتهم 2.43% من إجمالي القوى العاملة في الصناعة.

ويقدر الإنتاج الصناعي للمطاط واللدائن بنحو 163 مليون دولار بنسبة 4.12% من إجمالي الإنتاج الصناعي، وتحقق هذه الصناعة قيمة مضافة تقدر بنحو 58 مليون دولار نسبتها 3.42% من القيمة المضافة للصناعة ككل.

 

التحديات.. المشاكل

نتيجة التحديات الكثيرة التي تواجه الصناعة اللبنانية، اضطرت مصانع عدة الى الإقفال. فمثلاً تناقص عدد العمال في الصناعات الكيماوية بمعدل 27% (800 عامل)، في حين تقلصت الصناعات الورقية في السنوات الأخيرة بعد تحقيق نمو قياسي في منتصف التسعينيات. كما أن القطاع الصناعي في لبنان واجه صعوبات نتيجة أسعار الطاقة، ولكنه حقق نجاحات حول العالم، إذ انتشرت مصانع اللبنانيين في السعودية ومصر وأفريقيا وإيران وأوروبا الشرقية والولايات المتحدة الأميركية.

وتشير جمعية الصناعيين الى أن المشاكل ناتجة عن العوائق والحواجز، والتسرع بإزالة الرسوم الجمركية وفتح الأسواق بشكل عشوائي، إضافة الى الأكلاف والمصاريف الإضافية وغير العادلة.

وترى جميعة الصناعيين أن الحواجز والعوائق التي تواجهها هي:

ـ عدم المعاملة بالمثل في تطبيق الاتفاقيات التجارية حتى مع البلدان الصديقة.

ـ عدم ضبط الحدود البرية.

ـ غياب أي نوع من الحماية حيال إغراق الأسواق المحلية.

ـ عوائق فنية وإدارية واقتصادية (التصديقات المطلوبة في الإدارات الرسمية والمرافئ).

ـ قلة المناطق الصناعية المجهزة بالبنى التحتية الأساسية.

ـ تتطلب بعض المناقصات العامة سلع ذات منشأ أجنبي في حين توجد صناعة وطنية رائدة للسلع نفسها.

ـ منافسة غير مشروعة من قبل مؤسسات غير مرخص لها مما يؤدي الى تشويه سمعة القطاع (مياه، ألبان وأجبان ومواد كيماوية).

ـ التمويل الصناعي 12.9% من مجمل التسليفات، وهو ضئيل بالنسبة الى مساهمة القطاع في الناتج الوطني 18%.

أما الأكلاف الإضافية التي تثقل كاهل الصناعي فهي: الكهرباء، المولدات، المحروقات، المياه والاتصالات والعقارات الصناعية وكلفة التصديير عبر مرفأ بيروت والفساد وكلفة تمويل الرأسمال التشغيلي. وتزيد كلفة الكهرباء عن ضعفي المعدل الإقليمي، ويصل انعكاس هذا الفرق الى 120 مليون دولار أميركي سنوياً على القطاع الصناعي.

وكذلك تزيد الكلفة الإضافية للمحروقات من مازوت وفيول ومولدات كهربائية عن 80 مليون دولار سنوياً، هذا وتنعكس كلفة الصناعة على القطاعات الصناعية ذات الاستعمال المكلف للطاقة، إذ تبلغ في قطاع الورق 30% وفي قطاع البلاستيك 40%، وفي قطاع الزجاج 20% وفي قطاع السيراميك 21%.

ونتيجة لارتفاع هذه الأكلاف، فقد فقدت الصناعة اللبنانية فرصاً عديدة، وجرى انتقال العديد من المصانع التابعة لشركات متعددة الجنسيات من لبنان الى الخارج..

وأخيراً يأمل الصناعيون اللبنانيون أن يقتنع المسؤولون بأن القطاع الصناعي اللبناني قادر على المنافسة وضخ الدورة الاقتصادية بالحياة في ما لو دُعم وأزيلت كل العوائق التي تعترضه.

حسين عبد الله