أعلام
شيخ الإشراق
شهاب الدين السهروردي (1)

549هـ ـ 587هـ


الإشراق يعني الإضاءة بالشعاع، والمشرق هو مكان الشروق، والنسبة إليه "مشرقي"، فيقال: الفلسفة المشرقية، وهي التي اختط أصولها ابن سينا، وأرسى قواعدها السهروردي من بعد، وعرفت أيضاً باسم الفلسفة الإشراقية. ولكن بعض الباحثين ومنهم غوتيه ورينان ومونك وهورتن، مالوا الى القول بضم الميم في كلمة "مُشرقية"، باعتبارها تعني حالة الشروق دون مكانه. وقد دفعهم الى ذلك فقدان الحركة في النصوص القديمة.

إلا أن الأستاذ نيللينو الايطالي أوضح الخطأ الكامن في هذه القراءة، وأنهى الجدل الطويل الذي قام بين أنصار "المشرقية" و"المُشرقية"، مؤكداً صواب القراءة الأولى. لكن يبدو أن نيللينو الذي حسم الجدل حول تشكيل كلمة "مشرقية"، قد أثار الشك في كون فلسفة الإشراق عند السهروردي تختلف الى حدّ ما عن الفلسفة المشرقية السينوية. ولكن هذا الرأي ينطوي على مغالطة، لأن "الإشراق" متصل أساساً بمكان الشروق، وهو المشرق، فمن الشرق الجغرافي تشرق الأنوار المعقولة على النفوس، فيتم لها الكشف والمشاهدة.

أما الإشراق، فلا يتم إلا بحلول النور في الذات العارفة، فتنزع الى إدراك المعقولات التي لم تكن في طينة أصلاً. وأما الحكمة المشرقية أو الإشراقية فهي "حكمة إلهية"، لأنها تنشد معرفة الله سبحانه وتعالى والحقائق الربانية، وذلك بتعميق الحياة الداخلية حتى تستحيل النفس الى مرآة تنعكس عليها الحقائق الخالدة.

أما الحكمة فلا تعني الفلسفة أو اللاهوت، بل هي مرادف Theosophiee  اليونانية، لذلك ليس "الحكيم المتأله"Thesophos صوفياً خالصاً أخذ بالتجربة الروحية من دون المعرفة البحتية، وليس هو فيلسوفاً أخذ البحث النظري من دون المعرفة الصوفية، بل هو الحكيم الذي جمع البحث والذوق في وحدة متكاملة.

هكذا يبدو أن كل شيء قد بدأ مع ابن سينا، وذلك حين تعب الشيخ الرئيس من الفلسفة المشائية وأحس بنفور ضمني منها، نلمسه على الأخص في آثاره "المشرقية" وفي رسائله الصوفية، كحي بن يقظان و"رسالة الطير"، وفي القسم الأخير من كتابه "الإشارات والتنبيهات". وقد أثير جدل طويل حول علاقة الفلسفة السينوية بالاتجاه الإشراقي، وخصوصاً أن ابن سينا يقول في مقدمة "منطق المشرقيين": إنه درج على أساليب المشائين اليونانيين في معظم كتبه، وأهمها "الشفاء" ليرضي عامة المتفلسفين. ولكن الحقيقة التي يؤمن بها مودعة في كتاب "منطق المشرقيين"، الشيء الذي يخالفه فيه السهروردي فيقول: ان ما يدعيه ابن سينا من مخالفة المشائين في كراريس نسبها الى المشرقيين، لا تختلف أصلاً عن قواعد المشائين، ولا تباين كتبه الأخرى. وبرغم أن أصول الإشراقية عند ابن سينا لا تزال موضع جدل كبير حتى عصرنا هذا، فإننا نميل مع بعض الباحثين المعاصرين الى الاعتقاد بأن ابن سينا كان أول من مهد لنشوء فلسفة إشراقية، وذلك في رسائله ومؤلفاته المتأخرة، وأنه اختط بذلك أصول الفلسفة الإشراقية التي أرسى قواعدها في ما بعد شيخ الإشراق السهروردي.

ان المصادر التي استمد منها السهروردي العناصر التي ركب منها حكمته الإشراقية تتألف أولاً وبصورة رئيسية من التصوف، وخاصة مؤلفات الحلاج والغزالي، الذي كان لكتابه "مشكاة الأنوار" تأثير مباشر على العلاقة بين النور والإمام كما فهمها السهروردي، وتشتمل أيضاً على الفلسفة المشائية الإسلامية. أما بخصوص مصادر ما قبل الإسلام، فقد اعتمد كل الاعتماد على الفيتاغورية والأفلاطونية المحدثة والهرمسية، كما نشأت في الاسكندرية، ثم حفظت وروّجت على يد صائبة حرّان. وعلاوة على ذلك، التفت السهروردي نحو الحكمة الإيرانية القديمة، واعتبر حكماءها الورثة المباشرين للحكمة، كما نزلت قبل الطوفان على النبي إدريس الذي عدّه المؤلفون عبارة عن هرمس. فاعتمد على الزرادشتية في استعمال رموز النور والظلمة، خاصة في علم الملائكة الذي عوّل فيه على اصطلاحاتها، لكنه أشار بوضوح الى أنه ليس ثنائياً ولا زرادشتياً بحال من الأحوال. ويرى د. أبو ريّان وجود أصول أفلاطونية محدثة عند السهروردي من خلال الاعتراف بأن أفلاطون رئيس الإشراقيين، ثم يستخلص أن المذهب الفلسفي الإشراقي فضلاً عن أنه إحياء إسلامي لمذهب أفلاطون، هو استمرار للفلسفة الإسلامية ابتداءً من المشائية، وبذلك نستطيع تفسير وصف ملا صدرا الشيرازي للإشراقيين بأنهم رواقيون، فضلاً عن أنهم أفلاطونيون. ولذلك اعتبرت الفلسفة الإشراقية واحدة من المدارس الفلسفية الإسلامية الكبرى.

د. طراد حمادة