جواد عاد إلى جميلته ويوسف إلى أرضه


ما بين السلطانية وتبنين عين ماء لا تنضب، تسقي العابرين وتنساب "مزاريب" لتروي الأرض العطشى.. وما بين جواد قصفي ويوسف وزني حكاية وطن، اختصرتها أكثر من خمسة عشر عاماً قضياها خلف القضبان في سجون العدو.

هي نبع لا يجف ماؤه.. كلما عطشت الأرض أخذت من معين جواد ويوسف فاخضرت.. عندما كان العدو يحرث الأرض بدبابته كانا يزرعان بمعولهما والأظافر عبوات وعوائق تحيل الاحتلال إلى وهم، لتنبت عند كل عبوة روح جديدة تمتشق المقاومة سلاحاً وتنزع من الأرض روح الاحتلال.

حتى كان الخطف.. أكمل جواد ويوسف مسيرتهما بالسلاح الذي أودعاه رفاق الدرب، ومن داخل فلسطين المحتلة وبرغم سماكة الجدران التي أحاطت بهما، كانت عيونهما تنفذ الى الطيري ورشاف وبرعشيت وبيت ياحون.. تراقب جنود العدو المذعورين في دشمهم، والمواقع التي تتهاوى تحت أقدام المجاهدين.. كانت عيونهما ترى.. لكن العدو كان أعمى عن قلبيهما اللذين لم يبرحا الأرض منذ غرسا فيها روحيهما..

عاد جواد قصفي ويوسف وزني إلى حيث يريدان.. إلى الأرض والنبع والأهل.. فكيف كانت هذه العودة؟

 

جواد.. جميلة

جواد لم يجد جميلته تنتظره في المطار.. ظن أنها قد جمعت صبايا السلطانية لتستقبل الوالد العائد الذي لم تحضنها عيناه بعد.. اعتصر الشوق قلبه لحبيبته، اغرورقت عيناه بالدموع، أسرع الخطى إلى السلطانية.. وهناك وجد الكل بانتظاره.. رفعوه فوق أكتافهم كما الأبطال العائدون من ميادين الحرب ظافرين.. وجد اسمه محفوراً على لوحة وسط ساحتها مكللاً بالأعلام الصفراء، لكن..

لقد وجد الجميع ولم يجد جميلة.. كانت فقط صورة تتصدر الساحة. بكى لأنه لم يُكتب له أن يحضنها ويشمها كما يفعل الآباء.. وجد قبراً بين ضرائح الشهداء، جثا أمامه وناجى حبيبته: "رحلت قبل الرحيل.. ولمَ الرحيل قبل الرحيل؟ ربّي إنك على كل شيء قدير".

لا يمكن لجميلة أن تغادر جواد وكلماته، هي في كل شيء، في عيونه وبسمته، في المعتقل والحرية.. "أنا وابنتي بنيت علاقة دامت أربع سنوات، كانت كلماتها تؤنسني، وطرائفها تضحكني".. يضيف جواد: "عندما رمى ضابط السجن بصورتها أمامي ورأيتها، قلت فوراً: اللهم صلِّ على محمد وآل محمد.. هذه ابنتي".  

جواد بعد أكثر من أسبوع على الحرية، هو نفسه قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، بعفوية ابن القرية، بعناده المقاوم وتشبثه بما اقتنع به.

يحدثك عن المعتقل، فتظن أنك برفقته في جولة على المحور.. يتحدث عن الاضرابات كأنها ميدان للقتال، وعن التحرير والانتصار فتظن أنه كان برفقة الشهيد الشيخ "أبو ذر".. وعندما يذكر أم إسماعيل المقدسية يحن إلى أمه التي حضنته وحطمت قيد الغربة.

 عندما زرناه في منزله في بلدة السلطانية كان جواد وسط مجموعة من أصحابه الذين أردوا أن يستعيدوا الماضي وشوقهم له، وتحت شمس شباط افترش الشباب العشب الأخضر وضحكوا لحكايا جواد في مواجهة سجّانيه في المعتقل.

يقول قصفي: "أول وصولي الى البلدة لفت نظري الطبيعة الجميلة التي اشتقت اليها، لكن الجبل الأقرع ـ إحدى التلال في السلطانية ـ الله خلقه أقرع، لماذا عملوا على جرفه وتجليله؟ كان في الماضي أجمل".

ويعود جواد الى سنوات الاعتقال، فيعتبر أن الظلم يصنع الإرادة، وقد استطاع المعتقلون في سجون العدو بعد تضحيات كبيرة وسنوات طويلة من القهر والاضرابات ان يحققوا الكثير من الحقوق.

من الحقوق التي انتُزعت أنه يحق للأسير من خارج فلسطين أن تتبناه عائلة فلسطينية، وهذا عوّض على الأسرى الكثير من العطف الذي حُرموا منه.. يقول: "أمي الفلسطينية هي أم إسماعيل من القدس، زوجها كان معتقلاً معي، كانت توصل الرسائل إلى أهلي عبر أميركا، وكانت تأتينا بالمؤن التي نحتاج إليها، وبعض هذه المؤن كان يرسلها جيرانها لنا لعلمهم بأنها تزور أسيراً من حزب الله".

أما التحرير فكان في المعتقل أياماً لا تُنسى.. "كانت أجمل ثلاثة أيام قضيتها في السجن، الفرحة كانت عارمة لنا وللإخوة الفلسطينيين، وقد تابعنا خطاب سماحة السيد حسن نصر الله في بنت جبيل".              

المقاومة صنعت كل هذه الانتصارات، وهي قد برهنت بضرب الجرافة أنه على الإسرائيلي أن يفهم أن أي خطوة الى الأمام يجب أن يحسب لها ألف حساب.. الأمر الثاني أن هناك نعمة من الله أن وضع لنا قرب حدودنا مليوني صهيوني، ليكون القرار والمبادرة بيدنا".

ويعد جواد نفسه اليوم بإكمال المسيرة "في المقاومة، أنا لا أريد السياسة ولا المكاتب، لقد أخذت إذناً شرعياً من الوالد بأنني سأعود إلى حيث كنت ولم يمانع".

وعند ضريح حبيبته تتدلى عناقيد زهر اللوز الذي بكر ربيعه هذا العام ليحتفل مع جميلة بعودة والدها.. هناك يودعنا جواد وعينه لم تغب عن وجه الجميلة.

"يوسف" في "غيابت الجب"

الى بيت يوسف وزني الذي يقع في الجنوب الشرقي من بلدة تبنين، تقودك رايات حزب الله الصفراء التي تزين الطريق.. يوسف غادر منزله اليوم باكراً إلى الحقل ليحفر في الأرض نفسها التي أخرجه منها الاحتلال يوماً.. "عدنا اليوم إلى العمل بشكل تدريجي، أريد أن أعرف مواضع الخلل في جسمي"، يقول يوسف الذي يقضي أيامه الأولى في الحرية متمتعاً بالنظر إلى الأرض التي عشق دروبها. ينظر فلا يجد أثراً للاحتلال، يحن إلى المواقع التي كان يلامسها بفوهة بندقيته فيجدها قد اندثرت.

يقول: "لولا الناس التي تأتي لتهنئتنا لما وجدتني هنا.. هناك أماكن كثيرة أحب أن أزورها وأشتاق إليها.. الأماكن التي كنا ننفذ فيها العمليات.. معتقل الخيام الذي قضيت فيه ثمانية أشهر بعد عملية الأسيرين".

الكثير من أبناء تبنين كانوا يعرفون قبل اعتقال يوسف أنه سيعود إلى المعتقل، وحكاية ليلة القدر بقيت ماثلة أمامهم كلما ذكروه: "كانت ليلة القدر ودعاء التوسل بالقرآن حين جاءتني آية: :لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب".. عرفت أنني سأقع في الاعتقال، والكثير من أبناء البلدة أيضاً عرفوا بهذه القصة.. وبعد أيام قامت قوة صهيونية باختطافي أنا والأخ جواد قصفي".

لقد كان يوسف في المعتقل هو نفسه في الميدان، مجاهداً لم تلن عزيمته أمام جبروت العدو. وقف أمام القاضي الصهيوني بجرأة المجاهد وقال له: "اسمع، بقدر ما طغى فرعون لم يطغَ أحد في الأرض، وفي النهاية حكم الله بينه وبين النبي موسى في الدنيا قبل الآخرة.. الحكم هو لله وليس لك أنت، فضع الحكم الذي تريد".

في المعتقل كان الصبر ملازماً له، لم يعرف الحزن.. يقول: "لولا فضل الله لكانت المرحلة كلها حزينة، قضينا سنوات عديدة في سجن الصرفند في زنازين لا تتجاوز مساحتها الأمتار القليلة. في المعتقل تشتاق إلى كل شيء، إلى الأهل والأحبة، إلى الأرض والنبات والهواء، إلى الكلمة الطيبة.. أنت بين يدي عدو"..

وليوسف أيضاً أم فلسطينية هي أم غسان من رام الله، هي وزوجها كانا يقطعان ما بين مئة إلى مئة وعشرين كلم لزيارتي كل 15 يوماً، يأتيان محملين بالأغراض، وكانا يحسبان حسابنا في مؤنة بيتهما".     

يعتبر يوسف أن "الله أكرمنا بأن كنا من جنوده، وكان السجن 15 سنة في سبيله، فلو ملكوني الكون وما فيه والأرض وما عليها لن أبادلها بهذه السنوات".   

ويعود الى الحديث عن يوم التحرير: "كان استقبال الناس لا يوصف، كانت مكرمة كبيرة من الله عندما نزلنا من الطائرة، صدق أن خمسة عشر عاماً أصبحت وراءنا. ما أفرحني ليس الاستقبال الكبير لنا كمحررين، بل الاحتضان الذي أحسسنا به للمقاومة".

تبنين التي حفظت ليوسف كل هذا الشوق هي اليوم سعيدة بعودته إلى ظلالها وحقولها.. لتكتب بسنوات العمر التي قضاها الغائب: "إنهم ملح الأرض.. إنهم روحها".

أمير قانصوه