|
|
|
الأسير المحرر مخايل عطالله نهرا عاد إلى بلدته القليعة بعد سبع سنوات قضاها في سجون الاحتلال الصهيوني، بعدما كان وضع في حسابه أنه سيقضي خمسة عشر عاماً قبل أن يحاكم في المحاكم الإسرائيلية، ووفق ما أخبره مسؤول الاستخبارات الصهيوني المدعو أبو يوسف لحظة اعتقاله. لكن "أبو يوسف" هذا خاب وما صدق، وجاء الأمل بعد عملية الأسر التي نفذها حزب الله في مزارع شبعاً، والمواقف التي أطلقها الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله بعدها وعهده بتحرير الأسرى اللبنانيين والعرب والفلسطينيين. وراح هذا الأمل يكبر ويكبر إلى أن تحقق فعلاً في التاسع والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2004.
نهرا اليوم في منزله وبين أفراد عائلته يستقبل مهنئيه من أبناء بلدته في صالونه،
حيث تتصدر صورة السيد نصر الله صدر الحائط.. يسارع لاستقبال مهنئيه مرحّباً: "أهلاً
بالأحبة".. ابتسامة من هنا وتحية من هناك، ترحيب وتوديع لزائرين متوقعين وآخرين لم
يكن يتوقع زيارتهم. وبرغم الفرحة الغامرة التي ينعم بها نهرا بعد عذابات الأسر، يبقى حديث المعاناة حاضراً من لحظة الاعتقال حتى لحظة انكسار القيد.. يعود نهرا بذاكرته إلى الوراء سبع سنوات، وإن كانت هذه العودة يفرضها عليه سؤال زائر مهنىء بالسلامة. يبدأ حديثه بلحظة انتزاعه من بين أفراد عائلته ويقول: "كنت نائماً عندما اقتحم جنود الاحتلال المنزل واقتادوني إلى مستعمرة المطلّة.. مسؤول الاستخبارات "أبو يوسف" أصدر حكمه عليّ بالسجن خمسة عشر عاماً قبل أن أنطق بأي كلمة.. ولمّا لم أتكلم قال لي بالحرف الواحد: "تهيأ لخمسة عشر عاماً في السجن قبل المحاكمة". يكرر نهرا معاناته في التعذيب وهي نفسها لدى جميع الأسرى، من تكبيل اليدين والرجلين ووضع الكيس في الرأس والضرب المبرّح والتعذيب النفسي خلال التحقيق، والجولات المتكررة من التحقيق والانتقال من سجن إلى آخر.. ويستعرض صنوف الإذلال التي لقيها ليخلص إلى القول: "إن روحه كادت تخرج من بدنه". من سجن إلى آخر داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة تنقل نهرا، لكنه لم يكن يعلم كم سيقضي خلف القضبان، وما تُسمى "محاكمة" كانت تؤجل كل مرة. في رحلة المعاناة هذه "كانت كلمات ضابط الاستخبارات في المطلة ترافقني: "السجن 15 سنة قبل المحاكمة، وبعدها ألله أعلم". وتعزز هذا الهاجس لديّ، خصوصاً أنني أثناء وجودي في المعتقلات الصهيونية صادفت الكثير من المعتقلين الذين أمضوا سنوات طويلة من دون محاكمة، أو هم خاضعون لأحكام إدارية تجدد تلقائياً كل ستة أشهر". يضيف: "بعدما كدنا نفقد الأمل أعاد حزب الله لنا هذا الأمل حتى تحقق اليوم، وكنا نتابع المفاوضات حول عملية التبادل عبر وسائل الإعلام.. وقبل ثلاثة أيام من الافراج جمع العدو المنوي تحريرهم ونقلهم إلى سجن في نتانيا، حيث وضع كل أسيرين في غرفة واحدة. وهناك التقينا بالشيخ عبد الكريم عبيد وأبي علي مصطفى الديراني، ومن خلف القضبان كان بعضنا يسأل عن أحوال البعض الآخر، وكنّا نتداول في عملية التبادل حتى جاءت ساعة الصفر". يقترب نهرا في حديثه إلى زائريه من الساعات الأخيرة قبل لحظة الحرية، ويبدو هؤلاء غارقين في الاستماع برغم أن هذه اللحظات كشفت عنها عدة وسائل إعلام، ومع ذلك يطالبونه بسرد المزيد فيقول: "عندما بدأت ساعة الصفر قُيِّدنا كل أسيرين معاً من الرجلين واليدين، وعُصّبت الأعين، ولم يُسمح لنا بالتحدث أو النطق بأي كلمة. حتى في الطائرة كانت الحراسة مشددة مع أننا مقيّدون. حزام الطائرة مشدود، أعصابنا مشدودة، وأيدينا وأرجلنا مكبلة.. حتى انهم لم يقدموا لنا على متن الطائرة لا الطعام ولا حتى شربة ماء!". ويستغرق نهرا في حديثه عن تلك اللحظات التي قاستها ساعته الزمنية بما يوازي عذاب سنوات الأسر السبع التي قضاها، وزاد من هذا العذاب أنه سمع من الوسيط الألماني ومندوب الصليب الأحمر أن هناك مشاكل حول عملية التبادل ومن سيسلم أولاً، وأن هناك احتمالاً لعودة الطائرة إلى فلسطين إذا لم يُسوَّ الأمر. وهنا يضيف نهرا: "أخذت أتضرع إلى الله لكي تنتهي هذه الأزمة، وأن يعيدنا إلى بلادنا". وينتقل نهرا في حديثه من الطائرة الإسرائيلية إلى الطائرة الألمانية التي أقلّته وسائر الأسرى إلى لبنان، لتتغير ملامح الحديث وتُصبغ بمعالم الفرح، فتعلو على محياه معالم ابتسامة عريضة عندما يقول: "لقد استقبلنا الإخوة في حزب الله واللواء جميل السيد استقبالاً حارّاً، وقُدمت لنا الملابس والطعام والشراب، وخضعنا لفحوص طبية، وانتظرنا لحظة الإقلاع إلى ربوع الوطن". في هذه اللحظة يقتحم شعور الخوف قلب نهرا، وهذا ليس نابعاً هذه المرّة من تعقيدات التبادل وإجراءاته، إنما "بسبب ما سمعناه عن سقوط الطائرات المدنية!" يقول نهرا.. ولعل هذا الشعور بالخوف إيذان لعودة نهرا إلى الشعور بالحياة مرة أخرى. وينسحب شعور السعادة والفخر على ما تبقى من حديث نهرا منذ لحظة فتح باب الطائرة على مطار بيروت، وذلك الاستقبال الرسمي في باحة المطار، ثم لقاء الأهل في قاعة المطار. يضيف نهرا: "في المطار رأيت زوجتي وابني الكبير فقط.. لقد كان لقاءً حارّاً وجميلاً.. في تلك اللحظة لم أعد أستوعب ما يجري حولي.. أحسست بأنني في حلم.. صدمتي الكبيرة كانت في الاحتفال الذي أُعدّ للأسرى، حيث التقيت بباقي عائلتي التي لم أعرفها كلّها". تدحرجت على وجنتي نهرا دمعة كبيرة وقال: " كان ابني يناديني من بين الجموع، وكنت قد تركته صغيراً فلم أعرفه، فقالوا لي: هذا ابنك شربل، فحضنته بشدة وبكينا معاً". بعد حديث عن المعاناة وراء القضبان، وحديث الفرح بلقاء الأحبة والأبناء، يتوجه نهرا إلى الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله ويقول لمهنئيه: "أوجّه تحية من كل قلبي للأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، وأتمنى من الله أن يجعلني قادراً على أن أسدّ بعض ما حمّلنا إياه، وأن أردّ قليلاً من الجميل الذي وهبنا إياه، وأتمنى أن يتحرر لبنان على يده. وأتوجه بكلمة إلى المقاومين الشرفاء، وأتمنى لهم التوفيق الدائم، لأنه لولا هذه السواعد البطلة لكنا لا نزال في السجون الصهيونية.. أتمنى لهم التوفيق في تحرير ما تبقى من الأسرى والأراضي المحتلة". عامر فرحات |