|
|
|
منذ سبع عشرة سنة وأنور ياسين لم تسمع أُذنه كلمة "يا أمي"، قالها بالأمس وبصوت عالٍ، بل بصراخ مدوٍ سُمع في أرجاء المنزل عندما أتاه اتصال هاتفي يريد تهنئة الوالدة بسلامة الابن، تلك الصرخة ترافقت مع فيض عينيه بالدمع لأنه شعر بالفعل بلحظة انكسار القيد وصلافة الجلاد المحتل الذي حرمه وحرم الكثير من أمثاله نعمة العيش بهناء الى جانب أهلهم وأحبتهم قبل أن يعيشوا هانئين في أوطانهم. لم تكن علاقة أنور بأمه علاقة الابن بأمه فحسب، إنما علاقة مشبعة بآهات الأسر الذي ولَّد جرحاً عميقاً لدى الاثنين معاً، ربما لهذا اختنق صوت أنور عندما نادى يا أمي فانفرجت أساريره، وانفجر ضاحكاً وهو يقول "هل سمعتي ماذا ناديت.. يا أمي ..".
أنور يعيش هذه الأيام
فرحتين، فرحة ملاقاة الأحبة، وفرحة ولادته من جديد، التي مضى عليها أسبوعين فقط،
الولادة الأولى يقول انه غلَّب فيها أمه، أما الولادة الثانية فكانت يسيرة "لأنني
اخترت فعل المقاومة بإرادتي.. وما زلت". في يومه الأول من الحرية استوقفه بزوغ الشمس من دون جدران وقضبان "غرزت" في عينيه ولحمه كما يقول طيلة سنوات الأسر، فغدا حلمه ان "يلامس" وجه الشمس ما ان يخرج، وبالفعل سهر أنور مع العائلة على سطح منزله الكائن في الرملة التحتا وعيناه شاخصتان نحو الأفق، ينتظر بفارغ الصبر طلوع الشمس لينعم بدفئها فيحقق أمنيته. لكن هذه الأمنية سبقتها أمنية أخرى، وهو كان عاهد نفسه قبل أن تطأ رجلاه أرض المطار وعتبة المنزل أن يزور منزل عميد الأسرى سمير القنطار. الى هنا لم تتمالك أم سمير رؤية رفيق أسيرها دونه وهو ما زال قابعاً في سجون العدو وحيداً، فذرفت الدمع كثيراً. وقال لها أنور "كنت حابب أن لا أعتب هذا الدار إلا أنا وسمير، لكن أنا شاعر أن سمير سبقني الى هنا، لأن مشاعركِ ودفء المكان قد ملأه سمير.. وكما وعدنا السيد نصر الله فإن شاء الله سيكون سمير بيناتنا". يسأله البعض ممن جالسه عن قرب عن سر القوة التي خرج بها من الأسر ولقائه مستقبليه بهذه العزيمة والثقة الكبيرتين. يضحك أنور إما لسذاجة السائل وإما لما كان ينتظر، "أنا ذهبت في قضية اسمها تحرير الجنوب، وأنا عائد حتى أقول لهم بعدني ماشي في خطي.. ما كسرني الاحتلال، أنا كسرته في الجنوب، أنا كسرته في تحرير الأسرى، وأنا كسرته في صلابتي، كيف تريدني أن أعود، هل أعود وأنا منحني الرأس.. لا، حتى أكون هكذا لازم أشرح للناس الذين استقبلوني لماذا أنا مقاوم، لماذا أنا الإنسان، ولماذا هذا الاحتلال..". لم يستكن أنور للجلاد القابع على أعتاب زنزانته يرمقه في كل حركة يقوم بها، ولا لمشهدية الموت الإسرائيلي الذي يطل عليه صباحاً ومساءً عند كل سؤال وجواب، كان ان تمرد على سجَّانه كما تمرد على ذاته فجعلها مطواعة تألف السجن المظلم إلا من نور عينيه وقلبه فراح ينهل قراءة وكتابة وشعراً ورصداً للقنوات الإعلامية المحدودة، وهو العازم على قهر الظلم الأسود "متى قدرت أن أسجن السجن وأحشره في إحدى زوايا قلبي وعقلي مالئاً الزوايا الأخرى معرفة ووعياً وثقافة، فأنا لم انشغل بضيق المكان وبصلافة الحارس، بل حاولت أن أكون متحرراً، فعمدت قتلاً للوقت الى وضع برنامج يومي يشغلني عما حولي". من الطبيعي أن تكون الـ17 سنة من الأسر غير هينة على أنور، وإن بدا في لحظة عنفوانه متعالياً على جراح سنين من الألم والوجع والبعد عن الأهل والوطن، ذلك أن الذاكرة ما زالت تحتفظ بالكثير الكثير من العذابات التي ذاقها مع آخرين من الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين، فيسردها عند كل لقاء يجمعه ومهنئيه ليعيد معهم سرد وحشية هذا المحتل.. مثل هذه المعاناة لم تقوَ "أم علي" على سماعها وإن كان فلذة كبدها بجانبها ومطمئنة عليه، خصوصاً ان "البطل" كما سمَّته أصر أن يعيد "شريط" العذابات على مهل وبالأسلوب ذاته، لكن أنور المأخوذ بسرد قصته في المعتقل لم يلاحظ تساقط دموع أمه الجالسة بجانبه والتي تمتمت بكلمات من نوع "الله لا يوفقهم يا أمي.. الله لا يوفقهم يا أمي"، أثارت انتباهه فقام على عجل يكفكف دموعها، يحضنها، يقبلها "ليش عم تبكي يا أمي ما أنا صرت بينكم".. ويتابع وسط ذهول الحاضرين الذين جاؤوا للتهنئة وقد ألقوا على مسامعه قصيدة من وحي المناسبة فما كان على أنور، إلا أن يرد بمقتطفات من شعر نظمه في السجن: "أنا من ألم جسمي صرت أصرخ وصاروا بزيادة يعذبوني ساعتها صرت قصد الخصم أفهم بدهم بالعذاب يروضوني حتى صير أتعامل معهم وأحكي كل ما شافت عيوني وأنا يا خصم بدي ياك تفهم وتقول يا آخرة أهون تكوني من التبليغ عن رمل وطننا أو التأشير عليِّ رافقوني ومهما عملت عالي عنفواني ما فيكم بالجواهر تخضوني راح قاومكم أنا بالميدان وحدي إن العربان كلهم ما عنوني حتعمي عيونكم غبرة رمادي إذا قدرتوا بأرضي تحرقوني بغابت أرز بدي أعود أحيا أسودي ملحية كلها خشوني حسين عواد |