مؤتمر الأمن الدولي:
عودة غربية جديدة إلى الخلافات القديمة


قبل لحظات من افتتاح المؤتمر الدولي الأربعين حول الأمن الذي انعقد في ميونيخ في السابع والثامن من شباط / فبراير الجاري، عاد بعض الصحافيين إلى سؤال وزير الحرب الأميركي، دونالد رامسفيلد، عما إذا كان نادماً على الكلمات التي وصف بها كلاً من فرنسا وألمانيا، خلال فترة التوتر التي سبقت غزو العراق، بأنهما تنتميان إلى أوروبا العجوز.

أكثر من مصالحة حصلت منذ ذلك الحين، والولايات المتحدة تحتاج إلى المساعدة خاصة من فرنسا وألمانيا في العراق. ومع هذا، أجاب رامسفيلد بأنه قد أصبح كبيراً جداً على الندم. إلا أنه عاد فيما بعد وحاول تدارك الموقف قائلاً انه كان يقصد الأطلسي لا أوروبا، على أساس أن العجوز هو الأطلسي القديم المكوّن من 19 بلداً، وأن الجديد هو الأطلسي بما اتسع ليضم سبعاً من دول حلف وارسو السابق.

صحيح أن هذا التطور لم يطرد الدبلوماسية من قاعة المؤتمر حيث حرص معارضو الحرب على الرفق بواشنطن وعدم الإشارة من قريب أو من بعيد إلى فضيحة أسلحة الدمار الشامل، ولكن يوشكا فيشر، مدير الدبلوماسية الألمانية، بدا وكأنه يشفي غيظه من رامسفيلد عندما أكد، على مسمعه، بأن معارضي الحرب كانوا وما زالوا غير مقتنعين بمبرراتها ومحقّين، بالتالي، في معارضتها. ولم يكتف فيشر بالوقوف عند الدفاتر العتيقة بل تجاوز ذلك إلى ملفات المستقبل عندما أكد ـ رداً على الإلحاح الأميركي على ضرورة إعطاء دور أكبر للحلف الأطلسي في أفغانستان والعراق ـ عدم وجود مبرر أو أساس أو حاجة لمثل ذلك الدور، وعدم استعداد ألمانيا للمشاركة العسكرية فيما لو حازت الفكرة على إجماع الأطراف المعنية. وقد برّر فيشر موقفه هذا بالنزاهة التي تقتضي الشك بالمطلب الأميركي، وأيضاً بالخطر المتمثل بالعواقب الوخيمة التي ستنجم عن الفشل المحتمل. ولا غرو! فتكاثر التوابيت العائدة إلى أميركا وغيرها من بلدان التحالف، وازدياد الأوضاع تفجراً في أفغانستان والعراق، وتلبّس الإدارتين الأميركية والبريطانية بفضيحة الكذب... كل ذلك مما يدعو إلى النزاهة والخوف.

ولم يكن الموقف الفرنسي مختلفاً من حيث الجوهر، وإن كانت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشيل إيليوت ماري قد لاحظت أن أجواء التفاهم أفضل مما كانت عليه في العام الماضي. فالهوة كانت عميقة جداً في الواقع بين الرغبة الأميركية الملحّة في زجّ الحلف الأطلسي مباشرة في المعترك العراقي وبين الشروط الفرنسية: حكومة عراقية شرعية، قرار أو ـ على الأقل ـ مباركة من مجلس الأمن، وجود فاعل للأمم المتحدة، وقوة أطلسية لا تكون بإمرة واشنطن.

وكل ذلك لا يبدو، حتى الآن، مقبولاً من الطرف الأميركي، إضافة إلى التحرك الألماني الفرنسي الذي هدف إلى دفع المؤتمر إلى تبني موقف أكثر إيجابية وفاعلية في الملف الإسرائيلي الفلسطيني و"سلام الشرق الأوسط".

وينبغي الإشارة إلى أن المطلب الأميركي لم يطرح من باب العمل على لملمة الأوضاع الشائكة التي خلقتها الحرب على الإرهاب، بل من باب يبدو أكثر قرباً إلى الرياء حيث ركز الأميركيون على أن الدوافع الحقيقية لمطلبهم هي لملمة الحلف الأطلسي بعد أن أصبح، على حد تعبير أمينه العام الجديد، جاب دوهوب شيفر، في حالة عجز كبير لجهة القوى المنتشرة فعلاً ولجهة الإمكانيات العملية غير المتكافئة مع الطموحات السياسية. وإذا كان أكثر المؤتمرين قد امتدحوا أهمية وحدة الضفتين، فإن ذلك لم يتجاوز الرياء العادي واللياقات الدبلوماسية في ظل التوجهات الأميركية المعلنة نحو استخدام الحلف كهراوة في يد البنتاغون وبعد الخطوات العملية التي قطعها الأوروبيون على صعيد تشكيل قوتهم العسكرية الخاصة والمستقلة. ولكن مؤتمر الأمن الدولي شاء في النهاية أن ينفضّ عن نهاية سعيدة حيث أسهب المؤتمرون في الإعراب عن آمالهم في أن تكون قمة الأطلسي المنوي عقدها في اسطنبول في أواخر حزيران/ يونيو القادم خاتمة التدابر والتقاطع.

عقيل الشيخ حسين