قانون إدارة الدولة العراقية على طاولة البحث،
والمنظمة الدولية تبحث عن حلول وسط


بغداد ـ عادل الجبوري

 خلال الأسبوعين المقبلين يمكن أن تتبلور إلى حد ما معالم المشهد السياسي الجديد في العراق. فمن جانب بدأ مجلس الحكم الانتقالي العراقي ومعه عدد من التيارات والأحزاب والشخصيات غير الممثلة فيه نقاشات حول مشروع قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي قدمه الدكتور عدنان الباججي خلال رئاسته الدورية لمجلس الحكم الشهر الماضي، والذي من المفترض ان يُقرّ خلال فترة لا تتعدى أواخر الشهر الجاري. ومن جانب آخر فإن وفد خبراء منظمة الأمم المتحدة برئاسة الدبلوماسي الجزائري المخضرم الأخضر الابراهيمي قد وصل مطلع الشهر الجاري الى بغداد لتقييم الأوضاع وتقرير ما اذا كان ممكناً اجراء انتخابات عامة في العراق في ظل الظروف الراهنة أم لا.  

   في ما يتعلق بقانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بصياغته الأولية والمؤلف من سبعين مادة، فقد قوبل بملاحظات وتحفظات كثيرة من قبل عدد من التيارات والأحزاب والشخصيات، حيث ان بعض تلك الملاحظات والتحفظات ذو طابع قانوني بحت، وبعضها ذو طابع قانوني ـ سياسي، في حين ان بعضها الآخر ينطوي على طابع سياسي ـ اداري، من دون إغفال حقيقة مهمة، هي ان كل الملاحظات والتحفظات تنطلق من حسابات سياسية دقيقة وحساسة جداً، باعتبار ان إقرار هذا القانون يعني في ما يعنيه تحديد معالم وملامح وخطوط المشهد السياسي العراقي الجديد.

 ولعل من بين الملاحظات والتحفظات التي يمكن تسجيلها على القانون هي:

ـ انه أشار الى "ان نظام الحكم في العراق فيدرالي تعددي.."، وهذا يعني أنه تقرر شكل نظام الحكم مسبقاً من دون الرجوع الى الشعب، بينما المطروح منذ سنين ان الشعب العراقي  بمختلف طوائفه وقومياته ومذاهبه واتجاهاته السياسية هو الذي يقرر شكل نظام الحكم، إما عبر الاستفتاء وإما بأي أسلوب عملي آخر .

ـ انه أشار الى المظالم الكثيرة التي لحقت بالاكراد طيلة عهد النظام السابق، وأكد ضمان حقوقهم السياسية والثقافية والاجتماعية، بينما لم يشر إلى ما تعرض له الشيعة من اضطهاد على يد ذلك النظام الذي لا يقل عما تعرض له الأكراد، ان لم يكن أكثر.

ـ يغفل القانون الاشارة الى ان من مسؤوليات الحكومة التي يفترض ان تتشكل وفقاً لقانون ادارة الدولة، وضع السياسات والمناهج التعليمية لمختلف المراحل الدراسية بما يتناسب مع القيم الثقافية والحضارية والاجتماعية والدينية للمجتمع العراقي.. وكذلك فهو لا يشير لا من قريب ولا من بعيد الى مسألة تنظيم السياسات الاعلامية العامة، سواء لوسائل الاعلام المحلية او وسائل الاعلام الاجنبية العاملة في العراق، حتى ان البعض فسر عدم التطرق الى هاتين القضيتين المهمتين بأنه مقصود.

ـ اعتبر القانون الاسلام "مصدراً أساسياً في التشريع"، وليس المصدر الوحيد، علماً بأن غالبية أبناء الشعب العراقي هم من المسلمين، وبالتالي يفترض ان يكون الاسلام بإطاره العام الشامل المصدر الاول والاساس في تشريع وسن القوانين .

ـ ترك القانون في بعض مواده مسائل مهمة وحيوية معلقة وغامضة، مثل الجيش وطريقة انتخاب أعضاء الجميعة الوطنية ومعايير الترشيح ومسائل أخرى من هذا القبيل.

 

وقت أطول

 ويرى عدد من المعنيين بالنقاشات والمطلعين على جوانب منها، ان كل ما يُطرح هو أمر طبيعي جداً، لأنه أولاً يعكس المساحة الواسعة من التعددية والتنوع والاختلاف في الآراء، وثانياً يعبر عن الحرية في الطرح والنقاش بعيداً عن أي قيود او ضوابط يراد منها مصادرة حق أي طرف وتهميشه.

 في ذات الوقت فإنه من المستبعد ان تُحسم الامور خلال الاسبوعين المقبلين، لأن هذه الفترة قد لا تكون كافية للتوصل الى صيغ وصياغات يمكن ان تكون موضع قبول ورضا ـ لا نقول كل، بل ـ معظم أطياف الساحة السياسية العراقية.

 

دور المنظمة الدولية

الى ذلك فإن وفد خبراء الامم المتحدة قد يكون بحاجة الى وقت طويل نسبياً حتى يستمع الى كل وجهات النظر والرؤى والتصورات ويناقشها مع أصحابها، وحتى يجري تقييماً موضوعياً ودقيقاً للواقع القائم على الارض. ولعل أعضاء من وفد الخبراء ـ فضلاً عن الاخضر الابراهيمي ـ لّمحوا الى ذلك.

ويبدو ان المنظمة الدولية تدرك طبيعة وحجم الدور الذي يمكن ان تلعبه في العراق في ظل وجود سلطات الائتلاف المؤقتة والحاكم المدني الأميركي بول بريمر، وفي ظل المعادلات القلقة والحساسة القائمة على الساحة، لذا فهي لا تريد ان تقحم نفسها في معمعة صناعة القرار السياسي. وقد أشار الى ذلك  الامر المتحدث باسم وفد الأمم المتحدة أحمد فوزي بقوله: "لسنا هنا لفرض حل على الشعب العراقي، وإنما لبحث امكانية اجراء انتخابات مباشرة يطالب بها آية الله السيد علي السيستاني" .

ومن المستبعد ان تبت بعثة المنظمة الدولية بالمسألة المناطة بها خلال وقت قريب، سيما أنها متأكدة من ان توصلها الى نتيجة مفادها امكانية اجراء انتخابات عامة يعني إناطة جملة من المهام والمسؤوليات بها، ربما لا تكون مهيأة لها بالشكل المطلوب.

 

حلول وسط

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية المطروح للنقاش يشير ضمناً الى قضية الانتخابات الجزئية وليس العامة، وهذا يرجح ما يقول به خبراء المنظمة الدولية كصيغة حل وسط توفق بين مواقف واتجاهات متقاطعة، بين مؤيد لاجراء انتخابات عامة ويدعو الى ذلك بكل قوة، ومعارض لذلك باعتبار ان الظروف غير مؤاتية لتنظيم الانتخابات.

ويرى بعض المحللين والمراقبين السياسيين ان وفد الأمم المتحدة الذي من المقرر ان يكون قد التقى المرجع السيستاني خلال الأيام القلائل الماضية، ربما سمع منه عبارة "أفضل الميسور" التي تعني البحث عن بدائل مناسبة ومقبولة عن الانتخابات العامة اذا لم يكن بالإمكان إجراؤها.

وهكذا فإن اقرار قانون ادارة الدولة والبت في قضية اجراء الانتخابات متلازمان بشكل او بآخر، وحسم الأول يعني تلقائياً حسم الثاني، والعكس صحيح.