|
الدرس اللبناني |
|
مشبوه هو الصمت الذي تلاقى به المجازر الاسرائيلية اليومية في قطاع غزة، وكأن الضمير العربي والدولي لم يعد يهتز لأرقام عشرات الضحايا الذين يقتلهم الجيش الصهيوني بأعصاب باردة. كأن المطلوب تأمين غطاء سياسي وإعلامي يوازي خطة شارون للانسحاب من مستوطنات القطاع، او كأن هذا الانسحاب لا يكتمل الا اذا أشبع المسؤولون الاسرائيليون غريزة الانتقام الوحشية من الناس العاديين ومن الأرض المزروعة والممتلكات والمنازل في البقعة التي لم يستطيعوا زرع مستوطناتهم فيها والحفاظ عليها. ثمة لعبة دموية تمارسها قيادة العدو تريد من خلالها إرواء تلك الغريزة الدموية المستشرية في المجتمع الصهيوني، فمقابل الانسحاب تحت ضغط المقاومة والصمود الاسطوري الفلسطيني، يقوم الجيش الصهيوني بترك القطاع غارقاً في دماء ابنائه يلفه السواد بدل ان يعمه الفرح بإجبار العدو على التراجع عن احتلاله لجزء من أرضه. يشبه ذلك ما حصل قبل نحو اسبوعين عندما عاجلت دبابات الصهاينة اهالي غزة بمذبحة مروعة قبل يوم واحد فقط من الافراج عن 400 أسير فلسطيني مجاهد. لكن في كل الحالات يبدو الصمت نوعاً من التأقلم مع السلوك الاجرامي للاسرائيليين، وهو أمر بالغ الخطورة، خصوصاً من اطراف دولية تحمل عادة لواء الدفاع عن حقوق الانسان والابتعاد عن العنف، بل حتى الغاء عقوبة الاعدام القانونية، فكيف الحال وقوات الاحتلال الصهيوني تقوم بإعدامات ميدانية تعاقب عليها المبادئ والمعاهدات الدولية، وتعتبر جرائم حرب. لعل الموقف الاوروبي هو الأكثر تناقضاً، في حين يبدو الموقف الاميركي فضائحياً أكثر لناحية انصياع الادارة الاميركية لكل املاءات شارون ومشاريعه، اما الموقف العربي فهو أكثر خزياً، اذ لم تزل الاتصالات قائمة بين الكيان الصهيوني والانظمة التي تقيم معاهدات تسوية معه دون خجل من شعوبها، او من الشعب الفلسطيني نفسه. تكمن المفارقة الاوروبية في مجال متصل بالموضوع أيضاً في الموقف من جدار الفصل، ففي حين يندد الاوروبيون ببناء جدار الفصل الصهيوني باعتباره يدخل تغييرات جغرافية وديمغرافية على أراضٍ محتلة بموجب القانون الدولي، فإنهم يرفضون رفع قضية الجدار الى محكمة العدل الدولية لأسباب لا يمكن تبريرها، وفي وقت تدعو اوروبا الى اعلاء راية القانون الدولي في مختلف الصراعات. قبل ثلاث سنوات طلب شارون من الاسرائيليين مئة يوم من الصمود لانهاء "الانتفاضة" وإخضاع الفلسطيني، وها هي الألف يوم تمر وما زال الإباء الفلسطيني والدفاع عن الكرامة والارض يصيب آلة القتل الاسرائيلية بالتهالك، ويثير اعجاب العالم برغم صمته رسمياً. تعبت آلة القتل، وعجزت جرافات العدو وضباطه وطياروه ومجتمعه من كثرة ما نفذوا من عمليات اغتيال ومجازر، وما زال للشعب الفلسطيني روحه العملاقة للصمود، ودحر اليأس وخطط العدو المتتالية، وآخرها الانتقام بالمجازر المتنقلة. لكنها رحلة عذاب ستنتهي بالتحرير ودحر آلة الاحتلال واستعادة الارض والانسان. وتبدو بشائر ذلك قريبة، ومن غزة بالتحديد، حيث سيثبت الدم الفلسطيني انه اقوى من سيف الجلاد الاسرائيلي. حسين رحال |