هزّة بمفهومين


في مشهد الهزّة التي ضربت المنطقة هذا الأسبوع يتوقف المرء أمام تفصيلين من مفاصله، يؤكدان مرة أخرى الفرق الشاسع بين عقيدتين اجتمعتا على أقدس أرض، فرق لو أدرك أغلبنا كنهه لكانت حالنا غير تلك التي يقبع عالمنا العربي والمسلم بداخلها الآن.

وبرغم أن الفريقين الممثلين لهاتين العقيدتين لم يتبادر إلى ذهنيهما في بادئ الأمر أن ما يحصل ليس سوى هزة طبيعية خفيفة، وعلى ذلك اجتمعا، إلا أن ردَّي الفعل جاءا متناقضين تناقض فهمهما لهذه الحياة. ففي الإجتماع اتفق الجانبان الفلسطيني والصهيوني أن ما يجري هو هجوم من الجانب الآخر، فظن الفلسطيني أن الاهتزاز هو جراء جنازير دبابة حاقدة، وظن الصهيوني أنه جراء قنبلة ثائرة، فإذا بالفلسطيني يبتسم ابتسامة الهازئ بالقوة الحديدية التي ما استطاعت على جبروتها النيل من عزيمة كبريائه، وإذا بالصهيوني يخرج هلعاً من كنيسه وقلبه يكاد يمزق أحشاءه ويسبق رجليه جزعاً من إرادة ما انفكت تدك عنفوانه وتمرغ أنفه بالتراب.

إنه الموت الذي يراه الفلسطيني المجاهد المؤمن بربه سعادة، بينما يراه الصهيوني شقاءً، يراه الأول بداية الطريق فيما يراه الثاني نهايتها. هي عقيدة الأول المسلَّم بإرادة الباري عز وجلّ، فلا يبالي إن وقع الموت عليه أم وقع هو على الموت، وهي عقيدة الثاني الهارب منه، وهو مدركه ولو كان في بروج مشيدة.

 الأول أدرك وقاوم الحديد والنار بالإرادة والايمان، فانتصر وكأن لسان حاله يقول: إذا كان لا بد من الموت فمن العار أن تموت جبانا، أما الآخر فانهزم برغم حديده وناره وجدرانه، وكأن لسان حاله يقول: إذا كان لا بد من الموت فمن الأجدر أن تموت هربانا مع الاعتذار الشديد من الشاعر.

محمد يونس