مجزرة جديدة في حي الشجاعية
خارطة المئة مذبحة تخرج من أنياب شارون وموفاز


غزة- "الانتقاد" 

صوت الرصاصة الأولى التي انطلقت من الشهيد احمد أبو عرمانة احد أفراد الأمن الفلسطيني كانت كفيلة بإيقاظ حي الشجاعية بأكمله وإعطاء الإشارة للمقاومين في كل القطاع أن معركة ستبدأ أو بدأت مع القوات الصهيونية التي كانت هذه المرة من القوات الخاصة التي دخلت لقتل مجموعة من حماس.

عشرة جنود اسرائيليين متنكرين بالزي المدني ويركبون سيارات تحمل ارقاماً فلسطينية حاولوا التسلل عبر حاجز شرق مدينة غزة،  فأوقفهم جنود الامن الوطني واشتبكوا معهم ما دفع الدبابات الصهيونية للدخول على الفور لتبدأ المعركة.

أبو عرمانة استشهد في اللحظات الأولى قبل أن تحاصر قوات الاحتلال منزل المقاوم من حماس أشرف حسنين الذي لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن معبر نحل عوز شرق مدينة غزة ليشتبك معهم ويستشهد أيضاً قبل أن تفجر قوات الاحتلال منزله، وتحتجز جثمانه حتى نهاية الاجتياح وتدعي انها عثرت على أشرطة فيديو تظهر عمليات اطلاق الهاون وصواريخ القسام على المستوطنات الاسرائيلية.

 

رعب

وبكلمات مرتعشة وقفت الحاجة أم محمود حلس تصف لمراسل "الانتقاد" اللحظات الاولى للاقتحام وقالت: "فجأة سمعنا دوي اطلاق نار وعلى باب المنزل سمعنا صرخات استنجاد من قبل اثنين من المواطنين كان احدهما من اقاربنا، خرج ابني بعد دقائق لانقاذه فأطلقوا عليه النار واصابوه في الحوض، وقمنا بسحبه نحو سيارات الاسعاف وساعتها تبيّن ان الجريحين قد استشهدا من كثرة ما نزفا من الدماء".

اما الحاج ابراهيم بكرون فكان في حالة الصدمة مما شاهد وبصعوبة قال: "لأكثر من ساعتين ونحن نسمع صرخات شاب فلسطيني أصيب في اللحظات الاولى وظل جثمانه ملقىً في المكان حتى خروج قوات الاحتلال ونحن عاجزون عن فعل شيء.. اتصلنا بسيارات الاسعاف ولكن كثافة النيران لا تسمح لنا حتى بالتحرك داخل المنزل".

ويضيف بكرون: "وقبل أن ينسحب جنود الاحتلال شعرنا باهتزاز كبير في منزلنا وشعرنا بزلزال عنيف نتج عن زرع منزل جارنا بالمتفجرات وتدميره، وهي ليست المرة الأولى التي يدخلون فيها إلى الحي .. فهذا الحي تعرض للاجتياح أكثر من عشر  مرات، كل مرة كانت تنتهي بعشرة شهداء على الاقل وجنود الاحتلال كانوا لا يتمكنون من الدخول سوى عشرات الامتار".

سائق سيارة إسعاف قال إن العشرات من سيارات الاسعاف هرعت للمكان وكنا ننقل الجرحى والشهداء بصعوبة بالغة وبعد ان يقوم المقاومون بنقلهم بعيداً عن النيران.. فسيارة الاسعاف التي تقترب من الجرحى كان يطلق عليها النيران.

 

مقاومة عنيفة

الاشتباك دفع بمئات المقاومين للانطلاق نحو لقاء قوات الاحتلال وكان هاني ابو سخيلة، القائد في كتائب القسام من مخيم جباليا أول المندفعين للقاء قوات الاحتلال،  وكان حسب مصادر مطلعة في حركة حماس المسؤول من قبل الحركة عن التنسيق مع بقية الفصائل حول عملية ايرز البطولية التي وقعت في شهر أيار/ مايو الماضي وقتل فيها أربعة ضباط وأصيب ثلاثة ونفذها ثلاثة استشهاديين من القسام وسرايا القدس وشهداء الاقصى.. هاني الذي وصل من مخيم جباليا أصابته رصاصة في صدره أدت إلى استشهاده ليصل عدد أفراد كتائب القسام الذين استشهدوا خلال المعركة إلى خمسة، وقد أطلقوا عدة صواريخ من طراز البتار على الدبابات الاسرائيلية اضافة إلى قذائف الآر بي جي.

المعركة شارك فيها عشرات المقاومين، فسرايا القدس ـ الجناح العسكري للجهاد الإسلامي، قدمت ثلاثة شهداء بينهم المقاوم أكرم عقيلان من مخيم الشاطئ الذي وصل باحثا عن الشهادة واشتبك مع جنود الاحتلال لاكثر من ثلاث ساعات ضمن مجموعات كبيرة من السرايا وصلت إلى المكان وتم توزيعهم على محاور قريبة من الدبابات الصهيونية وأقاموا سواتر ترابية واشغلوا القوات الصهيونية بعمليات قنص بالأسلحة الخفيفة في محاولة لاستدراج الدبابات إلى الامام نحو الغام وعبوات كانت مزروعة في الشارع وفق ما قال لنا مسؤول ميداني في سرايا القدس الذي قال إن ثلاثة من عناصره استشهدوا.

بين الشهداء أيضا محمد بن أحمد حلس ـ أمين سر حركة فتح في قطاع غزة ـ وقد جاء والده إلى مشفى الشفاء لوداع نجله الذي اعتبره واحداً مثل كل الشهداء الذين يقدمون أرواحهم ضريبة لتحرير الأرض.

المقاومون من كتائب شهداء الاقصي استخدموا أسلوباً اخر في القتال، فالعناصر استخدموا اسلوب القنص وكانوا يتنقلون من شارع لآخر بحثاً عن جنود اسرائيلين قد يظهرون من فتحات الدبابات، وتمكنوا أخيراً من قنص أحدهم عندما نزل من دبابته إلى منزل حسنين لتفجيره.. الا ان هذا النمط من القتال لم يلتزم به مقاتل من الاقصى كنا نراه يقطع الشارع بعرض ثلاثين مترا وهو يطلق النار في مواجهة الدبابات الاسرائيلية التي حاولت مرارا قتله دون جدوى.

 

مذبحة مقصودة

الرصاص المتطاير من قبل جنود الاحتلال لم يكن ينطلق إلا نحو رؤوس الفلسطيين وصدورهم فكان عدد الشهداء ثلاثة عشر شهيدا وخمسة وأربعين جريحا، عشرة منهم في حال الخطر..

أحد الجرحى الذي أصابته رصاصة في بطنه جرت معارك حقيقية لإخراجه بعدما وقع تحت نيران جيش الاحتلال، فتقدم ثلاثة مقاومين قطعوا الشارع وسط إطلاق نار من رشاشاتهم تجاه جنود الاحتلال قبل أن يتمكن مقاومون آخرون من سحب الجريح الذي نجا من الموت بأعجوبة لتنتهي المعركة بعد ست ساعات من بدايتها، وقد خسر خلالها جيش الاحتلال آليتين عسكريتين تم سحبهما قبل الانسحاب، وخرج الفلسطينيون كالعادة في وداع شهدائهم في مسيرات أقسم خلالها مئات المشاركين على الانتقام.

وقد لوحظ اندفاع الشبان إلى الامام بصدورهم العارية دون خوف من الرصاص أو من الدبابات التي كانت تصوّب مدافعها نحوهم وتطلق الرصاص تجاههم وتسقط الجرحى والشهداء من بينهم دون أن يمنعهم ذلك من المشاركة ولو بتشجيع المقاومين بالهتافات والهاب حماستهم.  غير أن المذبحة كانت على ما يبدو مبرمجة ومعدة سلفاً كما اتضح من خلال تعمد القوات الصهيونية اطلاق الرصاص على المناطق القاتلة من الجسم واطلاق الرصاص نحو سيارات الاسعاف التي كانت تندفع نحو المصابين والجرحى والشهداء لانقاذ حياتهم، وهو ما ترك الكثير من المصابين أمام مصيرهم إلى الموت او إلى اعاقة دائمة.