|
|
|
هل نحن أمام الكثير من الجلبة السياسية، والكثير من الجعجعة والقليل من الطحين، في ما يتعلق بخطوة شارون إخلاء قطاع غزة من المستوطنات، أم نحن أمام قرار جدي فيه من إعادة النظر ما فيه، وبالتالي نحن أمام منعطف ومرحلة جديدة في ما يخص القضية الفلسطينية؟ مصدر التشكيك بخطوة شارون مفهوم، فالرجل فضلاً عن كونه رئيس حكومة، فهو رئيس تكتل الليكود الذي يمتاز بموقفه الايديولوجي من مسألة الاستيطان، ما يعني حكماً أن شارون يدفع الى مراجعة ايديولوجية، وإن كان المدخل لها سياسي، بكلام آخر، ان الوضع الإسرائيلي هو أمام مرحلة تقتضي تغليب اعتبارات المصالح على اعتبارات المبادئ، وهذا ليس بالأمر السهل، إذ من شأنه أن يدفع الى السطح صراعات المواقع داخل الليكود وخارجه، ويعيد بالتالي إعادة رسم المشهد السياسي الإسرائيلي الداخلي وتوزع ألوانه وقواه انطلاقاً من هذه المسألة. من هنا، كان طبيعياً أن يشهد توجه شارون ما يشهده من ردود فعل مختلفة تضع الوضع الداخلي أمام مرحلة اصطفاف جديدة. ومن جهة أخرى، فالرجل ـ شارون ـ هو أبو الاستيطان، فهل من السهل على الأب أن يطلق رصاصة الرحمة على أحد أغلى أبنائه عليه. أضف الى ذلك، ان الرجل يتهيأ للسفر الى الولايات المتحدة، كما أنه يتطلع الى الساحة الدولية فيجد أن صورة الكيان الإسرائيلي تبهت وتتراجع، وينظر الى وضعه الداخلي، فيجد نفسه محاصراً بلائحة اتهامات تهدد وجوده السياسي بقوة. كل هذا يملي عليه إثارة الكثير من الجلبة والضوء لإخفاء قسمات وجهه البشعة وريادته في إفشال أي تحرك سياسي لحل القضية الفلسطينية، ولإطلاق عملية إشغال وإلهاء للرأي العام الإسرائيلي حول وضعه الجنائي. هذه الاعتبارات مجتمعة تدفع الى التشكيك بنوايا شارون، لكن في المقابل ثمة لائحة اعتبارات أخرى تدفع الى حملها على محمل الجد. هذه الاعتبارات لخصها شارون في مقابلة له أجريت مؤخراً مع صحيفة معاريف حيث قال بالحرف: "اني اتطلع الى الأمام وليس الى الوراء، ولا ينبغي الانشغال بما كان وإنما بما ينبغي ان يكون، إني أتحدث عن قطاع غزة، وأعتقد أنه في إطار نظرة بعيدة المدى فمن الأفضل لإسرائيل أن لا يكون لها وجود استيطاني يهودي هناك، فهذا ليس من مصلحتنا. ينبغي عليّ أن أهتم بالمستقبل لخفض عدد الإصابات وترميم الاقتصاد وتشجيع الهجرة وخلق ظروف عيش وإنتاج". وأما القطبة المخفية في كلام شارون فتمثلت بقوله: "ان هذه الخطوة ستجعل من دولة إسرائيل دولة هادئة أمنياً لفترة تزيد على الـ30 سنة". صحيح كما ذهب الوزير السابق من حركة "شينوي" أمنون روبنشتاين في هآرتس من أن خطة شارون تعتبر "قنبلة فكرية" لكونها تنطوي على إقرار زعيم الليكود, "الشخص المسؤول عن المشروع الاستيطاني الأكبر في المناطق، بفشل الطريق الذي سار عليه وعدم جدواه سياسياً وأمنياً"، إلا أنه من الصحيح أيضاً أن توجه شارون الأخطر لا سيما إذا ما قرأنا أبعاده انطلاقاً من الجدار الفاصل، ان هاتين الخطوتين لا يمكن فصلهما لكونهما مرتبطتين بالمعنى الاستراتيجي للكلمة. فالجدار يراد منه، كما بات معروفاً، توفير أمرين أساسيين: الأول أمني لجهة تقليص، وإذا أمكن عمليات المقاومة داخل أراضي عام 1948، وهذا المنع يعتبر شرطاً ضرورياً وأساسياً لترميم الاقتصاد وتشجيع الهجرة، وخلق ظروف عيش وإنتاج، بحسب تعبيرات شارون نفسه. والثاني سياسي يتمثل بضرب مشروع إقامة دولة فلسطينية على كامل حدود عام 1967، ومن ثم جعل احتمال أي تسوية ممكنة غير وارد في المدى المنظور، ما دام واقع قيام دولة فلسطينية "قابلة للحياة" غير ممكن عملياً. أما الانسحاب من غزة، فيتوخى بدوره أمرين أيضاً: تقليص الأهداف الإسرائيلية من مرمى عمليات المقاومة الفلسطينية، وتوفير قنبلة دخان كبيرة تغطي القرار الخاص بإقامة الجدار الفاصل، بحيث تبدو الثانية في مقابل الأولى. وخلاصة الخطوتين تكمن في ترك قطاع غزة وما يتبقى من الضفة في حالة تقود الى أمرين متلازمين: الأول واقع ممزق لا يسمح بإقامة دولة، وبالتالي إبقاء القضية الفلسطينية في وضع معلّق الى فترة طويلة من الزمن، والثاني، توفير كل مقومات الإبادة السياسية للقضية الفلسطينية. بهذا المعنى لا تبدو خطوات شارون رقصاً خارج الحلبة، بقدر ما هي خطوات مدروسة تجمع بين التوجه المبدئي القائل بعدم السماح بقيام دولة فلسطينية كاملة على حدود عام 1967، وبالتالي عدم الاستعداد لتقديم أي تنازل في قضايا الملف النهائي لا سيما قضية القدس، والثانية معالجة مضاعفات الانتفاضة الاقتصادية والأمنية والاجتماعية. لا شك، في أن في كلام شارون وتوجهاته الكثير من الاعتراف الضمني بما أنجزته الانتفاضة، إلا أن فيه أيضاً الكثير من الأخطار الاستراتيجية التي تتطلب مواجهات جديدة ومن نوع مختلف، بعيدة بالتأكيد عن همروجة التصفيق والتهليل لما يقوم به شارون، من دون رؤية ما هو أبعد وأخطر من ذلك. مصطفى الحاج علي |