اميركا تعدنا بالديمقراطية.. والموت


كلما سمعنا كلاماً طيباً من الولايات المتحدة الاميركية توجسنا شراً. فإذا وعدتنا بالديمقراطية انهالت علينا قصفاً واحتلالاً ودماراً. واذا بشرتنا بحقوق الانسان تعرضنا لانتهاك الأرض وممارسة القمع والقتل والفتك، بيديها مرة، وبالذراع  الاسرائيلية مراراً. واذا طمأنتنا الى رغبتها بتقديم النصائح للاصلاح، أوشكنا ان ندخل في الفساد الأكبر برعاية فائقة لحقوق الأنظمة على شعوبها، واذا سمعنا عن التنمية، أدركنا حجم النهب المنظم الذي ستتعرض له الأمة، وحال الافقار التي ستحل بالشعوب العربية.

أما اذا تحدثت عن السلام، فهذا يترجم، بضرورة الاستسلام الشامل والنهائي، والتخلي عن المقاومة والممانعة والرفض والحقوق والواجبات، وتسليم أمر ترتيب الخيام الفلسطينية لرحمة اميركا، واعادة تنظيم الثكنات العسكرية الاسرائيلية على امتداد البر والبحر والجو، واشراك العرب بالشراكة الامنية، قمعاً، والزام الشعوب بخدمة الصمت الالزامي، والرضى التطوعي، بدل الاكراهي.

اميركا هي اميركا.

هي هي، لم تتغير أبداً، هي تغيرت باتجاه ممارسة الكفر الانساني، بتفوق نقي، وعناد صاف، وادعائية مفروض علينا ان نصدقها.

اميركا هي هي.

استعمار جديد، يتجدد كل طلعة شمس، فلا ديمقراطية، ولا حقوق انسان ولا تنمية ولا اصلاح ولا شرق أوسط جديداً، وأكبر ما هو مطروح علينا، احتلال بالتراضي، بعدما كان بالقوة، وديمقراطية كراكوز، وحقوق اقليات ومذهبيات، والتحاق نظامي مطواع بالأسواق الرأسمالية المعولمة، أما الشرق الأوسط الجديد والأكبر، فهو ليس الا صورة مكبرة، لرغبات "اسرائيل" في ان تعوض "اسرائيلها" الصغرى المهددة من الخارج والداخل، باسرائيل كبرى، ذات قبضة مالية وأمنية واقتصادية، متشابكة مع سواعد انظمة عربية هشة ومدينة ببقائها لخوفها من اميركا وممارسة فروض الطاعة، والصوم عن الاعتراض، على ان ذلك الطموح الاميركي مستحيل.

مستحيل، حتى ولو كانت النيات الاميركية صافية كعين الديك، فمفتاح الاصلاح في الشرق الاوسط، زوال الاحتلال الاسرائيلي وزوال الاحتلال الاميركي عن العراق.

مستحيل، لأن مشكلة الولايات المتحدة الاميركية، ليست مع الانظمة العربية الساعية دائماً ليكون لها مكان اقامة تحت مظلة الحماية الاميركية، ومقيمة وفية في بيت الطاعة الاميركي، مشكلة اميركا مع الشعوب العربية.

مستحيل، لأن مشكلة الولايات المتحدة الاميركية، انها تقف دائماً ضد الشعوب العربية. فسيرتها عندما تقرأها الشعوب العربية، تجد فيها انها اشد عداوة من كل انواع الاستعمار الذي تمرّن في جسد الأمة.

ولا نحتاج الى كثير عناء، لاقناع العربي بأن اميركا هي دائماً مع "اسرائيل"، وهي دائماً ضده، وكم سيحتاج الاميركي الى وسائل اقناع، وبالقوة المسلحة، لتحرير مشروعه، لاشاعة الديمقراطية والعدالة والتنمية وثقافة حقوق الانسان في العالم العربي.

هذا ليس مشروع هلسنكي عربي، بل هو مشروع ابتزاز للانظمة العربية، ومشروع اخضاع الشعوب العربية، للرغبات الاميركية ـ الاسرائيلية .

الحكام العرب، في معظمهم يشعرون، بأنهم ادوا خدمات جليلة لاميركا، وهي الآن تبحث عن سواهم، عن أحمد جلبي آخر في كل كيان، ومجلس حكم منتقى، وفق مواصفات الصقور الاميركيين في وكر البنتاغون.

ومع ذلك، فلا خشية من هذا المشروع، لأنه يصطدم بجدار عربي كبير، هو الرفض العربي التلقائي، ولا خشية من الأنظمة الاستبدادية، لقد اصبحت من كرتون، وتعيش على فتات خيوط العنكبوت، هذا لا يعني ان الطريق مفروش بحرير الوعود... الطريق شاق وصعب وطويل، ولكنه يفضي الى هزيمة المشروعين: المشروع الاميركي والمشروع الصهيوني... ولو طال "زمن الصليبيين".

نصري الصايغ