|
|||
|
جبر الشيء يجبره فهو جابره، إذا أعاد تنظيم الشيء وأصلح فاسده وقوّم بناءه.. ولقد قيل ان جابراً سُمي باسمه الطبيعي وأعاد بناءه على نحو ما كان عليه عند أرسطو، قبل ان يصيبه الفساد بامتزاجه بالسحر في العصور الوسطى. ان الإضافات التي أضافها جابر بن حيان الى الكيمياء هي التي سوّغت بحق ـ لقيمتها ـ أن ينعت باسم جابر، لأنه هو الذي جبر العلم أي أعاد تنظيمه وأقامه على أساس ثابت. وما يجدر بالملاحظة أن جابراً قد خطا خطوة أبعد مما قطع اليونان في وضع التجربة أساساً للعمل، ووضع الاختبار العنصر العامل في تكوين النظرية العلمية لا الاعتماد على التأمل المجرد، ولعله كان أسبق عالم إسلامي في هذا المضمار، فهو يقول: "وملاك هذه الصنعة ـ يعني الكيمياء ـ العمل، فمن لا يعمل ولا يجرب لا يظفر بشيء أبداً". ويقول في مقام آخر: "ان الأصل كان من الطبائع لا من غيرها، فالوصول الى معرفة ميزانها، فمن عرف ميزانها عرف كل ما فيها وكيف تركبت.. والدربة مخرج ذلك، فمن كان درباً كان عالماً حقاً، ومن لم يكن درباً لم يكن عالماً، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع إذ الصانع الدرب يحذق، وغير الدرب يعطل. وعليه نجد عند جابر طريقة جديدة تذكرنا بطريقة منهج العلوم الحديثة والمنطق التطبيقي الذي يهدف الى مطابقة الفكر للأشياء الخارجية، وإلى مطابقة العقل للواقع على خلاف المنطق الصوري الأرسطي. ولذلك كان جابر عالم الكيمياء هو نفسه جابر عالم المنهج العلمي التطبيقي. وقد حمله ذلك الى نقد القياس والاستدلال والاستنباط، ويكون جابر ـ بهذا المعنى المعرفي ـ فيلسوفاً معاصراً.. لكنْ لعلم الكيمياء عند جابر أهداف روحية وفلسفية في غاية الأهمية، وعرضها يستلزم دقة وافرة. وخلاصة القول فيها: ان القرآن كتاب الوجود، والطبيعة تشتمل بدورها على الظاهر والباطن، ودور الكيمياء الروحانية هو السفر من الظاهر الى الباطن، من خارج الطبيعة الى داخلها. وإذا كان التأويل يعني ردّ الشيء الى أوله وأصله، فإن في الطبيعة من العناصر التي يمكن أن يعاد إنتاجها من خلال إعادة تركيبها. إن الكون في نظر المتصوفين والعرفاء هو واقع مؤلف من رموز ينطوي إدراكها على مرحلة في سفر العارف نحو الله. الطبيعة في نظر الصوفي مشهد عام فسيح من الرموز لا بد من إدراكها واستبطانها قبل الوقوف على دلالاتها الغيبيّة. لقد عرّف جابر بن حيان حدّ الكيمياء بأنه إظهار ليس في أيس، إذ ليس عندهم عدم وأيس، عندهم وجود، وكذلك هي الكيمياء إعطاء الأجسام أصباغاً لم تكن لها، ومهمة الكيمياء هي أن توجد في الشيء صفة ليست قائمة فيه بالقوة، وعالم الكيمياء يحاكي الطبيعة في صنيعها بتجارب يصنعها فيؤدي بها نفس الذي تؤديه الطبيعة، ولكنه يؤديه في مدة أقصى، فإذا اهتدى العالم الى الوسيلة التي يخرج بها شيئاً من شيء كانت تلك الوسيلة هي الإكسير. المعادن الرئيسية في الطبيعة سبعة تسمى الأحجار السبعة، وفي كل من هذه المعادن صفتان موجودتان بالفعل وصفتان موجودتان بالقوة، ومعنى ذلك أن كل معدن يحتوي في جوفه على معدن آخر يناقضه في صفاته. يقول جابر: لا يخلو كل موجود من أن يكون فيه طبعان، فاعل ومنفعل، ظاهران وضيعان وفاعل ومنفعل باطنان.. ذلك هو علم الصنعة، لكن أين يلتقي مع الكيمياء الروحية؟ إن العلم الطبيعي في اعتبار الفلاسفة والعرفاء الشيعة شديد الصلة بعلم الوحي، فالوحي يحمل مدلولاً ظاهراً وآخر باطناً، وسبيل إدراكه البدء بتفهم الظاهر للانتهاء منه الى الباطن، وهذا مبدأ التأويل المطبق على الطبيعة وعلى كتاب الوجود القرآن الكريم، وهذه الرحلة من الخارج الى الداخل لا تتم لأحد إلا عن طريق النبوة والوحي. تلك هي فلسفة الكيمياء الروحية عند جابر بن حيان. يعد كتاب الحدود لجابر أول كتاب إسلامي في علم المصطلح الفلسفي. إن أول ما نلاحظه في الكتاب أن جابراً يرتبه بطريقة تفيد أنه لم يكن ليتعرض الى تقسيم العلوم قبل بيان مفهوم الحد، ثم سيحتاج ذلك في بيان هذه العلوم بعد تقسيمها.. وعليها يستند في استخراج حدود الأشياء التي ترتبط بجزء مهم منها. على سبيل التناظر، فجابر يقدّم لكل علم تعريفين، لأنه ينظر الى كل علم من زاويتين: فتعريف العلم منظوراً إليه من ناحية الطريقة التي يعلم بها، وتعريف آخر للعلم نفسه منظوراً إليه من حيث هو علم قائم بذاته، من هذا نلاحظ أن نص "الحدود" ليس عادياً في تراثنا العربي الفلسفي، بل إنه يكشف بدقة عن المطصلح الفلسفي في عصر جابر، ويؤكد الجانب المنهجي لفلسفة جابر ورؤيته المبكرة لتقسيم العلوم، وجابر لا يستنسخ موقفه بهذه العلوم ومصطلحاتها استنساخاً آلياً، بل إنه يطبعها بطابع إسلامي تقرب من وجهات نظره الى صلب عقيدته الأساسية وهي الإسلام.. توفي جابر بن حيان على أغلب تقدير عام 198هـ. د. طراد حمادة |