|
|||
|
يحاول كتاب "الكاريكاتور العربي والعالمي" لعبد الحليم حمود الإجابة عن أسئلة متعلقة بفن الكاريكاتير وتاريخه وإشكالاته في الفترة الممتدة من العام 1877، حيث صدرت أول صحيفة تحمل رسماً كاريكاتورياً في العالم العربي، الى يومنا هذا، متبعاً مسارات وانعطافات هذا الفن ذي الجذور الغربية. علماً بأن البعض يرده الى رجل الكهف او الى الفراعنة، حيث ظهرت أولى ارهاصات التعبير البشري. على مساحة 170 صفحة من القطع الكبير دخل الكاتب أرخبيلاً شاسعاً من الأسماء والتواريخ والاحتمالات، فالتفاوت في التاريخ للحظة الكاريكاتير الأولى يختلف بين مرجع وآخر، حتى أصل التسمية وتأويلها دخلت في بازار من الاجتهاد المجانب للمنطق في أحايين كثيرة. "جذور الكاريكاتور" هو عنوان الفصل الأول الذي عرّج على الكثير من محاولات الشعوب للخروج عن قواعد الفن ومقاييسه البكر نحو مبالغة في الملامح والتعابير أوّلت في ما بعد على أنها كاريكاتور. غير أن حمود في كتابه ينفي هذه الصفة عنها، ليعتبر أنها محاولات جنينية، لهذا لم تطل فعلاً الا على صفحات الصحف في أواخر القرن السابع عشر وبدايات القرن الذي يليه. وتحت عنوان "النشوء والارتقاء" ينحو حمود منحى التاريخ الفعلي، فيتقصّ أثر الصحف الاولى في أوروبا مثل مجلة "كلاور أويتش" الألمانية ونجمها شولتز، ومجلتي "الكاريكاتور" و"لوشاريفاري" الفرنسيتين وأبرز نجومهما دومييه ودوريه، وغيرها من أعمال فناني القرن الثامن عشر. أما التعريف بالكاريكاتور الحديث فقد كان في الفصل الثالث الذي حمل عنوان "الإضاءة على الكاريكاتور في العالم"، حيث التقت الأسماء القديمة بالجديدة في توليف مزج بين صرامة البدايات وتأثيرات المدارس الحديثة كالسوريالية. رحلة الكاريكاتور العربي استهلالاً لتلبية يعقوب جنوح وصحيفته "أبو نضارة" يبدأ الفصل الرابع، ثم يلحظ المؤلف الحضور الوحيد للرسامين الأجانب في الصحف المصرية من "سانتس" الإسباني الى "رفعتي" التركي الى "صاروخان" الأرميني. أما التسلل للريشة المصرية فكان مع عبد المنعم رضا.. ويتابع حمود التعريف بالكاريكاتور المصري فيشمل معظم الأسماء السابقة والحالية التي حفرت وتحفر مكاناً لها في بنيات الكاريكاتور العربي. بعد محاولات عدة خجولة كانت "الدبور" 1923 البداية الناضجة للكاريكاتور في لبنان، حيث أطلت ريشة ديران عجميان وعزت خورشيد. ثم الرحلة الثانية التي انطلقت مع الصياد ونجومها الكثر: خليل أشقر، جان مشعلاني، بيار صادق، ملحم عماد، ستافرو وغيرهم. ولم ينسَ المؤلف الكاريكاتور اللبناني في المهجر، حيث برز مع محمود كحيل وحبيب حداد. "المضحك المبكي" هي أجرأ صحيفة سورية، وقد دفعت ثمن جرأتها بأن أوقفت عن الصدور مرات عدة.. ثم يتابع الكاتب تقصيه للتجربة السورية فيورد أسماءً قلما عرفتها وسائل الاعلام التي كرست نجوماً وربما على حسابهم. بالنسبة الى المغرب العربي فقد سعى حمود لإعطائه حيزاً من بحثه برغم ندرة المصادر، فكان التركيز على الجزائر وليبيا، مع اطلالة سريعة على التجربة التونسية والمغربية. اما الخليج وبرغم علاقته الحديثة مع فن الكاريكاتور، الا ان جذوره تمتد الى حقبة الخمسينيات، وأنضج المراحل تلك التي شهدتها الكويت، حيث جرى التركيز على رواد فن الكاريكاتور في صحفها التي حظيت بحرية نسبية اذا ما قورنت بجاراتها.
البورتريه تحت عنوان "البورتريه" خصص عبد الحليم حمود مساحة وافية للفنانين العرب الذين برعوا في هذا المضمار ملتحقين بركب الموجة العالمية التي لم يؤثر التحاقهم المؤخر فيها على نجاحهم في هذا المضمار، ويعزز ذلك نيلهم عدة جوائز عالمية كبرى مع جورج البهجوري.. ولم يغفل الكاتب الحضور المتوقد لشريف عيش، مصطفى حسين، حسن إدلبي، فارس قرة بيت وعلي المندلاوي.
اصدارات على عكس ما يظن البعض ويبالغ في ترداده بأن المكتبة الكاريكاتورية العربية لم تعرف سوى اصدارات نادرة، ضمّن حمود مؤلفه أكثر من مئة عنوان لكرّاس كاريكاتوري مع تحديد سنة الصدور واسم الناشر. ويخلص في نهاية بحثه بمقارنة اصداراتنا العربية مع ما تنتجه المطابع الغربية، الى نتيجة مخجلة على مستوى الكم والنوع.. فأحد الفنانين الغربيين أصدر كتاباً في 11 لغة بيع منه ملايين النسخ.
الرموز بعد قراءة في الكاريكاتور التلفزيوني ونشأته وإيضاح جدلية الكاريكاتور والكمبيوتر، توقف حمود عند عنوان الرموز الكاريكاتورية. فتوقف عند رحلة حنظلة مع ناجي العلي، والغراب مع محمود كحيل، وأبو خليل مع دار الصياد، والمصري أفندي مع صاروفان، ومهمان مع العربي الصبان، وغيرها من الشخصيات النمطية التي عرفتها الساحة الكاريكاتورية العربية. يبقى القول ان "الكاريكاتور العربي والعالمي" لعبد الحليم حمود محاولة جريئة تمكن صاحبها من لملمة شتات المعلومات المتوافرة ورصها في بنيان شكل الحجر الأساس في صرح التاريخ الكاريكاتوري المنشود، عسى ان يأتي من يكمل هذا المسار التاريخي للحالة الكاريكاتورية العربية، ويضيف الى المكتبة العربية تنوعاً في هذا الحقل البكر الذي لم تطأه أقلام الباحثين والشغوفين في هذا الفن الساخر المشاكس. حسن نعيم |