بدت المعركة في محافظة جبل لبنان على أشدها في اليومين الأخيرين
بين جميع الأطراف المتنافسة، وأخذت منحى سلبياً في بعض المناطق، لا سيما في
منطقة الشويفات التي شهدت إشكالات أمنية بين الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب
الديمقراطي اللبناني بزعامة الوزير طلال أرسلان.
وبغض النظر عن الأسباب المباشرة للإشكال، حيث ان كل طرف حمّل
المسؤولية للطرف الآخر، إلا أن هذا الحادث يشير الى مدى تأزم الوضع في الشويفات
ذاتها وإمكانية انسحابه إلى العديد من البلدات في الجبل، لا سيما بين أنصار
جنبلاط وأنصار أرسلان.
وإذا كانت الأمور تتجه إلى التهدئة بين الطرفين بعد تدخل أطراف
داخلية وإقليمية، وإدراك الطرفين ضرورة تطويق التأزم, إلا أن الاحتقان الذي
تفجر بهذا الشكل ناتج بالطبع عن عدد من المعطيات المباشرة لكلا الطرفين، أبرزها
إعلان النائب وليد جنبلاط أن الشويفات قلعة من قلاع الحزب التقدمي الاشتراكي،
في إشارة واضحة إلى أهمية هذه المنطقة بالنسبة اليه، وأنه غير مستعد لتكرار
تجربة الانتخابات الماضية، إذ انسحب الحزب التقدمي الاشتراكي من المنافسة.
والنقطة الثانية اعتبار جنبلاط أن الشويفات ليست حكراً على أحد،
في إشارة إلى الوزير طلال أرسلان.
ويضاف إلى ذلك ـ بحسب مصادر مراقبة ـ أن جنبلاط يعتبر
الاستحقاق البلدي بداية العودة إلى المنطقة التي كانت إبان الحرب الأهلية
معقلاً من معاقله الأساسية، خصوصاً أن للشويفات موقعها الجغرافي المميز،
ولكونها كبرى بلدات قضاء عاليه، وبالتالي يعتبر أن إعادة ترتيب البيت الدرزي
ستبدأ من الشويفات.
وتضيف المصادر المراقبة: في الجهة المقابلة فإن أرسلان يعتبر
المنطقة من أهم المعاقل بالنسبة اليه، خاصة بعد خسارته عدة مواقع نفوذ في
الجبل, وبالتالي فإنه يرى في إصرار جنبلاط على التدخل في الشويفات خطراً عليه
ودخولاً في المحظور، خصوصاً أن أرسلان يتهم جنبلاط برفضه الدخول في توافق معه
في إطار مسعى كان يقوده الحزب السوري القومي الاجتماعي، على غرار التوافق الذي
حصل في انتخابات العام 98.
وبالعودة إلى الانتخابات البلدية الماضية، فإن التحالف بين
أرسلان وجنبلاط في الشويفات أملته ظروف خاصة، أولها رغبة سورية في عدم استئثار
جنبلاط بكل المواقع الدرزية في إطار رسم حدود الزعامة داخل الطائفة الدرزية،
بعد التوتر التي شهدته العلاقة بينهما في ذلك الوقت، إضافة إلى أن جنبلاط نفسه
ومن باب إقفال ملف مقتل مدير مكتب أرسلان أكرم عربيد على يد أحد محازبي الحزب
التقدمي الاشتراكي في الشويفات، دخل في التحالف مع أرسلان.
وبالتالي فإن النتائج التي أظهرتها الانتخابات الماضية بحسب
مقربين من الحزب التقدمي الاشتراكي، ليست نتائج تمثيلية بقدر ما هي نتائج
سياسية أفضى إليها التوافق الذي أعطى النصر مسبقاً لأرسلان.
وأمام تبدل الوقائع على الأرض اليوم، فإن المعركة تفرض تحالفات
من نوع آخر، حيث اضطر الطرفان للعودة إلى العائلات المسلمة والمسيحية في هذه
المنطقة على حد سواء لكسب تأييدها، في إطار سعي كل طرف لكسب أكبر قدر ممكن من
الأصوات لإظهار قوته في هذه المنطقة وتثبيت زعامته عليها، لا سيما أنها تمثل
لكل منهما منطقة مهمة، الأمر الذي أدى إلى تشرذم كل العائلات بين مؤيد لهذا
الطرف أو ذاك.
ويرى بعض المراقبين أن المعركة ستكون معركة كسر عظم لا مجال
فيها للتهاون، خصوصاً أن التنافس الحاد على أشده، وهو دخل إلى كل عائلة، وحتى
إلى كل بيت، ما يشير إلى أهمية وخطورة المعركة في آن واحد على مستقبل العلاقات
بين أهالي الشويفات، وعلى مستقبل الخلاف الجنبلاطي الأرسلاني وسبل التعاون في
ما بينهما بعد الانتهاء من الانتخابات، لا سيما إذا ما أفرزت هذه الانتخابات
مجلساً بلدياً مطعماً بأعضاء من قبل الطرفين.
وأمام هذا التوتر، تبقي أوساط الطرفين عينها على الموضوع، في
وقت أظهرت حرصها على ضرورة مراعاته باعتباره خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه أو
التساهل حياله، مع الإصرار على خوض معركة قد تكون شديدة الحماوة.
عاليه والجبل
أما في عاليه حيث مركز القضاء، فإن الأمور تتجه إلى ما يشبه
التزكية بعد الاجتماع على لائحة واحدة يرأسها رئيس البلدية الحالية التي يدعمها
الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي
ويواجهها بعض المرشحين المنفردين، وبذلك تكون عاليه وإن لم تصل إلى حد التزكية
المطلقة، قد خرجت من دائرة المعركة.
أما بالنسبة الى معظم باقي مناطق الجبل، فإن التحالفات قد
اكتملت بين الأحزاب، لا سيما التقدمي والقومي وشخصيات سياسية مسيحية متحالفة مع
جنبلاط من جهة والعائلات من جهة أخرى، مع غياب أي مظهر من مظاهر التنافس الحاد
في هذه البلدات.
مروان عبد الساتر