معركة المتن وكسروان الانتخابية:
تشظّي المعارضة المسيحية وتضييع الفرصة


لم تكن الأنباء التي تحدثت عن تمزيق لافتات وصور انتخابية في جونية قبل خمسة أيام من موعد توجه الناخبين الى صناديق الاقتراع، ما أدى الى احتقان سياسي في عاصمة كسروان، المؤشر الوحيد على تشرذم قوى المعارضة المسيحية، وعجزها عن توحيد قواها لخوض استحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في مناطق الجبل بلوائح ائتلافية.

فالتطورات التي برزت خلال الأسابيع الثلاثة المنصرمة، أظهرت تبدد كل الجهود التي بذلت على غير صعيد لجعل هذه المعارضة تخوض الاستحقاق ضمن إطار موحد، او على أساس برنامج واحد.

وحسب اوساط مسيحية معارضة، فإن العائق الأول أمام هذا التوجه كان العماد ميشال عون، الذي وإن أبدى في بداية الأمر، مرونة، فإنه آنس من نفسه قوة دفعته لاحقاً الى أمرين أساسيين، طبعا سلوكه السياسي وأداءه الانتخابي.

ـ أنه يريد إظهار حجم حضوره في الوسط المسيحي كزعيم غير منافس.

ـ وانطلاقاً من ذلك فهو لن يسمح بأن يكون حضور تياره، مطية للآخرين، لكي يحملهم الى الفوز، في معركة طابعها إنمائي ولكن حصيلتها سياسية بامتياز.

وعليه، فإن هذه النظرة "الاستعلائية" وهذه الرغبة، المتأتية بالأصل، من اعتقاد راسخ لدى عون بأنه يريد فرض نفسه كقوة أساسية في الشارع المسيحي، أفضتا الى إحباط الكثير من محاولات الائتلاف، وأسفرتا في النهاية عن ظهور لوائح متعددة في كل مدن الجبل وبلداته.

 

سياسة التخوين

وفي إمكان العماد عون القول انه نجح في إقامة تحالفات مع العديد من القوى المعارضة في العديد من البلدات والمدن، كما في إمكانه القول بأن له مرشحين، منفردين، او في لوائح في كل مناطق الجبل، ولكن المناخات السياسية التي سبقت موعد المعركة، وبالتحديد سياسة "التخوين" التي مارسها العماد عون مع قوى المعارضة ورموزها، ستساهم كلها في إيصال الأمور الى حصيلة تكاد تكون شبه ثابتة قبل صدور النتائج، وهي أن تيار العماد لن يكون بإمكانه الادعاء بأنه حقق نتائج كاسحة وحاسمة، كأن تنجح اللائحة التي يدعمها في أي بلدية، بكامل أعضائها، فالمتوقع أن يكون العماد عون وتياره فائزين، ولكن على شكل أفراد.

وإذا ما صحت هذه التوقعات، وهي الاقرب للواقع، فإنه لن يكون بإمكان العماد عون أن يعلن من مكان إقامته في باريس أنه القوة الأساسية المحركة للشارع المسيحي، أو الحاضر الأكبر في هذا الشارع. ومما يزيد في عبء التحدي على العماد عون أنه يخوض الاستحقاق البلدي من هذا المنطلق، وليس من سواه.

 

عدم الغياب

وواقع الحال يختلف بالنسبة للتيار الثاني في الساحة المسيحية المعارضة، فـ"القوات اللبنانية" ولجت الى الميدان بطموحات أقل، وبارتباك أكبر، فالمعلوم أن السيدة ستريدا جعجع، تلقت في "لقاء قرنة شهوان" سيلاً من الاتهامات، فحواها أنها تنسج من تحت الطاولة علاقات مع السلطة والأجهزة، ووصل الأمر في بعض المراحل الى حد اتهامها بأنها قد أقامت فعلاً اتفاقاً مبدئياً مع السلطة يتصل بمستقبل زوجها سمير جعجع المعتقل في سجن اليرزة منذ عشرة أعوام.

وفي ظل هذه الأجواء انطلقت "القوات" تخوض معركة الانتخابات من دومن خطة عامة، ثابتة تحدد التحالفات والجهات التي يمكن مد اليد إليها، فكانت "القوات" متحالفة في جونية مثلاً مع جهات وفي جبيل مع جهات أخرى وكذلك في المتن. وفي المحصلة النهائية بدا واضحاً أن تيار "القوات" بدا تابعاً وليس محوراً لأي تحالف، ولم يستطع على سبيل المثال أن يشكل لائحة يسميها عليه في أي بلدة.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، فإن ثمة في المعارضة المسيحية من يرى بأن "القوات" لم تخض هذا الاستحقاق من موقع الراغب بإظهار حجم حضوره الكاسح، بقدر ما كان إثبات عدم غيابه عن المعادلة المسيحية.

 

تداخل السياسي بالعائلي

ولئن كان للانتخابات البلدية والاختيارية في قضاءي كسروان وجبيل طابع خاص يتداخل فيه العائلي مع السياسي، ويضمحل فيه الكلام عن منافسات بين المعارضة والموالين، وبالتالي لن تكون النتيجة في كلا القضاءين، انتصاراً ساحقاً لأي فريق، يستطيع المباهاة به، فإن الأمر مختلف في المتن الشمالي، حيث تتضح الحدود بين قوى المعارضة وخصمها الأساسي النائب ميشال المر، وخصوصاً أن للصراع بينهما جذوراً تعود الى زمن الانتخابات الفرعية في المنطقة قبل نحو عامين.

وحسب المعلومات المتوافرة، فإن المعارضة التي عجزت عن منافسة المر في بتغرين، وآثرت الانسحاب من المعركة سلفاً، تواجه صعوبات كبرى في بلدات المنطقة الجبلية، وتحاول جاهدة التعويض في الساحل الممتد من الدورة حتى نهر الكلب.

ووفق المعلومات نفسها فإن المعارضة آثرت عدم خوض المعركة في بلدات لا يستهان بها مثل الفنار والعيون وبيت شباب والغابة ومجدل ترشيش وكفرعتاب وكفرتية والرابية، إضافة الى برج حمود في الساحل، ما يعني في الحسابات الانتخابية أن الفوز الكاسح في بلديات هذه القرى سيكون مضموناً للوائح المدعومة من النائب المر.

ويبقى الصراع مركزاً في بلديات الجديدة، وجل الديب والزلقا وسن الفيل وبسكنتا والضبية. وفي هذه البلدات يبدو واضحاً ان القوى المعارضة تجاوزت خلافاتها وصراعاتها في المناطق الأخرى، لتحاول خوض معركة موحدة ضد حضور النائب المر. وعليه فإن في هذه البلدات لوائح مدعومة من تيار العماد عون والقاعدة الكتائبية برئاسة الرئيس أمين الجميل و"القوات اللبنانية" وحزب الوطنيين الأحرار بزعامة دوري شمعون.

وحسب المعلومات المستقاة من أكثر من مرجع فإن تحالف هذه القوى يشوبه الكثير من الصعوبات، وأن كل القوى تشتكي من شروط التيار العوني، ومن "تقاعس" التيار الكتائبي المحسوب على الرئيس الجميل لدرجة أن ثمة من أعرب عن خشيته من وجود "قطبة خفية" بين الرئيس الجميل والنائب المر.

 

انعدام ثقة

بهذا الجو من انعدام الثقة بين قواها وضمن حسابات ضيقة لكل فريق من أفرقائها، تدخل المعارضة المسيحية معركة المتن الساحلي، وطموحها الأقصى إحداث خرق هنا أو الفوز ببلدية هناك. وفي المحصلة المتوقعة سلفاً، بناءً على كل هذه المعطيات، فإن تيار النائب المر سينجح في تحقيق فوز معتبر في أكثر من 80 في المئة من بلديات المتن، وهي نسبة توازي ما حققه في انتخابات عام 1998.

وقد نقل متصلون بالسيد غبريال المر قبل أسابيع عنه أن المعارضة وجدت صعوبة كبرى منذ البداية، إذ عجزت عن إيجاد رموز وشخصيات تتعاون معها لتشكيل لوائح معارضة.

والغائب الأكبر عن مشهد المعارضة المسيحية كان النائب فارس سعيد، الذي بدا قبل نحو شهر ونصف الشهر أنه سيكون "عرّاب" المعارضة في المعركة الانتخابية، وكان أكثر أعضاء لقاء قرنة شهوان حماسة لخوض هذه المعركة من منطلق سياسي، وعليه كان أول الذاهبين الى باريس لإقناع العماد عون بالتحالف الحاسم مع المعارضين في هذه المعركة انطلاقاً من اعتبارها معركة للمعارضة وليست معركة أحجام وحسابات ضيقة، وعاد من هناك يبشر بنتائج إيجابية، وبفوز كاسح للمعارضة، ولكنه كان اول ضحايا انفكاك المعارضة وتشظيها، وبالتحديد في مدينة جبيل، إذ بدا عاجزاً عن تشكيل لائحة يكون هو قطبها الأساسي، فانكفأ من يومها عن الصورة، ملاحقاً من قوى المعارضة بشبهة نسج علاقة تحالفية مع الرئيس رفيق الحريري.

ومهما يكن فإن ثمة في المعارضة المسيحية من يجاهر بالقول بأن هذه المعارضة قد ضيّعت فرصة كبرى لإثبات حضورها، ما أراح السلطة ومسيحييها.

إبراهيم صالح