بعد المصالح الأجنبية.. المصالح الرسمية في دائرة الاستهداف:
لغة الاستئصال تتفرد بالساحة السعودية


دخلت المواجهة بين السلطات السعودية والمجموعات الاسلامية الناشطة في المملكة مرحلة جديدة بعد الهجوم الذي استهدف مقراً في الرياض يضم عدداً من المؤسسات الأمنية الرسمية، بينها مقر قيادة قوات الطوارئ ومكافحة الارهاب التابعة لوزارة الداخلية.

الحدث بذاته ليس جديداً من الناحية الميدانية، باعتبار  أنه يندرج في سياق الاحداث التي يمكن اعتبار انها أصبحت تقليدية منذ قررت تلك المجموعات القيام بهجمات كهذه على أرض المملكة، وكانت فاتحتها في أيار/ مايو عام ألفين وثلاثة.. إنما التطور البارز الذي استرعى الاهتمام كونه يعد تحولاً نوعياً في مسار المواجهة، هو استهدافه مقراً رسمياً سعودياً للمرة الاولى.

فالحرب التي أطلقها من باتوا يسمون في المملكة بالمطاردين والمطلوبين والارهابيين، كانت تستهدف أولاً المصالح الأجنبية في السعودية لإخراج "القوات الكافرة" من أرض الحجاز، وعلى رأس هؤلاء القوات الاميركية، وما هنالك من مصالح متنوعة للولايات المتحدة يمكن ان يؤدي ضربها الى تقليص النفوذ الاميركي في المنطقة تمهيداً لإقصائه كلياً، لكن تفجير سيارة مفخخة في المقر آنف الذكر وفي عملية انتحارية أيضاً، يظهر ان هناك تغييراً جوهرياً في استراتيجية هذه الجماعات، بحيث انها باتت تضع الاهداف الرسمية للنظام الحالي الى جانب الاهداف الأجنبية على حد سواء، مع ما يعنيه ذلك من تحول في الخطاب الذي تبرر به هذه المجموعات هجماتها من الناحية الفكرية، لجهة "استحلال دم" العنصر الأمني السعودي كما هو معمول به بالنسبة الى العنصر الأجنبي الغربي.

اذاً ما تقدم يعني ان هناك قطيعة نهائية لا عودة عنها بين الخصمين اللدودين لجهة تصميم كل واحد على اجتثاث الآخر واستئصاله مستبعداً أي خيار ثانٍ، وهما يستخدمان مصطلحاً واحداً في هذا السياق، هو انه "لا حل الا بالسيف"، ناسفين  بالتالي اي فرصة او حتى اي احتمال لإطلاق حوار يمكن ان يجنب المملكة مبكراً ما شهدته دول اسلامية أخرى كالجزائر مثلاً، التي عانت مواجهة دامية بين النظام والجماعات الاسلامية كلفت مئات آلاف القتلى والجرحى قبل ان يعود الجانبان الى "الوئام المدني" والمصالحة.

طبعاً هناك فوارق عدة مهمة بين الحالتين الجزائرية والسعودية، تماماً كما ان هنالك قواسم مشتركة. لكن يبدو ان خيار العنف هو الأمضى، وليس له من بديل، وهو انعكس في اللغة المتداولة بين الجانبين: السلطات الرسمية تصنف من تلاحقهم "بالفئة الضالة المجرمة"، وهذه الاخيرة ترى في النظام الحالي "طواغيت ومجرمين مرتدين"، كما هو وارد في بيان "كتائب الحرمين في جزيرة العرب"، التي تبنت اعتداء الرياض الذي أوقع خمسة قتلى بينهم عقيد في الشرطة، ومئة وخمسة وأربعين جريحاً. والعبارات الواردة في بيان "كتائب الحرمين" لا تدع مجالاً للشك في أن الأمور متجهة نحو مزيد من التصعيد والهجمات بعدما حسمت خيارها في تشريع استهداف المصالح السعودية الرسمية.

ولعل قيادة المملكة أدركت معنى وضعها في دائرة الاستهداف، فسارعت على أعلى المستويات الى النزول مباشرة على الأرض عبر عيادة الجرحى في المستشفيات وتفقد مكان الانفجار وإطلاق التهديدات الجازمة باستئصال هذه الفئة ـ ولي العهد ـ وهو ما لم يكن يحصل في السابق، حيث كانت الزيارات تقتصر على مسؤولين من رتب أدنى، بحكم ان المستهدف كان مصالح أجنبية.

لكن هذا التحول في أداء الجماعات الاسلامية سينعكس تحولاً في موقف الرأي العام السعودي لمصلحة النظام وليس المطاردين من ناحية أولية، فإذا كان الغموض يكتنف بنية هذه المجموعات وحجمها العسكري وقدراتها الميدانية ومدى تعاطف السعوديين معها، فإن البدء بشن هجمات ضد مصالح وطنية له حساب آخر مختلف. وإذا كانت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وانحيازها المطلق لـ"اسرائيل" واحتلالها العراق وعبثها بمقدرات المنطقة تشكل عنصراً رئيسياً في موقف الرأي العام العربي والاسلامي، ومنهم السعوديون، لجهة كراهية هذه السياسة ومناهضتها، وبالتالي التعاطف مع مهاجمة المصالح الاميركية ومن يقومون بها، أو على الأقل الوقوف موقف الحياد لدى البعض الآخر، فيما بالتأكيد هناك معارضون لذلك، فإن مهاجمة مصالح سعودية وتعريض حياة المواطنين للخطر سيؤدي الى اعادة النظر في توزيع المواقف وحجم التعاطف او الحياد او الرفض لمصلحة الأخير، أي الرفض، لأنه ليس هناك من الناحية المبدئية لدى الكثيرين من السعوديين اي مبرر لمثل تلك الهجمات التي تستهدف المنشآت الحكومية، وهي بعيدة عن الهدف الرئيسي الذي أطلقته تلك الجماعات، وهو إخراج الأميركيين وحلفائهم من الجزيرة العربية.

لكن هذا الرأي قد لا يصل الى حد القطيعة، لأن هناك عدم وضوح في حجم تأييد الرأي العام السعودي لخيار الاستئصال الذي اعتمدته السلطة، وما يستتبعه من قسوة في التعامل مع هؤلاء المطاردين، وما اذا كان السعوديون يرون بشكل عام ان هناك طريقاً أفضل للتعامل مع هذه الفئة تجنب المملكة المزيد من الدماء، خصوصاً انها تتعرض لهجمة أميركية تتهمها بالتقصير في "مكافحة الارهاب"، وفي بعض الأحيان تحملها المسؤولية.

وبرغم ان البعض يرى ان الهجمات التي تتعرض لها السعودية يمكن ان تخفف من وطأة الاتهامات الأميركية، فإن وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل حذر نيويورك ـ بعد هجوم الرياض أيضاً ـ من ان العلاقات السعودية الاميركية قد تتأثر سلباً وبشكل جدي نتيجة هذه الاتهامات، محذراً من ان "الانسجام في علاقتنا الطويلة والمثمرة مهدد، ما يعني ان كل ما يحصل لم يؤثر على الهجمة على بلاده وتحميل "نظامها الاجتماعي والسياسي مسؤولية تغذية الارهاب والتطرف". لكن هذا التوصيف قد لا يساعده ما كشفه الصحافي الاميركي الشهير "بوب وودوارد" في كتابه الحديث "خطة الهجوم"، من ان بوش أبلغ السلطات السعودية بقراره اجتياح العراق قبل وزير خارجيته"، وأن "السعودية وعدت بوش بزيادة إنتاج النفط لخفض أسعاره وإعطاء دفع قوي للاقتصاد الاميركي قبل الانتخابات الرئاسية في الثاني من تشرين الثاني المقبل".

وربما تستخدم الجماعات الاسلامية هذه المعطيات وتوظف ما تسميه التواطؤ السعودي ـ الاميركي، برغم ما يحكى من توتر وخلافات في الزيادة على تبريراتها بشأن البدء بمهاجمة الاهداف السعودية الرسمية.

على أي حال فإن "السعودية الجديدة" ـ اذا صح التعبير ـ فقدت استقرارها ـ ولو موقتاً ـ الذي تتميز به أنظمة الخليج بشكل عام، وباتت التهديدات الأمنية اليومية أمراً واقعاً، وهي انتقلت من المطاردات والاشتباكات الى التفجيرات، بحيث يمكن القول ان اي منشأة عامة يمكن ان تتعرض للهجوم بعد اعتداء الرياض. ولعل الأمر الملكي الذي صدر بمنح علاوة للعناصر الأمنية من مختلف القطاعات التي تشارك في مطاردة المطلوبين، يعكس مستوى القلق الذي يسود الأوساط العليا في البلاد من حجم خطر هذه المجموعات التي لا يمكن اختصارها بلائحة من ستة وعشرين مطلوباً، قُتل او استسلم ثمانية منهم، بينهم مسؤول القاعدة في الخليج خالد علي بن علي الحاج، فيما لا يزال خليفته المفترض عبد العزيز بن المقرن فاراً، انما ما تشهده المملكة من تنقل في المواجهة لتشمل مختلف مناطقها وآخرها جدة ـ حيث قُتل أربعة من أشهر المطلوبين ـ يشير الى مهمة ليست سهلة على السلطات السعودية، خصوصاً ان الأحداث الأخيرة جرت برغم الاجراءات الأمنية المكثفة وحالة التأهب العليا لدى الأجهزة المختصة، وبرغم المطاردات.

عبد الحسين شبيب