|
"لا" يونانية تفشل خطة أنان في قبرص |
|
حسب النتائج الرسمية, فإن الاستفتاء المضاعف حول توحيد
جزيرة قبرص انتهى من دون مفاجأة. فقد رفض غالبية الناخبين في الشطر الجنوبي
(اليوناني) من الجزيرة الخطة التاريخية للأمم المتحدة بنسبة 75,8%، فيما
أيدها غالبية الناخبين في الشطر الشمالي (التركي) بنسبة 64،9%.
ويعني رفض خطة توحيد قبرص من قبل الشطر الجنوبي للجزيرة, أن القبارصة اليونانيين هم الذين سينضمون إلى الاتحاد الأوروبي في 1 أيار/ مايو 2004. فقد رمى معارضو الخطة بكل ثقلهم وإمكاناتهم على خلفية الرغبة ليس فقط في حسم نتائج الاستفتاء، وإنما في الطي النهائي لصفحة الخطة الدولية المطروحة, معتبرين أن رفع نسبة الـ"لا" الى ما فوق 70 في المئة يضمن توجيه ضربة قاصمة الى مؤيدي التسوية، ويقفل الملف بالشكل الذي طرح فيه نهائياً. في المقابل فإن مؤيدي الخطة رموا بكل ثقلهم في محاولة للخروج من الاستفتاء بخسارة مشرفة تترجمها نسبة من المقترعين بـ"نعم" تقارب 40 في المئة, وتسمح لهم بالمضي قدماً في معركتهم لإبقاء الخطة الدولية مشروعا قابلاً للتداول في المستقبل. وإذا انضم الجزء الجنوبي من قبرص ـ موطن القبارصة اليونانيين ـ إلى الاتحاد الأوروبي, تكون اليونان قد كسبت معركة دبلوماسية كبيرة في مواجهة تركيا، إذ سوف يحظى الجزء الجنوبي من قبرص بشرعية دولية واسعة النطاق تجعل من هذا الجزء من قبرص بمنزلة الدولة التي تحظى باعتراف المجتمع الدولي، في حين سوف يكون الجزء الشمالي في وضع أقرب ما يكون إلى إقليم انفصالي فيه حركة تمرد. وقد جدد رئيس القبارصة اليونانيين بابادوبولوس تمسكه في كلمة ألقاها في لقاء مع الصحافيين في القصر الجمهوري في نيقوسيا بعيد تسلمه النتائج الرسمية للاستفتاء, بتسوية مع القبارصة الأتراك، لكنه حذر من أنها "لم تعد سهلة" بعد نتائج الاستفتاء التي عبرت عن رفض القبارصة اليونانيين لخطة الأمم المتحدة. وبعد اعلان النتائج أعلنت الأمم المتحدة أنها ستغلق مكتب مبعوثها الخاص الى قبرص ألفارو دي سوتو، الذي قال: "سأقوم بزيارات وداعية في بداية الأسبوع". وفي أنقرة أسف وزير الخارجية التركي عبد الله غول لفشل الجهود الدولية الآيلة الى توحيد الجزيرة. وقال: "لقد صُدمنا بهذه النتائج، وكنا نريد بالفعل حلاً للنزاع". وطالب الاتحاد الأوروبي خصوصاً بالعمل على رفع العقوبات الدولية المفروضة على "جمهورية شمال قبرص التركية", معتبراً أنها "أثبتت رغبتها في التوصل الى تسوية" للمسألة القبرصية عندما صوّت سكانها بـ"نعم" لمصلحة خطة أنان. وأضاف: "العالم بأكمله شاهد اليوم من هو الطرف الذي لا يريد حلاً" لقبرص. وفي أثينا صرح الناطق باسم الحكومة اليونانية ثيودوريس روسوبولوس أن اليونان "ستعمل على إبقاء البحث عن تسوية نهائية لمشكلة تقسيم قبرص مفتوحاً بالتنسيق مع الحكومة القبرصية". وفي بروكسيل عبرت الرئاسة الإيرلندية للاتحاد الأوروبي عن "الأسف" لرفض القبارصة اليونانيين خطة توحيد الجزيرة. وقال رئيس الوزراء الإيرلندي بيرتي أهيرن: "نأسف لعدم تمكن قبرص موحدة من الدخول الى الاتحاد الأوروبي في الأول من أيار المقبل كما كنا نأمل". وأضاف: ان وزراء الخارجية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي سيبحثون الاثنين في لوكسمبور في فشل خطة عنان. وكانت المفوضية الأوروبية قد "أعربت عن الأسف الشديد" لسقوط الخطة. مخطط الأمم المتحدة كان يتكون من 9000 صفحة, ويطمح لوضع حد لتقسيم جزيرة قبرص الذي حصل في عام 1974 بين القبارصة الأتراك في الشمال والقبارصة اليونانيين في الجنوب. وينص على تحديد جمهورية موحدة لقبرص مؤسسة على طريقة النظام الفيدرالي, مع وجود دولتين متساويتين سياسياً, واحدة قبرصية يونانية, والثانية قبرصية تركية. وجاءت نتيجة الاستفتاء لتؤكد أن الجزيرة ستبقى مقسمة على الرغم من الجهود الدولية التي بُذلت في سبيل تسوية قضية يعود عهدها إلى ثلاثين سنة مضت. تبلغ مساحة جزيرة قبرص 9250 كيلومتراً مربعاً، وتقع على بعد 65 كم فقط جنوب ساحل هضبة الأناضول في تركيا. كما تقع الجزيرة على بوابة العالم العربي في شرق البحر الأبيض المتوسط, إذ تبعد 100 كم عن الساحل السوري, وهي بذلك تقع داخل المجال الجيو ـ استراتيجي لكل من سوريا ولبنان. وهي لكل هذه المعطيات الجيو ـ استراتيجية اعتبرها البريطانيون مفتاح السيطرة الجوية على الشرق الأوسط, إذ تعتبر جزيرة قبرص حاملة طائرات عملاقة راسية في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولبريطانيا قاعدتان عسكريتان في الشرق والجنوب هما: قاعدة ديكليكا وإكروتيري. وقاعدة الجنوب فيها محطة تنصت متطورة. وكانت جزيرة قبرص استقلت عن بريطانيا عام 1960, بيد أنها ظلت منقسمة على نفسها تشهد صراعاً سياسياً وعقائدياً مريراً بين القبارصة اليونانيين الأرثوذكس الذين يمثلون 78% من عدد سكان الجزيرة البالغ عددهم 700.000 نسمة ويقطنون جنوب الجزيرة المزدهر اقتصادياً, والقبارصة الأتراك المسلمين الذين يقيمون في شمال الجزيرة على مساحة تعادل فقط 38% من إجمالي مساحة الجزيرة. وتعتبر تركيا واليونان القوتين الإقليميتين الضالعتين في الصراع القبرصي الداخلي, برغم أنهما تنتميان إلى منظمة حلف شمال الأطلسي "الناتو". وفيما تتمتع تركيا بتفوق عسكري ملحوظ ظهر في عملية الغزو العسكري للجزيرة القبرصية في آب/ أغسطس عام 1974 واقتطاع 37% من أراضي شمال الجزيرة ومنحها لرؤوف دنكطاش, تتمتع اليونان بالمقابل بنفوذ سياسي على الساحة الأوروبية, إذ نجحت الدبلوماسية اليونانية في تمهيد الطريق أمام انضمام الشطر الجنوبي من قبرص إلى الاتحاد الأوروبي في بداية أيار/ مايو المقبل. وتتمتع القوى الدولية بنفوذ قوي داخل الجزيرة، فبريطانيا كانت على الدوام تؤيد القبارصة اليونانيين, واعتبرت الجزيرة جزءاً من اليونان، لدرجة أنه يزور الجزيرة سنوياً قرابة مليوني سائح بريطاني يحققون دخلاً للجزيرة في فترة الرواج السياحي يبلغ 1.5 مليار دولار. كما ان نصف مليون قبرصي يوناني يقيمون في بريطانيا ويرسلون بمدّخراتهم إلى الجزيرة. أما الولايات المتحدة الأميركية فتنظر إلى الجزيرة من منظور مصالحها الاستراتيجية العسكرية الكونية والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط. كما تتمتع روسيا بنفوذ في قبرص، نظراً للروابط التاريخية القائمة بين الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والقبرصية والكنيسة الأرثوذكسية الروسية. ويدخل "الفيتو" الذي استخدمته روسيا يوم الأربعاء الماضي في مجلس الأمن لإحباط مشروع قرار أميركي ـ بريطاني حول قبرص في هذا السياق, إذ إن مصلحة روسيا تكمن في أن تكون السيادة في قبرص للقبارصة اليونانيين، لأن التغلغل الروسي في هذه المنطقة من شرق البحر الأبيض المتوسط على بوابة الشرق الأوسط لا يزال هدفاً يسعى إليه الكرملين منذ أن استغاث الأسقف مكاريوس بالاتحاد السوفياتي عام 1974، حين التزمت الولايات المتحدة الأميركية الصمت إزاء الغزو التركي للجزيرة.. وقد زوّدت روسيا نيقوسيا ببطاريات صواريخ في عام 1994. توفيق المديني |