أكثر من مليار بشري يعانون من الفقر "المطلق"!


تمهيداً لقمة البلدان الصناعية السبعة التي ستنعقد في جورجيا في حزيران/ يونيو القادم، التقى وزراء مالية هذه البلدان في واشنطن يومي الجمعة والسبت 23 و24 نيسان/ أبريل مع نظرائهم من وزراء اثني عشر بلداً من بين الأكثر تقدماً في العالم كروسيا والصين والهند. ومع اختتام اللقاء، بدأ في واشنطن أيضاً اللقاء السنوي لممثلين عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

 

دارت الأبحاث في الاجتماع الأول حول التنمية ووسائل تطويرها إضافة إلى تنسيق التعاون الدولي ضد مصادر تمويل "الإرهاب" مع إصدار بيان مشترك ركز على خطورة الإرهاب وعلى عدم إمكانية تجاهل المآسي التي يتسبب بها، وذلك في إشارة إلى تفجيرات مدريد والرياض.

وكان وزير المالية الأميركي جون سنو أبرز المتحدثين حيث ركز على مشروع إدارة الرئيس بوش القاضي بإنقاص عجز الموازنة الأميركية إلى النصف في غضون خمس سنوات، وكذلك إلى قيام الرئيس بوش بخفض الضرائب على الأميركيين معتبراً أن هذين الإجراءين قد لعبا دوراً أساسياً في إطلاق الاقتصاد العالمي خلال السنة الحالية. أما لقاءات صندوق النقد والبنك الدولي فكانت مناسبة للنظر في وضع الاقتصاد العالمي حيث أنذر الصندوق بأن توقعاته حول تحقيق معدلات نمو في العالم بنسبة 4،6 في المئة تظل عرضة للتهديد المتمثل بارتفاع أسعار النفط بنسبة 0،3 في المئة لكل خمسة دولارات، من جهة، وبالمخاطر الجيوسياسية المرتبطة بتدهور الأوضاع في العراق من جهة ثانية.

 

ولكي لا يخرج تقرير المؤسستين الماليتين العالميتين بنتائج سلبية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العالم، جرى التركيز على ما سمي بتراجع معدلات الفقر في السنوات الأخيرة، مع الاعتراف بأن عدد الفقراء قد ازداد بنسبة مئة في المئة في إفريقيا ما تحت الصحراوية. ولفت التقرير إلى الأثر السلبي لمرض الأيدز على النشاط الاقتصادي في إفريقيا مشيراً إلى أن 70 في المئة من الستين مليوناً من حاملي الفيروس في العالم يعيشون في إفريقيا ما تحت الصحراوية، حيث أدى تقدم الوباء إلى تراجع معدلات الأعمار من 48 عاماً، عام 81، إلى 46 عاماً، عام 2002. والحقيقة أن طريقة عرض هذه الأرقام لا تعكس الصورة الحقيقية للواقع المتمثل بكون نسب متزايدة من السكان، تصل أحياناً إلى 70 في المئة قد أصبحت فريسة للمرض وللموت في ظل امتناع شركات الأدوية الأميركية والأوروبية عن السماح لبلدان العالم الثالث بإنتاج الأدوية بذريعة حماية منظمة التجارة العالمية للملكية الفكرية.

  وبخصوص تراجع الفقر، ذكّر تقرير البنك الدولي بالإنجاز المتمثل بتناقص عدد الأشخاص الذين يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً من 1،5 مليار نسمة، عام 1981، إلى 1،1 مليار نسمة عام 2004. ونوّه التقرير بوجه خاص بالتقدم الحاصل في الصين حيث تضاعف الناتج الفردي الخام خمس مرات خلال الفترة المذكورة ما أخرج نحو 400 مليون صيني من حالة الفقر المطلق التي لا يزال يعاني منها 17 في المئة من مجموع سكان الصين. وقد جاءت هذه النتائج متفقة مع تقارير صينية ذكرت أن عدد العاطلين عن العمل في البلاد ما زال في حدود الـ170 مليون شخص. كما ذكر التقرير أن الفقر كان منعدماً في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، عام 1981، وبأنه ارتفع في العام 1999 ليبلغ نسبة 6 في المئة قبل أن يبدأ بالانخفاض بوتيرة بطيئة منذ ذلك التاريخ.

ومن الوقائع اللافتة في تقرير البنك الدولي أن 70 في المئة من فقراء العالم يعيشون من العمل في الأرض، في حين أن 66 في المئة من الانتاج الزراعي العالمي يأتي من بلدان الشمال، ما يتناقض بشكل صارخ مع دعاوى التنمية التي تتحدث عنها البلدان الغنية ومؤسساتها المالية، وخصوصاً أن مجموعة الـ24 التي تضم البلدان المناهضة في العالم الثالث ما فتئت تطالب، منذ سنوات، بتنفيذ تعهدات البلدان الغنية أمام منظمة التجارة العالمية بإلغاء المساعدات الحكومية لمزارعيها، التي تبلغ 300 مليار دولار سنوياً.

والمعروف أن هذه المساعدات التي تسمح لمزارعي البلدان الغنية ببيع محاصيلهم بأسعار أدنى من أسعار السوق هي المسؤولة عن شطر هام من الدمار الاقتصادي لبلدان العالم الثالث. ومن الأمثلة التقليدية على ذلك أن 12 ألف أميركي يعيشون من زراعة القطن تسمح لهم المساعدات الحكومية بإغراق الأسواق بهذه السلعة ما أدى خلال السنوات الأخيرة إلى إفلاس عشرة ملايين مزارع قطن إفريقي. والمعادلة نفسها تنسحب على سائر قطاعات الانتاج الزراعي والحيواني حيث تقتضي ضرورات "التنمية" ـ كما يريدها وزراء مالية البلدان الغنية والمؤسسات المصرفية العالمية ـ أن يتخصص العالم الثالث في ما يسمى بـ"التنمية البشرية" من خلال تطوير التعليم والصحة الأثيرين جداً على قلب الرئيس بوش، مع ترك التنمية في مجال الإنتاج الأساسي لتصبح اختصاصاً للدول الغنية وحدها! 

عقيل الشيخ حسين