|
|
|
يطل الأول من أيار/ مايو وعمال لبنان ينشدون الخلاص من واقع مرير أطبق على حياتهم وطموحاتهم، وأدخلهم في أتون الضياع بعدما قذفتهم رياح اللامبالاة الرسمية الى المجهول. هو يوم يستعيد فيه العمال شيئاً من بريقهم وشيئاً من ذواتهم، لعل في ذلك ما يعوض ما فاتهم من احتضان رسمي وضعهم في آخر المطاف أمام كماشة البؤس اليومي المعيشي، فغدوا يشدون أحزمة التقشف ويكابدون الحياة بكثير من القلق، بعدما سُدت في وجوههم كل منافذ الحياة الكريمة، وبعدما فقدوا قوة الضغط على سياسات الحكومة الاقتصادية المجحفة بحقهم. واقع العمال والحركات النقابية وهموم العمال وما يقلقهم وسبل تحصين الحركة النقابية، تحدث عنها رئيس اتحاد الوفاء لنقابات ومستخدمي لبنان علي ياسين، فكان الحوار الآتي:
ـ في عيد العمال، ما الذي تغير بين الأول من أيار/ مايو 2003 والأول من أيار/ مايو 2004؟ كنقابات وعمال ننظر الى الأول من أيار كمحطة سنوية نتوقف عندها لإجراء جردة حساب نقابية وعمالية واقتصادية وحتى سياسية. وما يلفتنا هنا أنه لم يتغير شيء بين سنة وسنة، بل الأمور متجهة نحو الأسوأ، إن على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أو الوظيفي، ولا سيما في ما يتعلق بفرص العمل والبطالة وإقفال المصانع، لدرجة أن العمال لم يستطيعوا أن يشكلوا قوة ضغط نقابية مطلبية تفرض تغيير سياسات القهر والتجويع التي تمارس بحقهم. ـ .. يفهم من كلامك أننا وصلنا الى أفق مسدود؟ ما زال الأمل موجوداً، فالمواطن اللبناني الذي قدم ما لديه من واجبات ضرائبية مباشرة وغير مباشرة تجاه حكومته من دون أن يحصل في المقابل على مكاسب، سيأتي يوم يمارس قوة ضغط على الدولة لانتزاع حقه.. هذه القوة المتمثلة بالتنظيمات النقابية والعمالية ستفرض حضورها وواقعها من خلال تصحيح أمور كثيرة، لا سيما على المستوى التشريعي لجهة تحسين بعض القوانين الضرائبية وقوانين حماية المستهلك وقانون الحماية الاجتماعية وغيرها من القوانين.. وباعتقادي أنه إذا ما طبقت هذه الإصلاحات وأبصرت النور فإن الأمل كبير بتحسين الوضع المعيش. ـ كيف يمكن تشكيل قوة ضغط في حين ان الاتحاد العمالي العام يعيش حالة من انعدام الفاعلية نتيجة الاملاءات السياسية التي تتجاذبه؟ أنا أتحدث عن قوة ضغط نقابية مطلبية تفرض نفسها داخل الاتحاد العمالي العام وخارجه. صحيح أن الاتحاد العمالي العام عاش فترة تجاذبات سياسية وانقسامات، لكن القيادات العمالية والنقابية وقيادة الاتحاد العمالي غير ثابتة، وبالتالي لا يمكن القول إننا وصلنا الى أفق مسدود، بل إن الوضع الحالي سيفرض علينا أن نوجد قوة ضغط لتحسين الأوضاع سواء من خلال الاتحاد العمالي أو من خلال المنظمات العمالية. وفي حال الفشل فإن المتضررين لا بد أن يغيروا هذه القيادات أو يغيروا من شكل تحركها ومنهجيتها. ـ هل المتضررون من الشعب اللبناني لم يصلوا بعد الى مرحلة الاقتناع بوجوب تغيير هذه القيادات، حتى يقولوا ان هناك فرصاً سانحة أمام هذه القيادات؟ المشكلة أن الشعب اللبناني بات مسيّساً بتحركاته، بدليل أنه خلال أربعة أشهر ارتفع سعر صفيحة البنزين ألفين ومئتي ليرة لبنانية ولم يتحرك أحد، هذا يعني ان الاتحاد العمالي ليس وحده المسيّس، بل الشعب اللبناني، وإذا ما بقينا على هذا المنوال فإن الأمور ستزداد سوءاً. ـ .. إذاً الكرة في ملعب المواطن؟ نحن لا نلقي الكرة في ملعب المواطن، إنما نستقرئ، وهنا ينبغي أن نشير الى جملة أمور أهمها ضعف الانتساب للحركة النقابية، أي الى التنظيمات النقابية، الأمر الذي يشعر العامل بأن هذه القيادات لا تمثل طموحه وقراراته نتيجة ضعف التمثيل لديها. ـ .. هذا الكلام يدفعنا الى السؤال حول كيفية تحصين الحركة العمالية لتلعب دوراً نقابياً يحتاجه العمال في كل القطاعات بعيداً عن منطق العصبيات السياسية والحزبية والطائفية؟ أولاً كما ذكرت، الانتساب الى النقابات على قاعدة الانتساب الواعي، وهذا ما يشكل رافداً مهماً للحركة العمالية، والعمل على تصويبها من خلال الانتخابات ومن ثم محاسبتها من خلال المجالس التنفيذية، على اعتبار أن قوة الحركة النقابية تُستمد من المنتسبين إليها، هذا لا يعني أننا نستهين بأي دعم سياسي أو غيره من الفعاليات السياسية في البلد. ـ .. لكن ألا تعتقد أن هذا الأمر يحتاج الى إيجاد ثقة بين العمال والاتحادات التي تمثلهم باعتبار أن هناك هوة واسعة بين الطرفين؟ صحيح أن هناك هوة بين العمال والاتحادات العمالية، ومردها الى انعدام الثقة، ولكن الرهان يكون من خلال الانتساب الى الحركات النقابية من أجل التغيير في القيادات النقابية، لأنه من خلال تغيير القيادات من تحت فإنه من الطبيعي أن يطال التغيير القيادات من فوق، وهذا لم يحصل من قبل، وما حصل هو توافقات بين قوى شكلت أكثرية ناخبة أفضت الى قيادات كهذه.
ـ برأيك الى أي مدى سيبقى الاتحاد العمالي العام رهينة التركيبات السياسية التي يكون ضحيتها العامل اللبناني؟ ليس هناك تركيبة سياسية مسيطرة على الاتحاد بقدر ما هي تركيبة سياسية نقابية متوافق عليها، إنما المفترض في كل محطة للاتحاد العمالي العام أن يكون هناك فرصة أمام العمال والنقابيين في حمل مسؤولياتهم وتجديد الثقة بين القيادة والقاعدة.
ـ برأيك ما هو مصدر القلق الحقيقي للعمال اليوم؟ المصدر الأول هو الموازنة العامة، لما تشكل من عبء على المواطن اللبناني، لا سيما الطبقة العاملة منهم وخصوصاً لناحية زيادة الضرائب فيها. إضافة الى مصدر قلق آخر ناتج عن مصير الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وما يتعرض له من تجاذبات ومساومات تأكل حقوق هؤلاء العمال بالتقسيط خصوصاً مع صدور قانون يعفي بعض المؤسسات من الغرامات والاشتراكات الواجبة عليها.. ثم هناك القنابل الموقوتة في الضمان، لا سيما الضمان الاختياري حيث سحبت الدولة يدها منه لمصلحة توظيفات ومحسوبيات أخرى، إضافة الى قلق آخر قائم على الأمن الوظيفي وفرص العمل، حيث تزاحم اليد العاملة الأجنبية دون أن يصار الى تطبيق القوانين التي تحمي هذا الحق لمصلحة المواطن اللبناني. يضاف الى ذلك موضوع الصناعة الوطنية وضرورة حمايتها من الإغراقات الأجنبية، ثم لا ننسى القطاع الزراعي الذي هو الآخر محط استهتار من جانب الدولة. ـ أنتم كاتحاد الوفاء للنقابات والمستخدمين، هل طرحتم مشاريع واقتراحات من شأنها المساهمة في تخفيف المعاناة لدى العامل اللبناني؟ من خلال وجودنا في الاتحاد العمالي العام طرحنا عدة أوراق عمل لا سيما في عامي 2002 و2003، وأخيراً في المؤتمر الوطني للصناعة اللبنانية الذي كان برعاية فخامة رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، وهي أوراق تصب في خانة حماية وتطوير اليد العاملة اللبنانية، بدءاً من السياسة الضرائبية التي تضعها الحكومة في مشاريع الموازنة العامة، الى حماية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الى الخصخصة ودعم القطاعات الانتاجية من زراعة وصناعة، وأهم من ذلك كله إيجاد برنامج وطني شامل وواضح يعنى بشؤون وشجون المواطن اللبناني على كل الصعد. ـ ما تفضلت به لم يتخطَّ الإطار النظري.. في الواقع أين نحن من هذا في يوم عيد العمال؟ إذا لم يقف العمال ليدافعوا عن لقمة عيشهم بعرق جبينهم فنحن ذاهبون الى الأسوأ. خصوصاً في ظل ما يُحكى عن العولمة وانعكاساتها المتسارعة، حيث هناك إضعاف لكل ما هو حركة مطلبية أو اعتراضية من سياسية وغيرها، وفي جزء منها النقابية والعمالية. إذاً المطلوب أن لا نلقي المسؤولية على أحد، وأن نتحمل عمالاً ونقابات المسؤولية، كل واحد منا يفترض أن يجري جردة حساب، أين قصّر، قبل أن نسأل ماذا قدمت لنا الحركة النقابية، لأنه باشتراكنا في العمل النقابي نستطيع أن نفرض وجودنا كحركة نقابية مطلبية بالمستوى المطلوب. أجرى الحوار : حسين عواد |