منافسة


هي مناسبة لتجديد الطاقم القيادي للإدارات المحلية تفرضها الانتخابات البلدية والاختيارية التي تجري خلال شهر أيار/ مايو، وبالتالي لتجديد شباب وروحية العمل الخدماتي الانمائي الذي تقوم به هذه البلديات ضمن نطاقها وصلاحياتها وقدراتها.

هذه العملية بقدر ما هي "روتينية" في بلاد عرفت طريقها الى التنافس الايجابي وفهمت سياق العمل العام كخدمة وطنية، تنزع في بلاد أخرى الى عكس ما أريد منها بفعل تحويل هذا التنافس الى عامل سلبي واعتبار المنصب العام فرصة للنفوذ والانتشار والكيد بالآخرين وعلى حسابهم.

في الحالة الأولى تغدو العملية الديموقراطية سلوكاً اجتماعياً في القاعدة كما في القمة، أما في الحالة الثانية وهي حالة بلداننا، فقد مسخت الديموقراطية الى ما دون مرحلة بروز الدولة الحديثة، واتخذت آليات العمل التنافسي المؤسساتي الانتخابي طابع العصبيات المحلية والفئوية والمناطقية وما دون العائلية الى حد يكاد يُفقد العملية الديموقراطية هدفها المرتجى.

في بلدان العالم التي اختبرت التنافس الايجابي الانتخابي معياراً للوصول الى المناصب العامة ولمحاسبة المسؤولين ومراقبة أعمالهم تنتهي المنافسة مع صدمة النتائج، ويغدو الفائز متمتعاً بشرعية عامة تفرزها أرجحية الأصوات التي نالها، وشرعية الآلية الدستورية المتبعة، ومنذ تلك اللحظة يتناسى الجميع منافستهم السابقة التي امتدت إبان الحملات الانتخابية، لأنه بعد إعلان النتائج تسقط الحملات والكلمات، وتبدأ الأفعال، ويصبح الجميع يداً واحدة مع الفائز لتحسين أوضاع بلداتهم ومدنهم، وتنفيذ البرامج الموعودة للتنمية أو لحل المشكلات العامة.

أما في حالة بلداننا فتظهر الانتخابات بمظهر المستفز لكل أوتار الخلافات والتنابذ والضغائن على حساب مواصفات المرشحين وقدراتهم الحقيقية ومآلات فوزهم، وبعد إعلان النتائج تبدأ الطامة الأخرى.

الفائز قد يستبد برأيه والخاسر يعتبرها آخر المطاف، وتنقل الحملات الانتخابية الى ما بعد إعلان النتائج فتستعر في غير أوانها، وتستمر الخلافات والمشاحنات وكأنها قدر دائم، ويعرقل المعرقلون عمل القادمين الجدد، ويصور كل مشروع ولو كان فيه خدمة للجميع كأنه بعبع ضد فئة، أو يعتبر نجاح الإدارة الجديدة وكأنه خسارة للائحة سبق أن تنافست معها، وبذلك نعطي هذه المؤسسات النخبوية شحنة من تخلفنا وأمراضنا، ونسبغ عليها من ضغائن سرائرنا ما لا فسحة لتحمله، فتتحول المؤسسات المطلوب منها الخدمة العامة الى صورة عن بؤس رؤيتنا وضعف بصيرتنا وانعدام قدرتنا على التعامل الحضاري فيما بيننا.

هكذا نعطي الحاكم (المتخلف عادة) مبرراً لزيادة احتكار السلطة ومركزتها في يد نخبة متملقة منافقة سارقة، لأن العامة أقل شأناً من أن يديروا شؤونهم أو يرتفعوا الى معنى الخدمة العامة والمؤسسة العامة والنفع كما يحلو لبعضهم أن يفسر ويزعم.

كثيرون هم الذين أثبتت التجربة الماضية أنهم ناجحون في المهمات التي انتخبهم الشعب إليها، لكنهم كانوا يعانون من الناس أحياناً أكثر مما عانوا من "مركزة" السلطة والقرار وبيروقراطية الدولة وتقشف الموازنة وتخلف الإدارة العامة، وكثيرون فشلوا فشلاً ذريعاً ومع ذلك ربما تجد العصبيات مكاناً للانحياز إليهم وتفضيلهم على من هم أفضل وأكفأ فقط لأن التصور الضيق هو الذي يتحكم أحياناً بالموقف والسلوك وليس العقل الواعي والصادق مع نفسه.

هل نستفيد من هذه المناسبة لنختار الأكفأ والأكثر أمانة والأصدق للإدارات المحلية، هل نبتعد عن أنانياتنا وغاياتنا الشخصية في اختيار الأصلح والأفضل حتى إذا انتهت المعركة "الرياضية" عُدنا كما كنا أحبة أخوة نتناصر على الخير ونتعاون على البر ويغفر بعضنا لبعض ويكرم بعضنا بعضاً.

هل تعطي القاعدة (العامة من الناس) أهل السلطة درساً في الديموقراطية والروح التنافسية في سبيل المصلحة العامة، أم نكون كما يقول المثل: "كما تكونون يولّى عليكم".

تفاءلوا بالخير تجدوه...!!

حسين رحال