|
|
|
شارون يتعهد لبوش بعدم المس بعرفات.. شارون يتحلل من تعهد لبوش بعدم المس بعرفات.. هكذا وبكل بساطة، تغدو حياة رئيس السلطة الفلسطينية مجرد لعبة مزاج في حسابات شارون، أي تغدو مجرد رقم في حاسوبه السياسي والأمني، يخضعه لمنطق بورصة حسابات مصالحه المتنوعة. وشارون لا يمارس اللعبة وحده، فهو سواء أعلن عن تعهده لبوش أو أعلن عن تحلله من هذا التعهد، يُظهر بوش بمظهر الحريص على حياة عرفات. والوجه الآخر لهذا الحرص ليس أكثر من رسالة ضمنية لعرفات: مصيرك النهائي رهن كلمة مني، ولأن لا شيء من دون ثمن وفق منطق السوق، أي كل شيء لا بد من أن يخضع لمنطق البيع والشراء، فعلى عرفات أن يشتري حياته من بوش.. والثمن معروف وواضح: الخضوع للإملاءات والشروط والمطالب الأميركية ـ الإسرائيلية. وما دام المطروح حالياً هو خطة الفصل الأحادي والانسحاب من طرف واحد من غزة، فعلى عرفات ـ من وجهة النظر الأميركية الإسرائيلية ـ أن يسهّل على شارون ما يريد تنفيذه ثمناً لإبقائه حياً. والمفارقة الأكثر خبثاً هنا تكمن في تحويل حياة عرفات الى قضية بحد ذاتها، بحيث يغدو المطلوب فلسطينياً وإقليمياً ودولياً الانشغال بتوفير الحماية لعرفات، في الوقت الذي يجري تمرير قضايا تمس مصير القضية الفلسطينية نفسها. بكلمة أخرى، ثمة معادلة يعمل شارون على صياغتها وترسيخها في الواقع الفلسطيني الداخلي وفي الواقع الإقليمي والدولي معاً، قوامها حياة عرفات مقابل تنفيذ مرن وسلس لخطة الفصل والانسحاب من غزة. وإذا كان من دور لعرفات فليكن في سياق هذه الخطة ومن ضمن استراتيجية شارون للحل، وهي استراتيجية تقوم ـ كما بات معروفاً ـ على ركيزتين أساسيتين: الأولى الإجهاز على مرحلة مؤتمر مدريد وإفرازاته ونتائجه، وفي طليعتها أن يكون هناك دولة فلسطينية حقيقية في حدود أراضي عام 1967. والثانية فرض حل موقت طويل الأمد ودفع قضايا الحل النهائي الى ما لا نهاية.. على أن لا يتضمن هذا الحل أي وجود لدولة حقيقية، وإنما مجرد مناطق مقطعة الأوصال ومحاصرة بإجراءات أمنية لا تُعد ولا تُحصى. من هنا يبدو شارون كأنه يخيّر عرفات بين البقاء حياً شرط القبول بسقوف حله، أي أن يقبل برئاسة محددة تبدأ بغزة أولاً، الأمر الذي يجعل من احتمال تهجيره إليها أمراً وارداً بقوة.. وبين القتل بما يؤدي الى التخلص نهائياً من آخر وأهم موقع رمزي وفعلي يربط بين القضية الفلسطينية ومرحلة أوسلو، ومن ثم فتح الوضع الفلسطيني الداخلي بكل تشعباته على تطورات لا أحد يستطيع التكهن منذ الآن بوجهتها، والصورة النهائية التي يمكن أن تنتهي إليها. ولا شك في أن لشارون من تهديده عرفات أهدافاً أخرى، لعل أبرزها التالي: أولاً: خوف شارون من أي رد فعل استشهادي نوعي يُحضر له من قبل حماس وكتائب شهداء الأقصى والجهاد، خصوصاً بعد بروز تنسيق مشترك في ما بينها في أكثر من عملية. فشارون يريد من رفع سيف التهديد بحياة عرفات مجدداً إيجاد قوة ردع تحول دون تنفيذ عملٍ من هذا النوع، ما يجعل اغتياله للرنتيسي وياسين إنجازاً صافياً بالمعنيين السياسي والأمني. ثانياً: إن شارون الذي يتهيأ لعملية استفتاء دقيقة وحسّاسة داخل منتسبي الليكود، والذي فوجئ مؤخراً بتراجع نسبة المؤيّدين لخطته، سواء المتعلقة بالفصل أو بالانسحاب من غزة، يريد من تهديد عرفات مجدداً ترميم صورته كزعيم متطرف، وهي التي اهتزت مؤخراً بفعل المعارضة التي يلقاها من أطراف تقف على يمينه داخل الليكود وخارجه، وبالتالي رفع نسبة المؤيّدين له. خلاصة القول هنا، إن شارون لا يلعب، وهو بقدر ما لا يلعب فهو جدي، والأمور بالنسبة إليه ـ أولاً وأخيراً ـ مجرد حسابات يمارسها في تواقيت مناسبة. وبهذا المعنى قد لا يبدو أن تهديد شارون يسير نحو التنفيذ في المدى المنظور، إلا أن هذا لا يقلل من جديته. وفي الوقت نفسه يجب النظر إليه من ضمن الرؤية الشاملة لشارون، والمتعلقة بمقاربته الخاصة للقضية الفلسطينية. وهنا تحديداً تكمن خطورة تصريحاته وتهديداته معاً.
مصطفى الحاج علي |