الجمود السياسي الضار
لماذا وكيف؟


كثيراً ما تنطوي التصريحات السياسية ذات الصلة بصراع يتناول وجود وأمن طرفين متصارعين، على معانٍ لا يُراد الإشارة إليها مباشرة، خاصة في الحالات التي يعتبر كل منهما أن أي إظهارٍ للضعف سيُشجع الطرف الآخر ويقوِّي من عزيمته.. وهذا ما يتطابق بالتمام على ما يردده ارييل شارون على الدوام بأن ما دفعه لطرح خطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة هو أن هناك جموداً سياسياً  يسود الساحة السياسية الإسرائيلية ـ الفلسطينية، وان هذا الجمود ضار لـ"إسرائيل" (وثيقة شارون التي قدمها إلى الرئيس الأميركي جورج بوش/ معاريف/ 16/4/2004).

ولعل المفتاح لبلوغ المعاني التي لم يرد شارون التلفظ بها يكمن في السؤالين التاليين:

 

ما الذي دفع باتجاه هذا "الجمود السياسي"، وبعبارة أخرى لماذا هذا الجمود السياسي؟

وكيف يكون هذا الجمود ضاراً لـ"إسرائيل"؟

منذ أن تولى ارييل شارون رئاسة الحكومة في كيان العدو سعى الجيش الإسرائيلي بمختلف الأساليب القمعية من أجل سحق إرادة الشعب الفلسطيني بكل فصائله وتياراته، حتى التسووية منها لإملاء رؤاه ومشروعه السياسي عليه.. ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل ولم تحقق المُراد منها على هذا الصعيد، ونتيجة لذلك رُفع شعار لا يوجد شريك فلسطيني للتسوية..

في المقابل كان وما زال شارون يمتنع عن تلبية الحد الأدنى من طروحات حتى أولئك الذي تخلوا عن اكثر من 78% من أراضي فلسطين الكاملة.

هذا الفشل والامتناع الشاروني والصهيوني.. نتج عنه ما اطلق عليه شارون جمودا سياسيا، وبالتالي فإن الجمود السياسي الذي يقصده شارون هو ذلك الناتج عن عدم تمكنه من فرض مشروعه السياسي نتيجة صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني.

اما كيف ولماذا يعتبر هذا الجمود السياسي ضارا "لإسرائيل" ومدعاة لأن يفرض المجتمع الدولي على "إسرائيل" في مرحلة ما حلولا سياسية، فمن الواضح جدا أن استمرار المقاومة المسلحة في فلسطين وتصاعدها سيبقى يفرض القضية الفلسطينية على جدول اهتمامات الرأي العام الدولي، وقد تؤدي ايضا إلى تداعيات تُعتبر بنظر المنظومة الدولية عامة والولايات المتحدة خاصة مصدر خطر على مصالحها في المنطقة، وعلى أي ترتيب سياسي يُعد لها، ومن هنا كان اندفاع شارون، حسب قوله، للمبادرة إلى طرح فكرة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة في محاولة التفافية على هذا المسار السياسي المفترض. "على ضوء الجمود السياسي وعلى ضوء المشاريع الخطيرة التي تنبت كالفطر بعد المطر، مثل جنيف والمبادرة السعودية، توصلتُ إلى استنتاج بأننا نحتاج إلى خطة اخرى، خطة فك الارتباط (الانسحاب الاحادي من قطاع غزة)" (معاريف 13/4/2004).

وهكذا يتجلى بوضوح أن المقاومة هي التي أدت إلى ما اسماه جمودا سياسيا ـ بالمفهوم الذي أشرنا إليه ـ وهي التي تجعل من هذا الجمود ضاراً لـ"إسرائيل"، وبالتالي كان ولم يعد أمام الشعب الفلسطيني لإسقاط هذا المخطط واعادة خلط الاوراق التي يحاول شارون ترتيبها مع زميله بوش الا المزيد من الصمود والمقاومة.

علي حيدر