أعلام
روزبهان بقلي (1128م ـ 1209م)


بقلم : د. طراد حمادة
في كتابه الموسوم بـ"كتاب العاشقين" يقول الشاعر الفارسي فخر الدين العراقي: "ذلك الشيخ من شيراز، المعروف بروزبهان، الذي لم يعرف له مثيل في الطهر والحقيقة.. كان جوهرة.. كان رجلاً عالماً في الروح التي هي حياة العالم أجمع.. كان سيد العاشقين والعارفين، وعندما جاء الى قاعة الحب كان النهار، كما كان اسمه مشرقاً".
ولد أبو محمد ابن أبي نصر المعروف بروزبهان بقلي الشيرازي سنة 1128 م في مدينة فسا، وهي مدينة نافست مدةً من الزمن شيراز نفسها في حجمها وأطايبها، وتبعد سبعة وعشرين فرسخاً من عاصمة الإقليم شيراز. ويتحدر روزبهان من عائلة ديلمية كانت قد استقرت في اقليم فارس في عهد البويهيين، وهو يحمل اسماً فارسي الأصل هو روزبهان او روزبه، ومعناه "ذو الأيام السعيدة"، وقد أشار الى ذلك الشاعر العراقي في بيته المذكور أعلاه.
وعندما جاء الى قاعة الحب كان النهار، كما كان اسمه، مشرقاً. أما القسم الثاني من اسمه، أي البقلي، فيشير الى أنه بدأ حياته العملية صاحباً لدكان بقالة.
كتب روزبهان سيرته في كتابه الموسوم "كشف الأسرار"، وهو نص ذو أهمية لطلاب العلوم الدينية وللصوفية، نقله هنري كوربان الى الفرنسية. يقول فيه: "كنت في الخامسة عشرة من عمري عندما أصيب قلبي أول مرة بهذه الأمور الغيبية".. لقد ولد في عائلة عادية، وكان قرب بيته مزار، الأمر الذي أثار في نفسه التأمل في الكون وربّ الكون، ولذلك يقول عن نفسه: "وفي السابعة من عمري بدأت أروّض قلبي على ممارسة التذكر والإخلاص الروحيين، فتملك قلبي حب جارف وأحسست به يذوب من أثر ذلك. وقضيت كل هذا الوقت في حنين عميق، وغرق قلبي في محيط من التذكر الوجودي السابق الخالد، وغرقت أنا في أريج العالم السماوي.. وإذا بحالات وجيزة من الحدس والنشوة الشاردة تنفجر فيّ من دون ان تحدث أي اضطراب جسدي، إلا أنه تملك قلبي حلاوة بينما كانت الدموع تنهمر من عيني انهماراً. وفي تلك الفترة أيضاً أخذت أرى الكائنات كلها كأنها وجوه بالغة الجمال، وكانت تبعث فيّ ميلاً خاصاً الى الوحدة والصلاة المنفردة وأعمال البر وزيارة قبور شيوخ المتصوفة الكبار.. ومضى حين ضاع فيه قلبي كلياً بالحب"..
بعد هذه الرياضة الروحية طويلة الأمد، قرر روزبهان ان يكرس نفسه للعلم الشرعي، فدرس القرآن وحفظه عن ظهر قلب، ونال لقب "الحافظ".. ثم سكن في تكية صوفية في شيراز حيث كان يتسنى له ان يحضر حلقات العلماء والفقهاء.. ثم كان له ان يسوح في البلاد الإسلامية، فبلغ مدينة الإسكندرية وحضر دروس الحديث على السيلافي.
وبعد سياحته عاد الى شيراز وبنى زاوية قرب باب خدش، وأسس حلقته الصوفية الخاصة، واتخذ حياة التوجيه الروحي والتأليف، ووضع ما يقارب سبعة وعشرين كتاباً بالعربية والفارسية. وقد تحدرت الينا من نتاج روزبهان الضخم مؤلفات تبلغ على الأقل تسعة مع مجموعة من الشعر، منها تفسيران للقرآن الكريم ضاع أحدهما، وبقي الآخر ويوسم بـ"عرائس البيان"، ويتضمن تأويلاً صوفياً للقرآن، وفيه يتتبع خطى التستري والسلمي والقشري. ولهذا الكتاب أهمية خاصة في التفسير الصوفي للكلام الإلهي. كما وضع كتابين في علوم الحديث. أما كتابه "منطق الأسرار" الذي ألفه بالعربية، فهو أول كتاب من كتب روزبهان الأساسية في التصوف، ويتضمن شروحاً لشطحات الصوفية وشرحاً لـ"كتاب الطوسين" للحلاج. ويرى كوربان "ان لهذا الكتاب أهمية خاصة في التصوف الإسلامي، ومعرفة الحياة الروحية على العموم".
أما كتابه الشهير "عبهر العاشقين"، فقد وضع فيه نظريته في الحب الإلهي وسرّه من الولاء الصوفي والإخلاص الثابت للمحبوب والمحب الإلهي، وفي استحالة العاشق الى فناء الصفات البشرية باستسلامه الى ارادة الله المالكة، وفي بقائه بالعناء الروحي.. يقول فيه راوياً رحلته الروحية الى المحبوب الإلهي:
"أما بعد، فافهم يا أخي.. إنني عندما انتقلت من مقام العبودية ورأيت هيكل الملكوت أخذت أرتقي في منازل المكاشفات آكلاً على مائدة الروحانيين طعام المقامات.. وأخذني الله الى حماه وأزال عني ثوب العبودية، وألبسني ثوب الأحرار قائلاً لي: لقد أصبحت عاشقاً حقاً.. لقد أصبحت حراً تنطق بكلمات النشوة، عارفاً مخلوقاً من الجمال معترفاً بإله واحد اعترافاً مخلصاً، فاعمل الآن من خلال عملي، انظر بعيني واسمع بأذني واحكم بحكمي..
وقادتني خطاي صدفة الى سوق المخلوقات الجميلة.. فإذا بي أرى على ساحة الوجود جمال تلك الصفات، وقد انعكس هذا الجمال على مرآة آيات الله.. وبقيت عين ذاتي شاخصة بالصانع، بينما كانت عين العقل تنظر الى الصنعة.. ورأيت بعين ذاتي الجمال الأزلي، وبعين عقلي نظرت فعاينت الصورة الإنسانية..".
هكذا يكمل روزبهان رحلته في أسفاره من الحق الى الحق الذي يتجلى بالخلق..