ارشيف من :أخبار عالمية

إسقاط الجنسيات

إسقاط الجنسيات
قاسم حسين-"الوسط"

في البلدان العربية التي رزحت تحت حكم الاستعمار في القرن العشرين، استخدم النفي من الوطن أسلوباً لعقاب المعارضين، أمّا بعد الاستقلال فتعدّدت الأساليب من سجن وقتل ونفي وتهجير... حتى وصلنا في القرن الجديد إلى مرحلة سحب الجنسيات.

في البحرين، تم سحب الجنسية من 40 مواطناً بحرينياً (31 بحرينياً في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، و9 بحرينيين في 6 أغسطس/ آب 2014)، كلهم من مناطق المعارضة، لكن ذلك لم يمنع الحكومة من تهديد من تجنّسوا بالجنسية القطرية مؤخراً بملاحقتهم قانونياً وسحب الجنسية منهم... فالجنسية أصبحت واحدةً من أدوات السياسة وتركيع الآخرين.

في ندوة الأربعاء الماضي بجمعية «وعد» عن موضوع التجنيس وإسقاط الجنسيات، قالت المحامية جليلة السيد إن «الحالات التي تم إسقاط الجنسية فيها عن مواطنين بحرينيين غير قانونية لا محلياً ولا وفق المواثيق والاتفاقيات والعهود الدولية التي وقعت عليها البحرين».

السيد محامية بارزة، لها مواقف واضحة فيما يخص السياسات الداخلية، ما قبل وما بعد التصويت على الميثاق، وقد أشارت إلى طريقة سلط التعديلات الأخيرة على القانون برغبةٍ حكوميةٍ عارمة، واستجابةٍ برلمانيةٍ سريعة جداً، (تم ذلك خلال أربعة أيام من إرسال طلب الجلسة إلى إصدار القانون رغم كون المجلسين في إجازة). وذكرت أن العالم المتحضّر توجّه إلى التعامل مع حقوق «عديمي الجنسية» منذ الخمسينيات، وأصدر اتفاقية تخصهم في العام 1954. وفي العام 1961، صدرت اتفاقية دولية أخرى لـ «خفض حالات عديمي الجنسية»، إلا أن البحرين تسير في الاتجاه المعاكس، بانتهاجها سياسة متناقضة، فهي تعمل بوضوح على زيادة أعداد السكان عبر تجنيس مواطني الدول الأخرى، ومن جانبٍ آخر تسحب الجنسية من مواطنيها، لأسبابٍ سياسيةٍ بحتة. ثم إن سحب جنسية أهل البحرين مخالف لكل الأعراف وللعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الملزم للبحرين بعد اعتماده في القانون المحلي العام 2006، وهذا العهد يرفض صراحة ما حدث للأربعين بحرينياً الذين سحبت جنسيتهم.

في قراءتها للقانون الجديد، أشارت السيّد إلى أن المشرّع حاول أن يتذاكى ولكن بطريقة مزعجة، فالحديث سابقاً عن «الإضرار بأمن الدولة»، أمّا الآن فأصبح فضفاضاً أكثر، بالحديث عن «الإضرار بمصالح المملكة»، أو التصرف «تصرفاً يناقض واجب الولاء لها»، وهي تعبيرات فضفاضة يمكن أن تشمل كل شيء يمكن أن يخطر ببالك.

سحب الجنسية ليس قراراً مجرّداً على الورق، وإنّما تترتب عليه جملة من المشاكل التي تضيّق على الإنسان المستَهدَف، والفئة المجتمعية المستهدفة، سبل الحياة، بدءاً بالإقامة، إذ يتحول ابن البلد بين ليلةٍ وضحاها من مواطنٍ إلى شخص مسلوب الهوية، ويحتاج إلى من يكفله في وطنه كأي أجنبي. إلى جانب المنع من المشاركة السياسية انتخاباً وترشحاً؛ والحرمان من كل الخدمات العامة المجانية أو المدعومة، كالسكن والصحة والتعليم المجاني، فضلاً عن حقّ التملك، حيث يُصادر حقّه في التملك في الغالبية العظمى من أرض الوطن. إن هذه حربٌ اقتصادية غير إنسانية، تؤدي إلى تجويع المواطن وترويع أهله، ومحاربته في رزقه، وتضييق سبل العيش عليه.

السيد اختتمت طرحها عن تجنيس الأجانب وسحب الجنسيات من المواطنين، بكلمةٍ مشهورةٍ للسيد المسيح (ع): «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، لتقول: «ليس بدون الشعب تحيا السلطات».
2014-08-24