ارشيف من :أخبار لبنانية

أهالي المخطوفين إلى التصعيد والمسلحون عادوا الى عرسال

 أهالي المخطوفين إلى التصعيد والمسلحون عادوا الى عرسال
رامح حمية-"الأخبار"
 
مضى 23 يوماً، وأهالي 29 عسكرياً يعيشون معاناة خطف أبنائهم من قبل مسلحي «جبهة النصرة» و«داعش» في عرسال. يشدد أهالي المخطوفين على تحميل الحكومة مسؤولية التأخير في تحرير أبنائهم ويهددون بخطوات تصعيدية «قد لا تحمد عقباها»

 
المصيبة نفسها جمعت بينهم. لم يكن أحد منهم يعرف الآخر، رغم تقارب جغرافيّة قراهم وبلداتهم البقاعية. اختطاف أبنائهم العسكريين والدركيين من قبل مسلحي «داعش» و«جبهة النصرة»، إبان «غزوة عرسال»، قبل 3 أسابيع، وضعهم جميعاً داخل دوامة القلق، والخوف على مصير أولادهم. مشهد اجتماعاتهم أشبه إلى حد ما بمشاهد أبنائهم المرغمين على التقوقع في مكان واحد، كما ظهروا في أحد مقاطع الفيديو التي نشرها المسلحون أو التي أرسلوها الى رئاسة الحكومة اللبنانية.

ليس هذا فحسب، ثمة ضوابط وحدود في نقاشات أهالي المخطوفين، وخطوط حمراء أيضاً، فرضتها طبيعة عملية الخطف، وانتماء المخطوفين إلى مؤسسات أمنية، فضلاً عن مطالب الخاطفين التي يؤكد الأهالي أنها «خارج نطاق إمكانياتنا وقدراتنا».

لا يبدو العسكريون المختطفون لدى «جبهة النصرة» أو «داعش» مرتاحين، رغم محاولاتهم إظهار شيء من الهدوء والسكينة، في أحاديثهم: «بدك ياه يحكي غير هيك والساطور فوق راسو؟»، يعلق الرجل الستيني، والد أحد العسكريين المخطوفين، على ما جاء في شريط الفيديو، خلال اجتماع لعائلات المخطوفين يوم أمس في مبنى بلدية شمسطار ـــ غربي بعلبك، وما تحدث فيه المختطفون عن مطالبة حزب الله بالخروج من سوريا.

لا تخلو اجتماعات لجنة الأهالي، التي تكاد تكون يومية، من تقارب في الآراء ووجهات النظر. لكنهم يختلفون أيضاً في تقويم زياراتهم للمسؤولين اللبنانيين والسياسيين والأمنيين، حول من تحدث أمامهم «بصراحة واضحة»، كما قائد الجيش العماد جان قهوجي، ومن لم يفارقه «الارتباك في حديثه، ولم ينفك يفرك راحتي كفيه»، حال رئيس الحكومة تمام سلام الذي قال بعض الأهالي إن اللقاء الذي جمعهم به كان «محبطاً ومقلقاً» نظراً الى حالة الارتباك التي بدت واضحة عليه في حديثه وتصرفاته. وقال الأهالي في بيان أمس إنهم لم يلمسوا حتى اليوم جدية في طريقة إدارة الملف إطلاقاً، وإن كل ما يرونه لا يعدو كونه مجرد «تسويف ومماطلة». ويحمّلون «الحكومة اللبنانية عموماً، ورئاستها خصوصاً، مسؤولية سلامة أولادهم وإعادتهم إلى عائلاتهم وأهاليهم»، مطالبين الحكومة بـ«العمل الجاد قبل فوات الأوان والدخول في نفق أحداث ومشاكل لا تحمد عقباها». وناشدوا المسؤولين الأمنيين المعنيين (قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي) «تحمل مسؤولياتهم كاملة، لإطلاق أبناء المؤسستين، الذين تعتبر كرامتهم من كرامتهما ومن كرامة الوطن».

تتداخل آراء واقتراحات أهالي المخطوفين العسكريين، فالبعض منهم يرى أن على «الدولة أن تنصاع لمطالب المسلحين، وتطلق الموقوفين من سجن رومية».

إلا أن الاقتراح سرعان ما يواجه ردة فعل من الغالبية بأن هذه «الإجراءات من صلاحيات الدولة اللبنانية حكومة وأجهزة أمنية وقضائية، ونحن من الأساس رفضنا إدخال قضية أبنائنا في تشعبات الأزمات التي تعصف بالبلد وجواره، وفي زواريب البازارات وعمليات الابتزاز، فأبناؤنا لا علاقة لهم بأحزاب ولا بتيارات سياسية أو دينية، وإنما أبناء مؤسسات الدولة، وكانوا ينفذون مهماتهم الأمنية الموكلة إليهم في عرسال، إحدى البلدات البقاعية».

يتكتم أهالي المخطوفين عن ماهية الخطوات «التصعيدية» التي ذكرت في بيانهم، والتي تباحثوا في إمكانية تنفيذها في «حال لم نرصد تحركاً جدياً لإنهاء ملف المخطوفين العسكريين»، وسط إصرار منهم على استكمال «ضغطهم على رئاسة الحكومة، والسعي للقاء دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري، والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم. وقد علمت «الأخبار» أن لجنة أهالي المخطوفين العسكريين في عرسال ستلتقي في اليومين المقبلين عدداً من المسؤولين السياسيين والأمنيين، وستزور وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق اليوم عند السادسة مساء، وذلك قبل الشروع في «الخطوات التصعيدية» التي لن تخلو من إقفال طرقات واعتصامات أمام السرايا الحكومية في بيروت، وصولاً الى «طرد نازحين سوريين من قرى بقاعية».

وليس بعيداً عن السياق نفسه، عبّر عدد من أبناء عرسال عن تخوفهم من عودة أعداد كبيرة من المسلحين إلى أحياء البلدة. وعلمت «الأخبار» من بعض الأهالي أن «مسلحي الفصائل المسلحة، على اختلافها، يصولون ويجولون منذ أيام داخل أحياء البلدة، بأسلحتهم وذخيرتهم، وحتى مع قادتهم ومنهم أبو مالك التلي»، أمير «جبهة النصرة» في القلمون، الذي «شوهد أكثر من مرة أخيراً».

من جهة أخرى، استنكرت منسقية عرسال ـــ الهرمل في تيار المستقبل، في بيان أمس، «أعمال الاعتداء واحتجاز حرية الأشخاص كافة»، وأكدت أن «هذا الأمر مرفوض ومدان أياً كانت الجهة الفاعلة، مجموعة مسلحة أو حزبية، أو حتى من أفراد وعشائر وعائلات»، كما دانت «أي دخول لأي مجموعة مسلحة غير لبنانية الى لبنان عموماً وإلى عرسال خصوصاً تحت أي عنوان أو حجة»، وطالبتها «بالانسحاب فوراً من لبنان الى ما وراء الحدود». واستنكرت المنسقية «أي تدخل من لبنان ومن حزب الله تحديداً في سوريا»، وطالبته «بالانسحاب الفوري وترك سوريا للسوريين». وطالبت «بإطلاق كل المخطوفين في لبنان، وخصوصاً العسكريين والأمنيين المحتجزين عند المجموعات المسلحة»، مشددة على أن «أبناء عرسال لن يدّخروا جهداً للوصول الى حرية هؤلاء، شأنهم في ذلك شأن المهندس ماجد القاضي الذي أفرج عنه قبل يومين».

الجندي علي حمية ورفاقه «أبناء الدولة» الفقراء

تترافق دموع سارة مع ابتسامة رقيقة لدى حديثها عن شقيقها الجندي محمد حمية الذي خطفه مسلحو «جبهة النصرة» مع رفاقه في عرسال. تفتقد ابنة الأربعة عشر شقيقها «الحنون الذي كان يمضي معي غالبية أوقات مأذونيته العسكرية. وعدني قبل أيام من التحاقه بخدمته بأن يهديني «آي باد» بعدما تبلّغ الموافقة على القرض المالي الذي طلبه لإكمال بناء بيته».

لا مكان في يوميات عائلة محمد، بعد اختطافه، سوى للقلق والخوف. وفود الأقارب والجيران من القرى المجاورة لا تكاد تنقطع منذ ذلك الحين عن منزل العائلة الكائن بين سهلي بلدة طاريا (غرب بعلبك) وطليا (شرق)، للاطلاع على آخر الأخبار، فيما «مصبّ القهوة المرّة يجول بين الحاضرين».

حمية، ابن الـ22 ربيعاً، التحق بالمؤسسة العسكرية مطلع عام 2013، «هرباً من الأعمال الزراعية التي يتقنها، ومن تعبها ومشقات العمل فيها وخسائرها»، كما توضح والدته شملا حمية لـ«الأخبار». وتضيف: «لم تستهوِه الأحزاب والتيارات السياسية على اختلافها، فامتهن الزراعة إلى جانب والده، إلى أن قرر الانخراط في المؤسسة العسكرية بحثاً عن لقمة العيش».

مطلع تموز الفائت، نقل محمد بموجب تشكيلات عسكرية إلى بلدة عرسال، وتحديداً قيادة الكتيبة 83 في اللواء الثامن، في ثكنة المهنية» في محلة رأس السرج. صبيحة الثاني من آب (يوم هجوم المسلحين على الجيش)، عبّر محمد لوالدته عن «عدم ارتياحه للخدمة في عرسال» بسبب بعض التجاوزات والأحداث التي تحصل في البلدة»، «مشي ع الخدمة وهوي مش مبسوط ولا مرتاح»، تقول الوالدة وهي تغطي وجهها بكلتا يديها، مستطردة: «والله ما عم تغمض عيني من وقت اللي انخطف».

معاناة العائلة تزيدها «خبريات» وصور ومقاطع فيديو، وما تتداوله وسائل إعلامية، ما يخلق حالة إضافية من التوتر والقلق. الوالد معروف حمية لا تكاد السيجارة تفارق شفتيه. أهمل الرجل زراعته: «يروح الرزق. الله بيعوّض، المهم يرجع محمد بخير»، يقول. لا يوفر الوالد أي معلومة عن مصير ابنه. زار غالبية الدركيين الذين أطلقوا خلال مراحل التفاوض، مهنئاً ومستفسراً عن خبر يقين عن ولده. يؤكد حمية أن ابنه «ابن المؤسسة العسكرية»، و«الدولة اللبنانية، حكومة وقيادة أمنية، مسؤولة عن تحرير وإطلاق جميع المخطوفين العسكريين من أبنائنا، ونحن نناشد الضمير الإنساني لدى كل من يستطيع المساعدة في إطلاقهم، التدخل للإفراج عنهم وإعادتهم إلى أهلهم وذويهم، لأن لا ذنب لهم في كل ما حصل ويحصل».
 
2014-08-25