ارشيف من :أخبار لبنانية
«داعش» خطر على السنَّة أولاً
حبيب فياض - صحيفة "السفير"
المشهد الاقليمي الساخن يعيد تظهير الصراعات الداخلية في المنطقة على وقع احتدام المعركة بخلفيات مذهبية وسياسية. واذ دخل المد التكفيري في مرحلة الخطر الوجودي الذي يتهدد الجميع، فإن الوجود الشيعي هو الأكثر قدرة على تحصين الذات ورسم خطوط فاصلة تجعله بمنأى نسبيا عن هذا الخطر. فالتموضع الشيعي في المنطقة يمتلك من القوة ما يجعله قادراً على التعامل مع الحراك التكفيري وتحويله من خطر يتهدد وجود الشيعة الى صراع تناوش، لا سبيل معه للاخلال بالتوازنات المذهبية القائمة. بالمقابل تكشف الظاهرة الداعشية، ذات الخطورة المزدوجة على الأقربين والأبعدين، عن صعوبة مضاعفة للحد من مخاطرها في البيئة المصدرة لها والجغرافيا المتواجدة فيها.
الخطر «الداعشي» الذي يتهدد المنطقة وجوديا، بكياناتها ودولها وشعوبها ومكوناتها، لا يقتصر على كونه زحفا عسكريا، بل هو في عمقه ثقافة مستشرية وعقيدة محفزة باتجاه العنف والقتل والتطرف. وفي هذا الخضم، لا امكانية للقضاء على الظاهرة «الداعشية» عسكريا ما لم يكن ذلك مصحوبا بإصلاحات جوهرية في المجتمعات المنتجة لها. فالتكفيريون، وهم عشرات الآلاف، لم يصبحوا قتلة بين ليلة وضحاها، بل لا بد انهم انخرطوا في مسار مجتمعي منتج للارهاب، قبل أن يتحولوا الى ذبح الأبرياء بأعصاب باردة. وبالعموم أصاب «الداعشيون» الاسلام السني بطعنة، فيما من الممكن أن يصيب الكثير من السنة في ظل «الثورة الداعشية» ما أصاب الطبيبة السورية التي أعدمت في الرقة بجريمة مداواة الرجال.
الشراكة بين السنة والشيعة شرط لازم للخلاص من الخطر «الداعشي»، مهما حاول البعض ربط هذا الخلاص بتدخل اميركي فاعل. واذا كان الدور الشيعي، في هذه الشراكة، يقتصر على التعاون السياسي والمشاركة العسكرية، فإن المسؤولية السنية تتعدى ذلك الى ما يشبه الحركة الاصلاحية في مجالات السياسة والدين والاجتماع والثقافة والتربية. ذلك أن الداعشية لم تعد تقتصرعلى انتماء فعلي الى «تنظيم الدولة الاسلامية»، بل اصبحت حاضنة مجتمعية تبارك لـ«المجاهدين» فتوحاتهم وتؤيد مواقفهم.
الشيعة اليوم في حال من القوة تجعلهم بمنأى عن وجودية الخطر الذي يتهددهم، فيما السنة أقل حصانة في مواجهة النوايا والقدرات «الداعشية» العابرة للحدود. فالخطر الداعشي أكثر تهديدا لأماكن انطلاقه وتواجده من تهديده للاماكن التي يتطلع الى غزوها. قوة الشيعة تضعهم في موقع المستغني عن استجداء التحالفات، غير ان مبدئيتهم تدفع بهم الى الدعوة بصدق لمواجهة الظاهرة التكفيرية برمتها. ولو أراد الشيعة التعامل بانتهازية مع الحراك الداعشي، لاكتفوا بمنعه من التمدد الى الاماكن الشيعية، وغضوا الطرف عنه في تمدده باتجاه مناطق أخرى.
كان بإمكان «حزب الله»، مثلا، التخلي عن مسؤولية مواجهة التكفيريين في لبنان خارج مناطق نفوذه، مقابل تحصين أماكنه ومنعهم من الوصول اليها، بما يؤدي الى اصطناع امارة لبنانية على طريقة الموصل والرقة، حتى يصل الموسى الى لحية الداعمين لـ«داعش» من تحت الطاولة والمخففين من وطأتها على خلفية أولوية الخصومة مع المقاومة وسلاحها. وكان بمقدور ايران أيضا الامتناع عن تزويد الاكراد بالسلاح افساحا في المجال امام التمدد الداعشي نحو كردستان العراق، وذلك برغم الدور الكردي الملتبس في غزوة «داعش» للموصل.
معركة «الدواعش» مع الجسم الشيعي خاسرة، على مستوى الإقليم. أما معركتها مع الامتداد السني فخطر كبير على السنة المخالفين لرأي ومسارات «داعش».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018