ارشيف من :ترجمات ودراسات

كيف نواجه الكارثة العالمية المتمثلة بالاستعمار الغربي منذ القرن الخامس عشر ؟ (1/2)

كيف نواجه الكارثة العالمية المتمثلة بالاستعمار الغربي منذ القرن الخامس عشر ؟ (1/2)

نصوص مختارة من كتاب بعنوان
“Wasáse, indigenous pathways of action and freedom”, University of Toronto Press, 2005, second edition 2009.
للدكتور Taiaiake Alfred عضو "أمة الموهوك" في "الاتحاد الإيروكي الهودينوسوني" وأستاذ العلوم السياسية في جامعة فيكتوريا بكندا
مع مقدمة لموقع  Résistance 71
عن موقع  Résistance 71:
13 آب / أغسطس 2014


"المحارب يواجه الاستعمار بالحقيقة بهدف إحياء الأصالة وإيجاد حياة تستحق أن تعاش ومبادئ من النوع الذي يمكن أن نموت من أجله. والنضال هو في تجديد العلاقات التي دمرتها الآلة الاستعمارية... وترجمة هذا المعنى الأخلاقي من خلال فلسفة  سياسية مختصرة ومعبرة أمر صعب. لذا، أقترح كنقطة للانطلاق نقل مصطلح "الفوضوية-قضية السكان الأصليين" إلى المجال المفهومي. ولكي تتمكن الأخلاق الجديدة من أن تمد لنفسها جذوراً في أذهان الناس، لا بد لها من أن تجتذب ذهنية المحارب المنخرط في النضال وأن تنقلها إلى حقل السياسة. وهنا، لا بد من أن نأخذ بعين الاعتبار عنصرين أساسين : الأول هو ارتباط "السكان الأصليين" بالجذور الثقافية والروحية لهذه الأرض وبالنضال من أجل العدالة والحرية. الثاني هو الفلسفة السياسية والحراك المعادي بشكل أساسي للمؤسساتية، والمتمسك بشكل جذري بالديموقراطية، والمنخرط بشكل كامل في العمل من أجل التغيير باتجاه الفوضوية [بما هي رفض للسلطة]". 

تاييآكي آلفريد


كيف يمكن لانبعاث السكان الأصليين، وكيف ينبغي لهذا الانبعاث، أن يكون ملهماً للغرب يدفعه إلى التحرر من نيره الاستعماري ؟  
سبق ورأينا على هذا الموقع كيف أن تحقيق الغاية الاستعمارية يتطلب من حفنة الحكام الغربيين أن يقنعوا شعوبهم أولاً بصحة مشروعهم الإجرامي القائم على أسس عنصرية واستعلائية. وفي هذا السبيل، رفعت الجمهورية الفرنسية إلى مصاف الريادة في التقدمية أشخاصاً من نوع جول فيري ( الذي أهدى إليه رئيسنا  [فرنسوا هولند] فترته الرئاسية المثيرة للشفقة)، والذي قدم في كتب التاريخ على أنه "أب المدرسة المجانية والإلزامية". لكنها تعامت بشكل مقصود عما ألقاه من خطابات في الجمعية الوطنية حول "تفوق العرق الأبيض"، وحول واجبه المتمثل بـ "نشر الحضارة" في تلك الأصقاع الهمجية  التي لم تكن، من وجهة نظر الخرافة الرسمية، غير هذه الشعوب والأمم التي فرض عليها الاستعمار بدعوى "تقدم البشرية"، أي ذلك التقدم الذي حملت راياته ومازالت تحملها فرنسا وسائر بلدان الغرب.


الاستعمار هو البربرية على وجه الاختصار. هو أداة الهيمنة على العالم من قبل الغرب منذ القرن الخامس عشر. وقد أمكن للغرب أن يفرض هيمنته بفضل تواطؤنا وقبولنا الضمني به حتى وإن كانت الأكثرية الساحقة من شعوب الغرب قد ظلت بعيدة عن المشاركة المباشرة في عملية الاستعمار. أجل، لأن مجرد تحصيل حصة من المال المسروق، ومن النهب، ومن استعباد ملايين الأشخاص في شتى أنحاء العالم هو تواطؤ مقصود أو ضمني. لماذا ؟ لأننا "اقتنعنا" بأن هذا التجاوزات تقوم على أساس صحيح، ولكن أيضاً لأننا دخلنا في لعبة دعمها عن طريق النظريات الكاذبة التي جاءت بها علوم اجتماعية عنصرية واستعلائية تم تقديمها لشعوب الغرب على أنها نتاج لـ "حق إلهي"، ثم لـ "حق طبيعي" نمارسه باسم "نشر الحضارة"، وباسم "قانون الأحقية بالعيش لمن هو أكثر استعداداً لذلك"، وما إلى ذلك من ترهات مستمدة مباشرة من الداروينية الاجتماعية التي تشكل فبركة علمية كاذبة لكنها مفيدة في تبرير هيمنة الغرب على بقية العالم.

على هذا، ومن أجل الخروج من هذه المصيبة العالمية المتمثلة بالاستعمار، لا يكفي أن تتحرر الشعوب الخاضعة للاستعمار، مع أن تحررها أكثر من ضروري. لا بد أيضاً من أن تتحرر شعوب البلدان الاستعمارية التي جرى غسل أدمغتها بالبروغاندا السامة الهادفة إلى فرض القبول باستمرار التوافق على ما تريده النخب الحاكمة، أي على السيطرة وتأمين سبل الإثراء لتلك النسبة الضئيلة من الناس الذين يتربعون في أعلى الهرم السياسي-الاجتماعي.
كيف يمكن تحقيق ذلك ؟ كيف يمكن تحطيم القيد الإعلامي الذي يستعمر إيديولوجياً شعوب البلدان الخاضعة للاستعمار وشعوب البلدان الاستعمارية على حد سواء ؟ القسم الأكبر من الإجابة نجده في تحليل انبعاث قضايا الشعوب الخاضعة وفي نضال تلك الشعوب ضد الاستعمار. ويمكننا، [نحن الغربيين]، أن ننهل -شأن الشعوب والأمم الخاضعة للاستعمار- من المصادر نفسها وأن نطلق الأحكام النقدية نفسها، لأننا خاضعون جميعاً للاستعمار نفسه، مع فارق في درجة العنف والاضطهاد الذي تتعرض له الشعوب المقهورة وشعوب البلدان الاستعمارية. ولا بد من الإشارة هنا إلى أننا لا نعيش في مرحلة "ما بعد استعمارية" على ما تريد الفئة الحاكمة إقناعنا به. فنحن ما زلنا نعيش حقاً وحقيقة في عالم استعماري. فالبلدان الخاضعة للاستعمار لا تشكل أقلية في هذا العالم. فالشعوب الأصلية في بلدان كالولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والمكسيك وفلسطين وكامل أميركا اللاتينية والوسطى منها ما يخوض نضالاً مستمراً منذ العام 1492 ضد إرهاب الدولة والاضطهاد الاستعماري الذي تمارسه الثقافة القائمة على المركزية الأوروبية المهيمنة بشكل مصطنع.  
كان إيميه سيزار يقول عن حق : "أنا بدوري أطرح هذه المعادلة : الاستعمار = التشيؤ". هل يمكننا الخروج من هذا الوضع ؟

كيف نواجه الكارثة العالمية المتمثلة بالاستعمار الغربي منذ القرن الخامس عشر ؟ (1/2)
الاستعمار الغربي


لكي نتمكن من أن نرى بوضوح أكبر وأن نستشرف الحلول من أجل تحررنا من المصيبة الاستعمارية التي حلت بالشعوب الخاضعة للاستعمار كما حلت بنا نحن الغربيين الذين لا نرغب بأن تكون لنا أية علاقة بهذه الدناءة التي طال أمدها أكثر بكثير مما ينبغي، والتي حملت الاضطهاد للجميع وإن بدرجات متفاوتة، فإننا سنتستخدم نصوصاً قمنا بترجمتها بعد أن أخذناها عن البروفسور في العلوم السياسية في جامعة فيكتوريا في ولاية كولومبيا البريطانية (كندا)، والعضو في   "أمة الموهوك" في "الاتحاد الإيروكي الهودينوسوني"،  تاييآكي آلفريد، حامل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، والذي وضع في العام 2005 كتاباً ممتازاً بعنوان " Wasáse, indigenous pathways of action and freedom ". وقد صدر الكتاب عن جامعة تورنتو في العام 2005، ونشرت منه طبعة ثانية في العام 2009.   
 وفيما يلي نبذة موجزة عما كتبه المؤلف في الفصلين الثاني والثالث من كتابه. والترجمة هي من إعداد موقع " Résistance 71" (مقاومة 71).


=[]=  
"أعتقد أن الشعور الحقيقي بالذنب (بالنسبة لمن يستعمر الآخر) يفترض بأنه يشارك بشكل أكثر فاعلية في عملية الاستعمار. فما يميز الشعور بالذنب عند شخص ما هو في كونه يشارك في عملية الاستيلاء على الأرض وفي الإنكار السياسي لوجود الأونكويهونوي (السكان الأصليين في أميركا الشمالية)، وفي اللجوء إلى العنف العنصري والإكراه والتدمير الثقافي والاستغلال الاقتصادي... وعلى المستوى النظري، فإن عدو نضالنا هو الخلط التسميمي بين التدين التوحيدي، والنظرية السياسية الليبرالية، والاقتصاد الرأسمالي النيوليبرالي، ونظرياتهم الداعمة لفكرة التفوق العرقي، والادعاء الكاذب القائل بالتفوق الثقافي الأوروبي-الأميركي.


[...]

"ما هو نوع المستعمرين الذين تتشكل منهم المجتمعات المعاصرة ؟ هنالك المستعمرون الذين وصفهم بول ميمي "Paul Memmi"بأنهم "المستعمرون الذين يرفضون موقعهم ودورهم في دولة غير عادلة، وهم عموماً من مثقفي اليسار. وعلى العموم، فإن استنكارهم لمظالم الامبريالية ولعملية الاستعمار التاريخية لا يقترن بعمل في هذا الاتجاه. وهم في الغالب تقدميون بالسليقة، ولكنهم يحافظون على ارتباطهم بقيم المجتمع الاستعماري الذي ينتمون إليه. وهم غالباً ما يلتزمون الصمت بفعل كونهم محشورين بين تفكيكهم الثقافي للسلطة وبين جبنهم الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بعمل مضاد للظلم بالمعنى الحقيقي.
أما المستعمرون الذين يرفضون الاعتراف بكونهم يحصلون على امتيازات وبالأمور الرديئة التي تصلهم عن طريق الميراث، فإنهم يمارسون شكلاً آخر من الأنانية والنفاق... فهؤلاء مشلولون بالخوف وشعورهم بالذنب يجعلهم بلا فائدة لنضالاتنا، والمفارقة هي في أنهم يتحولون إلى واحدة من كبريات الكتل المحافظة في المجتمع الاستعماري.         

[...]

"ذراع أخرى من أذرعة الجسم الاستعماري تتمثل بالمستعمر (بكسر الميم) الذي قبل القيام بدوره بما هو كذلك وتشبعت نفسه بالخرافات الاستعمارية التي غالباً ما تكون قصصاً عنصرية، كما تشبعت بمفاهيم تفوق العرق الأبيض وأكذوبة التقدم، أو بأمل المهاجرين البيض في يشكل تراكم ثرواتهم وتزايدها مفتاحاً سحرياً يفتح أمامهم أبواب السعادة، وأبواب الاعتراف بهم من قبل النخب البيضاء، وهو الاعتراف الذي يمنحهم مشروعيتهم كمواطنين. والحقيقة أن الأكثرية الساحقة من المستعمرين البيض ينتمون إلى هذه الفئة الأخيرة.
إن خاصية المجتمعات الاستعمارية هي في تسلح الأفراد المستعمرين الذين تتشكل منهم النخبة الاقتصادية وخدمها من السياسيين والجامعيين  بمفاهيم لاعقلانية عن التفوق العرقي والثقافي".

 
[...]

"أنا مقتنع بأن الأكثرية الساحقة من الأفراد المستعمرين يعيشون في حالة من المكابرة العميقة. فهم يعرفون أن الأسس التي تقوم عليها مجتمعاتهم هي أسس فاسدة، ويعرفون أن بلدانهم هي بلدان استعمارية بالمعنى التاريخي للكلمة، ولكنهم يستمرون في رفضهم رؤية وقبول الواقع المتمثل بعدم إمكانية القفز خطابياً فوق الواقع أو باستحالة تغيير مجرى الماضي بهدف تسوية الأمور، دون اللجوء إلى إحداث تغييرات جذرية في بلدانهم، وعلى مستوى حكوماتهم ونمط عيشهم. ودونما أي سبب غير ذاك المتمثل بتعلقهم الأناني بالامتيازات الاقتصادية والسياسية التي ورثوها جماعياً عن شعب مسيطر في الإطار الاستعماري، فإن هؤلاء ينكرون الحقيقة بغريزتهم الثقافية القاهرة. فإنكار الحقيقة هو عملية ثقافية ونفسية أساسية في المجتمعات الاستعمارية (حيث نجد تعابير ثابتة عن ذلك في الولايات المتحدة وكندا ونيوزيلندا وإسرائيل، كما في المجتمعات البيضاء التي تهيمن على أميركا الجنوبية)".  

[...]

"إن العنصرالأساسي في مشكلة الاستعمار هو الاعتقاد بتفوق أو عالمية تتمتع بهما الثقافة الأوروبية-الأميركية، وخصوصاً بتقبل مفاهيم الحقوق الفردية على أنها التعبير الأرفع عن الحرية البشرية وعن "الديموقراطية التمثيلية" بوصفها أفضل ضامن للسلم والنظام، وعن الرأسمالية منظوراً إليها على أنها الوسيلة الوحيدة لإشباع حاجات الإنسان المادية. فالواقع أن العقيدة الليبرالية هي التجلي الأكثر وضوحاً وحضوراً للعنجهية الأوروبية-الأميركية التي تعلن عن نفسها من خلال المشهد السياسي، وكذلك من خلال البنية الطبقية الاستعمارية  وقيمها القائمة على العنصرية والليبرالية والعقلية المحافظة. ويمكننا ترسيم إطار العقلية الامبريالية/الاستعمارية السائدة في المجتمعات الماصرة بالشكل التالي :
-    التقاسم والمساواة هما أمران سيئان : وهذا يظهر بشكل واضح في المجتمعات الاستعمارية من خلال رفض كل شكل من أشكال التشاركية الحقيقية.
-    الأنانية والتنافس هما أمران جيدان : ويظهر ذلك من خلال التعلق الاستعماري بالمال وبالخيرات المادية والتنافس عليها.
-    العلم والتكنولوجيا أمران تقدميان، وبالتالي جيدان : في حين أن ما هو بشري أمر سيء (بسبب الخطيئة الأصلية أو بسبب المقاومة الطبيعية عند الإنسان للانضباط). وأن الطبيعة شيء كريه : لا يتوقف الإنسان الأبيض عن اكتساح العالم الطبيعي واستغلاله بهدف فرض النظام والرؤية الاستباقية الضروريين من أجل قيام الرأسمالية بمهمتها بأفضل شكل ممكن.  
-    النظام أهم من الحقيقة والعدل.
-    الثقافة الأوروبية-الأميركية هي الشكل الأرقى من أشكال الوجود. وكل شكل آخر من أشكال الحياة هو تهديد مباشر للحضارة وللحرية. وكل ذلك يتضح من خلال احتقار الشعوب الأخرى ورفضها وإعلان العداوة السافرة تجاهها وتجاه نمط عيشها ووجودها في العالم.
فإذا كنا نريد فعلاً إزالة الاستعمار وإقامة علاقات طبيعية، فإن هذه المعتقدات والافتراضات يجب أن تكون موضع إدانة، وأن تطرح كإشكاليات غير مقبولة إذا كنا نرغب فعلاً بإزالة الاستعمار حقاً وحقيقة.

[...]

على هذا يكون كل مفهوم حول استقلالية السكان الأصليين بمثابة "تهديد للسيادة الوطنية"، الأمر الذي يستند إلى خرافة الحفاظ على الوحدة الوطنية والرفض الصريح لحقوق السكان الأصليين. ما يعني أن مفهوم السكان الأصليين لا يكون مشروعاً وقابلاً للتفاوض إلا بقدر ما يكون جزأً من من دولة ومن الحقوق الفردية داخل إطار سياق جماعة محددة، وهذا المفهوم يختلف تماماً عن مفهوم الحقوق الجماعية الموجودة قبل الدولة والمستقلة عنها بشكل كامل.
فالواقع أن الاعتراف بحقوق السكان الأصليين واحترام هذه الحقوق يوضعان، بحسب هذه النظرة، في حالة صراع مع قيم البيض المتعلقة بالتملك ومع شعورهم الشخصي والانفعالي بالأمن، وهذا الشعور يستند إلى اعتبار على الممالأة وعلى الحق بالاستمرار في تحصيل الاستفادة من الجرائم المرتكبة من قبل الأجيال السابقة دون أي اعتراف بحقوق الشعوب التي عانت من هذا الوضع، ودون تقديم أية تعويضات (غير مالية) لهذه الشعوب.

[...]

على البيض الذين لم يتحرروا حتى الآن من نير الاستعمار أن يقروا بأنهم كانوا دائماً على خطأ. عليهم أن يقروا بأن للسكان الأصليين في كندا وغيرها حقوقاً جماعية وملازمة لكونهم سكاناً أصليين، وأن هذه الحقوق مستقلة عن المجتمع الذي يستعمرهم. إنها الحقوق في الأراضي والثقافة والانتماء إلى جماعة.

ملاحظة من مترجم النص الإنكليزي:
ثم ينتقل آلفريد إلى مناقشة ما هو مشترك بين المستعمر والخاضع للاستعمار، وهذه المناقشة تتصل بشكل كامل بالخط المفهومي عند كبار منظري إزالة الاستعمار من أمثال فرانز فانون وإيميه سيزار وفريديرك دوغلاس. وهو يقول بهذا الصدد :

"لقد أجبر كل من المستعمر والخاضع للاستعمار على العيش كأسرى. وهذا الأمر يرتبط بالمعنى الأكثر عمقاً بالشكل الذي أخذه الاستعمار الحديث. وقد كان ذلك ممكناً بالطبع لأن الأكذوبة الكبيرة كانت متداخلة في جميع مظاهر حياتنا إلى أقصى ما يمكن لذاكرتنا أن تستعيد الماضي المتعلق بالهوية والعلاقات السياسية والاقتصادية القائمة على السيطرة والاستغلال. كيف يمكن أن يكون نمط الثقافة التي نشأت في ظل هذا التنكر للحقيقة وفي ظروف تدمير أصالة أنماط العيش المتجذرة والنقية والذكية، والتي أصبحت ثقافة خاضعة للسلطة السياسية والاقتصادية ؟  هذا السؤال يجب أن يطرح ليس فقط على الخاضعين، بل أيضاً على المسيطرين : أليس الاستعمار علاقة كلية بالسلطة ذات مقدرة ليس فقط على التحكم بوجود أولئك الذين خسروا كل شيء، بل أيضاً بوجود من استفادوا من هذه العلاقة ؟

[...]  

في هذا العالم الذي ينظر فيه إلى الاستعلاء الامبريالي والأكاذيب والوعي الزائف على أنها أمور طبيعية، فإن اصوات الخاضعين للاضطهاد هي وحدها التي يمكنها أن تقود إلى الحرية. فتمسك المضطهدين بالهوية وإعادة التعريف الاجتماعي والثقافي للإبادة، كل ذلك لا ينتج لهم أي نمط للعيش. لأن كل ما هو جامع لشعوبنا مجمد في الماضي ولا أهمية له. فإذا كنا نريد لأنفسنا مستقبلاً في مثل هذه الظروف، فإن هذا المستقبل لا يمكن أن يتحدد ويسمح به إلا بقدر ما يسمح به المجتمع المسيطر.

[...]

لقد بينت دراسة لأستاذة الحقوق الأميركية، ديبورا ياشار، بأن عملية التفاوض بشأن حق السكان الأصليين في تملك الأرض في أميركا اللاتينية وكندا والولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا لا تنظر إلى السكان الأصليين إلا داخل سياق البنى الاستعمارية وفي إطار القيم الثقافية الأوروبية-الأميركية. وفي الوقت الراهن،  يستبعد الخطاب حول إزالة الاستعمار كل نقاش حول ما يعتبره الاستعماريون أموراً تخصهم وحدهم، وهي أمور  من قبيل العناصر المكونة للدولة... فالحقيقة أن كل نقاش كان يصطدم بالواقع الأساسي المتمثل بسيادة الدولة وبمفهوم السلطة بما هو مفهوم أوروبي-أميركي قائم على السيطرة وعلى الفكر القائم بدوره على المنطق الآحادي الجانب. فالظاهر أن أفكار ومعتقدات السكان الأصليين، ومنهم الأونكويهونوي في كندا، وهي أفكار أكثر تعددية وتعقيداً، هي على درجة من التقدم لا ترقى إليها المؤسسات الاستعمارية التبسيطية والنخب التي تدير هذه المؤسسات وتقلص العالم لتحشره في إطار رؤية تبسيطية وثنوية : هم ضدنا والباطل ضد الحق. وعلى هذا الأساس، فإن النزعة التعصبية عند السكان الأصليين تدخل بشكل كامل في قالب العقلية الأوروبية-الأميركية.

[...]


من هنا، فإن كل اقتراح تقدمي كان يصاغ في كل مناسبة ضمن إطار مفهوم الدولة. ولكن الدولة تعجز عن موضعة نفسها إزاء الآخرين ضمن إطار تعددي وسلمي. ما يعني أن القبول بوجود السكان الأصليين في إطار الدولة الاستعمارية هو، في ما يتجاوز كل إبداعية فعلية أو يمكن تخيلها، بمثابة حكم بالإعدام على أمة السكان الأصليين. فالمطلب الملح والمبرمج للدولة هو ضبط الخصوصيات وفرض التجانس عبر رفض الاختلاف عن طريق احتكار الشرعية وقوة القمع. وعلى هذا، لا يكون هنالك مجال لإصلاح العلاقة بين الدولة والشعوب الخاضعة إلا عبر إصلاح جذري للدولة نفسها.

[...]

إن الحل من وجهة نظر الاستعماري هو حل لا يقدم أي دعم من قبل المجتمع المهيمن لفكرة الدخول في عملية إزالة الاستعمار في علاقة السكان الأصليين بغيرهم من مكونات الدولة. وهذا الحل يتنافى مع ما ينطوي عليه القانون الدولي من إمكانيات تسمح بتحقيق تقدم على مستوى حقوق السكان الأصليين. فالواقع أن كندا والولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا قد عطلت، في الأمم المتحدة وغيرها من المنتديات الدولية، كل إمكانية للتقدم نحو اعتراف فعلي بحقوق السكان الأصليين.

[...]


لا بد من القول بأن المصدر الرئيسي للمشكلات التي تولدت عن الانهزامية الروحية عند أممنا هو الأثر الذي أحدثته على شعوبنا أنشطة عدد كبير من الكنائس المسيحية...
علينا أن نأخذ في الاعتبار الأثر الذي مورس بنجاح على السكن الأصليين من قبل المسيحية المؤسساتية، وبفعل  الجهود الهادفة إلى تنصير السكان الأصليين وإلى إخضاعهم للكنائس. إن إسهام تأثير الكنائس واضح تماماً :  فقد قدمت الكنائس دعماً مالياً للمؤسسات الاستعمارية، وساعدت في عقلنة التعصب العنصري عند رعاياها من البيض، وأجبرت السكان الأصليين على تقبل الأخلاقيات التي ينشرها الكتاب المقدس حول تحمل العذاب وحول النظر إلى ما يتعرضون له من اضطهاد على أنه أمر طبيعي في البحث عن خلاص أخروي بدلاً من الخلاص الدنيوي. كما ساهمت الكنائس في إدارة مؤسسات كفالة الهنود التي شكلت الأداة الرئيسية لسياسة الاستيعاب القسري للسكان الأصليين.

[...]

لقد استخدم الكتاب المقدس المسيحي بشكل يبعث الخوف في نفوس شعوبنا. وأصبح هذا الخوف مصدراً رئيسياً من مصادر ضعفنا. إنني أتكلم عن الخوف لأن المزج بين القراءة السلطوية للنص، من جهة، وبين النقص في التجربة والعجز عن النقاش والتهديد الدائم بالعنف وبالحرمان من المكافأة، من جهة أخرى، هو أمر رهيب حقاً. لقد أصاب هذا الخوف شعوبنا بالشلل ومنعها من اعتماد طريق المقاومة النشطة في وجه البرنامج الاستعماري الذي تنفذه الكنيسة والدولة. 
   
 يتبع...
2014-09-01