ارشيف من :أخبار لبنانية
الجيش اللبناني في مواجهة الأشباح
ربيع بركات - صحيفة "السفير"
لم ينل الجيش اللبناني، حتى اللحظة، أياً من المساعدات الجدية التي وُعد بالحصول عليها. إعلان الرياض عن هبة الثلاثة مليارات دولار معلق على تفاهمات مع فرنسا، الدولة المصدرة للسلاح، قيل إنها «تقنية» و«إجرائية»، فيما مصير وعد المليار الذي تلاها ما زال مجهولاً.
شحنة الأسلحة التي أرسلتها واشنطن، في المقابل، ذات دلالة بيّنة برغم تواضعها. فهي تشكل، مع غيرها من الخطوات البطيئة، أولى معالم سياسة البيت الأبيض حيال تمدد تنظيم «الدولة الإسلامية» وأشباهه في المنطقة. سبق لوزير الخارجية الأميركية جون كيري أن قال قبل أيام إن بلاده لم تبلور إستراتيجية خاصة لهذا الغرض بعد، ثم استفاض قليلاً في شرح مقاربته للمسألة في مقالته المنشورة في «نيويورك تايمز»، من دون أن يوضح الكثير. بيد أن الظاهر من تحركات بلاده وتصريحات مسؤوليها والنقاشات بين نخبها السياسية وفي مراكز أبحاثها، يفيد بتشكل عناوين عريضة لطريقة تعاطيها المرجحة مع الظاهرة الإرهابية الأخطر في العالم. من بين هذه العناوين أنها لا تريد مواجهة مباشرة تتصدرها مع «الجهاديين»، بل تفضل البقاء في خلفية المشهد لإدارته مع بعض الحلفاء، بينما تتوزع أطراف شرقُ أوسطيةٍ عبء الالتحام. هكذا، تضيع مسؤولية دماء التكفيريين بين قبائل الإقليم، وتضيع معها فرصة انتقامهم من طرف محدد، وتصغر تالياً احتمالات وصول الشظايا إلى قلب عاصمة غربية.
ليس لبنان ساحة هامشية في هذه المواجهة، لكنه ليس في متنها بالتأكيد. لذلك، تبدو مسألة الاهتمام بتجهيز الجيش اللبناني للمشاركة في المعركة المنتظرة في أسفل سلم الأولويات. يُضاف إلى ذلك سعي واشنطن والرياض إلى توظيف المواجهة مع «داعش» من أجل لعب الدور الرئيس في تشكيل المرحلة التالية للفراغ الدستوري اللبناني، وهي التي يمكن، نظرياً، أن تفيض عن إتمام الموجبات الدستورية، لتصل إلى حد تعديلها من الأساس.
في هذا الإطار، تخوض المؤسسة العسكرية في لبنان أكثر الامتحانات مصيرية منذ الحرب الأهلية. تُمتحن في ظل تجاذب إقليمي ودولي يرسم لها خطوطاً حمراء تحد من فعاليتها، وغموضٍ يكتنف إستراتيجية الدول الداعية للحملة على «داعش»، وارتباكِ الطبقة السياسية في البلاد أو لا مبالاتها أو رقصها على حافة الهاوية، وتفشٍ لمظاهر التطرف الذي يلبس جلباب تنظيم «الدولة» حيناً ويتستر بـ«النصرة» وسائر التنظيمات «السلفية الجهادية» المشابهة أحياناً، وخللٍ بنيوي يعتور نظامين سياسيين في دمشق وبغداد حيث أصل المعركة، وشرخٍ مجتمعي بطولِ المشرق وعرضه، يحمل في ثناياه هواجس وجودية لدى قطاعات طائفية عريضة.
يحاول الجيش اللبناني، في ظل هذا كله، الالتفاف على الحالة الانتظارية التي فرضت نفسها وقيدت مساحة حركته، فيعمل على تطويق الجماعات المسلحة ومنع تمددها، لكنه يفشل، نتيجة دينامية هذه الجماعات وسرعة أدائها وانضباطها العقائدي ووضوح مستحيلها الذي تراه في مخيلتها ممكناً.
يدفع هذا الأمر قيادة الجيش إلى محاولة خلق دينامية خاصة بها، فتعمد إلى رفع مستوى التواصل مع أجهزة عسكرية عربية تؤرقها تحديات مماثلة. تأتي في هذا الإطار، مثلاً، زيارة وفد منها إلى القاهرة برئاسة قائد الأركان، للتباحث في سبل «التعاون في مجال مكافحة الإرهاب».
غير أن «التنسيق»، وهو مجرد مقدمة للمواجهة وتأطير لها لا أكثر، أعجز عن مجاراة ما تنجزه الأطراف المقابلة التي باشرت خطواتها العملية على الأرض، في إطار تصورات شبه مكتملة.
لقد افتتح «داعش» و«النصرة» وأشباههما معركتهم في لبنان للتو. ورغبتهم تقضي بوضع شروط اللعبة وفرض إيقاعها. مبادلة أسرى الجيش بالموقوفين والمحكومين الإسلاميين في السجون أول العنقود، فيما بقيته مسائل إستراتيجية تتجاوز التكتيك والجزئيات، وتتصل بالتوسع داخل الأراضي اللبنانية وتحويل بعض تجمعاتها السكانية إلى بيئات حاضنة، تسمح بحرية الحركة والتجنيد والوصول إلى منافذ بحرية وفتح جبهات متزامنة.
يقتضي كل ذلك تقويض وجود الدولة أو جعله رمزياً، على أقل تقدير، على امتداد المناطق المستهدفة. «جبهة النصرة» في بياناتها الرسمية لم تخفِ رغبتها بذلك، بل أعلنت الأمر جهاراً، وأكدت أن بنية المؤسسة العسكرية هدف أوليٌ وأساسيٌ لها. غاية «الجبهة» سحب طائفة بأكملها من «الجيش الكافر»، وفرط أبرز مؤسسات الدولة العاملة حتى اللحظة، في ظل الشلل المتمادي والتشظي الكبير الذي يسم سائر المؤسسات. في المقابل، يبدو تنظيم «الدولة» أكثر غموضاً ورغبة بإبراز معدنه الراديكالي، فلا يبدي حاجته إلى اللعب على الوتر الطائفي حتى.
في المعركة المندلعة، تتحرك الجماعات «الجهادية» المسلحة في السياق الإستراتيجي الذي رسمته لنفسها بخفة الأشباح. تذوب في مخيمات النازحين السوريين وتستقطب لبنانيين وجدوا ضالتهم في حلم «الخلافة» الموعودة بعد تعايش قسري لهم مع القوانين الوضعية، أو خيبات أمل من حاضرهم، تتراوح بين الشخصي الخاص والمجتمعي العام.
تبطش، والبطش عنوان حملاتها الدعائية الهادفة إلى جذب الأعضاء وسحر الواهمين بإمكانية الحسم بحد السيف وبدائية الفهم الحرفي لنصوص الدين. وفي حمأة التحريض الطائفي، تستفيد من الغطاء الذي يؤمنه بعض السياسيين المحليين الطامعين برفع رصيدهم في أوساط التشدد، أو المتهيبين من هذه الأوساط بعدما ساهموا في تسمينها.
يجابه الجيش أشباحاً تجد في اللحظة الراهنة فرصة مؤاتية لتغيير التاريخ أو ترك بصمة فيه إلى الأبد، موظفة في سبيل ذلك ذخيرة غيبية غير عاقلة. وفي مقابل هذه الحالة الهلامية، يواجَه تحدي البقاء كبنيةٍ متراصة، بتشكيلات صلبة، وقدرة على الحركة بغطاء سياسي صريح.
ولئن كانت هزيمة الأشباح تقتضي بقاء الجيش جسداً متماسكاً، إلا أن عامل الوقت لا يلعب لمصلحته، ولا الطبقة السياسية أو التجاذب الإقليمي، بل لمصلحة تحلله وتحوله، كما الأشباح إياها، إلى مكونات بدائية أيضاً. على هذا تعوِّل الجماعات «الجهادية» المسلحة، وبعكسه يتمسك مريدو هذه البلاد، والمتمسكون ببقائها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018