ارشيف من :ترجمات ودراسات

كيف نواجه الكارثة العالمية المتمثلة بالاستعمار الغربي منذ القرن الخامس عشر (2/2)؟

كيف نواجه الكارثة العالمية المتمثلة بالاستعمار الغربي منذ القرن الخامس عشر (2/2)؟

نصوص مختارة من كتاب بعنوان
“Wasáse, indigenous pathways of action and freedom”, University of Toronto Press, 2005, second edition 2009.
للدكتور Taiaiake Alfred عضو "أمة الموهوك" في "الاتحاد الإيروكي الهودينوسوني" وأستاذ العلوم السياسية في جامعة فيكتوريا بكندا
مع مقدمة لموقع Résistance 71
عن موقع Résistance 71:
15 آب / أغسطس 2014



"الاستعمار هو رأس جسر لحضارة همجية يمكن في كل لحظة أن ينبثق منها نفي الحضارة "

"ينبغي أن يصار قبل كل شيء إلى دراسة كيفية قيام الاستعمار بإلغاء مدنية الاستعماري. وفي تبهيمه بالمعنى الفعلي للكلمة، وفي جعله منحطاً، وفي إيقاظ ما عنده من غرائز الطمع والعنف والحقد العنصري والنسبية الأخلاقية"

إيميه سيزار (1955)

[...]

إن إعادة بناء نظم المعرفة والأخلاق التي تنبثق عن تلك النظم عند الأونكويهونوي هي المرحلة الأولى التي يجب أن نمر بها لكي نتجه نحو أن نصبح أونكويهونوي في ممارسة حياتنا. فالتعلم بحد ذاته هو نضال. وطريقة التعلم الأونكويهونوية هي طريقة تحول حقيقية. فهي تقوم على الخبرة والملاحظة والممارسة. وعملية اكتساب المعرفة (أي ما نطلق عليه اسم " التربية") هي فعل جذري وفعل تحدّ للواقع المتعارف عليه. وبهذا المعنى، فإن التربية هي ما على أساسه يتحدد المحارب. التربية والتحول عبر اكتساب المعرفة والقدرة والرؤية هما عملية تعلم نشطة، وكل ذلك يترافق مع رغبة عميقة في احترام إكمال دائرة التحول : الملاحظة والتجريب والممارسة والانتقال، من ثم، إلى المعرفة التي تسمح للشخص بأن يكون مرشداً وموجهاً للجيل المقبل.

[...]
إن منطق المصالحة بين شعوب البلدان الاستعمارية والسكان الأصليين هو أمر واضح من حيث هو أمر عادل : دون استعادة شاملة للمجال الجغرافي بما في ذلك استعادة الأراضي والأموال وعائدات الاستثمارات وغير ذلك كتعويض عن الأذى والمظالم المستمرة بحق شعوبنا، فإن المصالحة تظل تجسيداً للمظالم الاستعمارية، إضافة إلى كونها -هي نفسها- ظلم إضافي. إن التجاهل شبه التام من قبل المستعمرين للوقائع الحقيقية المتعلقة بالعلاقة بين شعوبهم وبين الأونكويهونوي، وإنكارهم المتعمد للواقع التاريخي، يطمسان كل إمكانية للنقاش الذكي الهادف إلى مصالحة حقيقية...
من هنا، ومن خلال النظر إلى المشكلة والوقائع الفعلية على المدى الطويل، نجد أن ما يطلق عليه المجتمع الاستعماري اسم "المشكلة الهندية" يتحول إلى قضية نضال بين الحق والباطل من أجل إقامة العدل بشكلة الأكثر جذرية. هنالك شيء قد تمت سرقته، وهنالك أكاذيب قيلت، ولم يتم أي تصحيح لهذا الوضع. ذلكم هو برأيي الأساس الحقيقي للمشكلة.

كيف نواجه الكارثة العالمية المتمثلة بالاستعمار الغربي منذ القرن الخامس عشر (2/2)؟
الاستعمار الغربي


علينا أن نفكر باستعادة أراضي أجدادنا كمرحلة أولى نحو تحقيق عدل حقيقي وإقامة مجتمع أخلاقي بعيداً عن هذه العنصرية غير الأخلاقية التي تشكل الأساس في قيام هذه المجتمعات الاستعمارية. ما جرت سرقته يجب أن يعاد إلى اصحابه. ويجب الاعتراف بالجرائم التي ارتكبت والتي مكنت المستعمرين وعائلات المستعمرين والمهاجرين الأحدث عهداً من أن يكونوا مواطنين أصحاب امتيازات في هذه البلاد الاستعمارية. كما يجب الاعتذار عن هذه الجرائم.
عندما نقول للمستعمرين :"أعيدوا"، هل يعني ذلك أننا نطلب إليهم أن يغادروا البلاد ويذهبوا إلى مكان آخر؟ لا، بالطبع. فاستعادة كل شيء لم تكن على الإطلاق واردة عند شعوبنا. عندما نقول لهم : "أعيدوا إلينا ما سرقتموه منا"، فإننا نطلب إلى المستعمرين أن يحترموا ما نحن شركاء فيه، أي الأرض وخيراتها. نطلب إليهم أن يجعلوا الوضع أفضل مما هو عليه عبر أعادة حقنا في الكرامة والحرية، وأن يعيدوا الينا السلطة (السياسية والاجتماعية) وما يكفي من الأراضي التي تسمح لنا بتحقيق اكتفائنا الذاتي.

ملاحظة من مترجم النص الانكليزي : بعد هذا، يقوم آلفريد بتحليل سياق النضال من أجل الاعتراف التاريخي وإمكانية التوصل إلى مصالحة حقيقية بين المستعمرين والأونكويهونوي. وهو يصوغ في هذا المجال مفهوماً يلتقي بشكل كامل مع مفهومنا ومع الأسباب التي تجعلنا نشعر بأننا متفقون إلى حد بعيد جداً مع التحليل والحلول التي يقدمها آلفريد... نعود إذاً إلى متابعة آلفريد :

[...]

"الوجه الآخر للمشكلة هو وجه منهجي : لا يمكن لاسترجاع الحقوق والمصالحة أن يحدثا بشكل تام إلا من خلال النقاش والدخول في عملية نضال بناء مع الدولة والمجتمع الاستعماريين بالتوازي مع انبعاث السكان الأصليين وإظهار امتلاك الأونكويهونوي للسلطة في الدوائر السياسية والاجتماعية. ذلكم أنه من غير الممكن في آن معاً تغيير المجتمع الاستعماري من داخل مؤسساته، أو التوصل إلى إقامة العدل والتعايش السلمي دون إدخال تغيير أساسي على مستوى المجتمعات الاستعمارية نفسها. وبكلام أكثر بساطة، فإن المؤسسات والشركات الامبريالية التي تعمل من وراء قناع الدولة-الأمة الديموقراطية والليبرالية تظل عاجزة عن إقامة علاقات عادلة وسلمية مع الأونكويهونوي. ولا يمكن لأي تغيير أن يحدث إلا عندما يتم إجبار المستعمرين على الاعتراف بأنهم مستعمرون، وعلى الاعتراف بما فعلوه وبما ورثوه. عندها فقط، سيكون بإمكانهم ألا يتصرفوا كمستعمرين ويصبح بإمكانهم أن يلتزموا مع الآخرين على أساس من الاحترام والإنسانية".

[...]

"اعتبرنا قبل كل شيء أن قوة الشكيمة والوضوح هما عنصران أساسيان في عملية تجديد أنفسنا فردياً وجماعياً كشعوب تسعى إلى إحياء تحرك حقيقي وفاعل من أجل العدل في التعامل مع السكان الأصليين. علينا الآن أن نتوجه نحو عنصر أساسي آخر هو التحفيز في الالتزام. ما هو معنى التحفيز في الالتزام؟ إنه قوة داخلية تقوم على المثابرة والصلابة والتصميم الذي لا يتزعزع. تلك هي سمات شخصية الأفراد والجماعات التي تمكنت من تحقيق النجاح في تغيير أنفسهم، وعلى مستوى محيطهم وخصومهم. وهذا النجاح يعكس تحفيزاً قوياً جداً للكفاح من أجل الحقيقة التي تشكل العمود الفقري لكل حركة تغيير سواء كان ذلك على المستوى الشخصي أو المجتمعي. والحقيقة أن الأونكويهونوي قد برهنوا على امتلاكهم لصلابة تفوق التصور ولشجاعة كبيرة أقله عندما تمكنوا من البقاء أحياء بعد كل ما تعرضوا له من هجمات خبيثة قامت بها القوى الاستعمارية التي استهدفت كرامتهم وحتى فكرة وجودهم طيلة الـ 500 عام المنصرمة.

لا بد إذاً من أن ننتبه جيداً، إذ في ظروف غياب إزالة الاستعمار الذهني والروحي، يظل كل جهد تنظيري أو هادف إلى صياغة أنموذج علائقي "جديد" بين الأونكويهونوي والمستعمرين غير منتج على مستوى العمل من أجل إقامة العدل وتحقيق النجاح على المدى البعيد في علاقة التعايش السلمي بين شعبينا. وقد بات من البديهي أيضاً، وهذا ما تظهره مراقبة عمليات إزالة الاستعمار (المفترضة) التي قامت بها البلدان الاستعمارية، والتي لم تكن في الواقع غير توهمات خيالية لتحرير لم يفعل غير التعتيم على الوقائع المرة الناشئة عن استعمار ما يزال قائماً بقوة... بات من البديهي أن التغييرات البنيوية التي يتم التفاوض بشأنها داخل النسق الثقافي الاستعماري لا يمكنها إلا أن تؤدي إلى تعزيز أسس الظلم السياسي والاجتماعي. فالحقيقة أن هذه العمليات لم تسفر إلا عن إصلاحات لا تعدو كونها تغييرات مزعومة على مستوى بنى السيطرة القائمة.

[...]


ملاحظة من مترجم النص الانكليزي : فيما يلي نص مقابلة بين آلفريد وكل من خوان وستيوارت فيليب المنتميين إلى أمة " أوكاناغان" والقياديين في "اتحاد الزعماء الهنود في كولومبيا البريطانية" (كندا)، حول موضوع "السيادة" وعقلية "المحارب" عند السكان الأصليين.

رداً على السؤال : "ما الذي يعنيه برأيكم أن يكون الشخص محارباً؟"، أجاب خوان فيليب بقوله : "هنالك ميزات أساسية أربع يجب أن يتمتع بها المحارب : حماية الأرض، حماية الشعب، حماية الروحانية، حماية الثقافة. وهذه الأخيرة تشتمل على حماية اللغة. معنى أن يكون الشخص محارباً، قائداً، هو بالنسبة لنا أن يكون قادراً على حماية هذه السمات المقدسة. وهذا ما تركه لنا الأجداد على مر العصور".
ثم طرح سؤال ثان: "هل تعتقد أن حل مشكلاتنا كسكان أصليين يمر بالنضال العالمي من أجل العدل الاقتصادي؟". وأجاب عليه خوان فيليب بقوله : "نعم بالتأكيد. ومن هنا، علينا، نحن الشعوب المكونة من السكان الأصليين في أميركا الشمالية، أن نطور علاقاتنا بشعوب العالم الثالث. عندما كنت في شياباس (المكسيك)، لاحظت أن القانون المكسيكي الذي يمنع الهنود من تملك الأراضي بشكل جماعي هو نفسه القانون الذي يحاولون تمريره هنا... بهدف إفساح المجال أمام بيع الأراضي وإعادة بيعها وتوزيعها على شكل ملكيات خاصة".
ستيوارت فيليب : "نحن بحاجة إلى ثورة حقيقية تنطلق من القاعدة في هذا البلد (كندا)، نحن بحاجة إلى نشاط دفاعي فعال".


[...]

كل عمل سياسي واقتصادي هو في نهاية المطاف وسيلة لتحقيق الحرية والسعادة التي نجدها في الحرية. أما مصادر الحرية فهي المواقف والأفعال. أقصد بذلك أفعالاً من نوع معين، من نوع ينعش الغيرية والتكامل عند الكائن. ومثل هذه الأفعال هي في صميم الحياة الثقافية عند السكان الأصليين بقدر ما ترفض التعريفات المادية والفردية للحرية والسعادة، وبقدر ما تكون قادرة على تكوين أمة تتكامل داخلها حياة الأشخاص الفردية في الهويات والتجارب المشتركة التي يتشكل منها الوجود الجماعي.

[...]

لقد تم تجاهل الرابط بين الجانب الروحي والعمل السياسي المتكامل والناجع في السياسة المعتمدة من قبل السكان الأصليين في الحقبة المعاصرة، حيث لا تزيد اللعبة السياسية عن كونها تنافساً من أجل السلطة التي تتحدد على اساس المال والنفوذ داخل النظام الاستعماري.

[...]

ملاحظة من مترجم النص الانكليزي : ثم طرح آلفريد أربعة أسئلة لا بد من طرحها عندما يكون الهدف هو تحفيز رغبة حقيقية في التغيير عند الناس. وهذه الأسئلة موجهة إلى السكان الأصليين. ولكن من المهم أن نشير هنا إلى مدى انطباقها على شعوب البلدان الاستعمارية لأن العدوى الإيديولوجية الاستعمارية سارية، بكل بساطة، على الأكثرية الساحقة من الناس، ما يضع الجميع في حالة خضوع مشؤوم إذا لم نقل بأنه يفعل فعل السم. ها هي الأسئلة الأربعة :

- كيف يمكن إقناع الناس بالحاجة إلى النضال كسبيل للخروج من الاستلاب والألم وشظف العيش بما هي أمور تحكم حياة الكثيرين؟
- ما الذي ينبغي فعله لكي يتصرف الناس وفقاً لمعارفهم ومعتقداتهم؟
- كيف يتم التقييم الصحيح للحركات الناشطة على الأرض بشكل يكون هذا التقييم منتجاً لأفكار صحيحة ومحدداً لأهداف واضحة وغير معقدة وقابلة للتحقيق؟
- ما الذي ينبغي فعله لدفع هؤلاء الناس إلى العمل مع بعضهم البعض ومع غيرهم من أبناء أممنا؟

ملاحظة من مترجم النص الإنكليزي : ثم يحاول آلفريد الإجابة عن هذه الأسئلة... وينبغي القول إن تلك الإجابة يمكن أن تنطبق على الشعوب التي مسحت أدمغتها في بلدان الغرب. فالواقع أنه ينبغي علينا، نحن تلك الشعوب، أن نطرح الأسئلة ذاتها وأن نعمل من أجل الحلول ذاتها. ومن هنا نقول عالياً وبقوة إن مصلحتنا المشتركة في التخلص من الإمبريالية والاستعمار اللذين يسممان فكر وحياة 95 بالمئة من شعوب العالم منذ القرن الخامس عشر تلتقي مع مصلحة السكان الأصليين في أميركا وغيرها، وإن تحالفنا المبرمج تاريخياً والقائم على تلك المصلحة لا يقود إلى إسقاط جميع "الحكومات الرديئة" ذات الهيكليات الشمولية وحسب، بل يشكل أيضاً حاضنة لعصر سياسي واجتماعي جديد فوق هذه الأرض-الأم، حيث سيسود التضامن والمساواة والعدالة الاجتماعية والعيش المشترك في ظل سعادة تحمل إلينا التحرر والخلاص.

[...]


ما هو أكثر إلحاحاً هو التركيز على إعادة تعريف الهوية وتجديد النظرة إلى العالم، ومعرفة كيفية العمل من أجل تغيير هوياتنا الشخصية والجماعية، وتوليد أفكار جديدة حول أنفسنا (حول ما نفعله وحول ما ينبغي علينا أن نؤمن به)، وحماية هوياتنا الجديدة من الصدمات التي لا بد وأن تتعرض لها، وضد الهجمات التي ستشنها الدولة بالتأكيد. وكل ذلك يدخل في إطار تحديد وقت المواجهة وكيفية القيام بها.

[...]

لا يمكننا أن نأمل بإحداث أي تغيير من خلال أعمال التمرد العنيفة ضد الدولة. فمفهوم الثورة القائمة على العمل ضد الدولة لم يفض إلا إلى استبدال نظام قمعي بنظام من طبيعة مشابهة. إننا بحاجة إلى روزنامة فاعلة وغير قائمة على رد الفعل من أجل إحداث تغيير فعلي. إن العالم الفرنسي في مجال السياسة، جيرار شاليان، الذي عايش الحركات الثورية في العالم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وكتب عنها بشكل رائع، حدد بشكل أكثر روعة الهدف الثوري الحقيقي بأنه " تحدٍّ لخرافات الدولة-الأمة، ولقداسة العمل [في ظل الرأسمالية]، وللخضوع للسلطة، ولدجل الجماعات والأحزاب التي تدعي امتلاك الحقيقة، أي باختصار، غربلة جميع المعتقدات السائدة لعزل جميع الأكاذيب الماثلة في أساس الكثير من أشكال القبول الطوعي بالعبودية".
إن الروح الحقيقية للثورة ليست في التوق إلى تحطيم أو إسقاط البنى الاستعمارية واستبدالها ببنى أخرى، بل هي صلاة لروح الحرية واندفاعة نحو الانفصال المادي والروحي عن حالة القبول بالعبودية تحت ضغط الخطر والخوف، للبدء من ثم بالعمل من أجل تكوين الرؤية والفهم لتوليد هوية جديدة وعلاقات تتجاوز الصياغات الثقافية والضرورات السياسية التي تروج لها الدولة الإمبريالية. إنها العمل من أجل أن تكون حراً.

أما الإجابة عن السؤال المتعلق بتحريك الناس باتجاه التغيير، بدءاً بأنفسهم وحياتهم وبوجودنا الاجتماعي فهي التالية :
تولد الرغبة عند الناس بإجراء التغيير عندما يبدأون بإدراك أنهم لن يصبحوا أحراراً ولن يتخلصوا من مسببات آلامهم وشقائهم إلا عبر النضال ضد الاستعمار. إن مفتاح المسألة هو في إعادة موضعة الثورة بما هي تحد دائم للقذارة الامبريالية ولما ترتكبه من تجاوزات نوعية، وذلك بهدف إجبارها على الكف عن التحكم بحياة الناس، وهذا يقدم الدليل على أنها يمكن أن تهزم بما هي نظام متكامل. علينا أن نطرد الامبريالية والاستعمار من الفضاء الذي نعيش فيه لتحويل هذا الفضاء إلى شيء مختلف عما كان يراد له أن يكون في ظل الامبريالية. وبهذا المعنى، فإن الثورة تعيد خلق الحرية وتهدف إلى إنهاء حالة الإذلال على مستوى الهويات التي لم تصنع إلا لخدمة هويات الآخرين.
من المستحيل إسقاط الترسيمات العسكرية والسياسية للسلطة القائمة في المجتمع الحالي دون تحول روحي يحطم دورة العنف الذي ينشأ كرد لا بد منه على العنف الذي تمارسه الدولة. فإذا كان الهدف هو ضرب سلطة النظام القمعي بكليتها، فإن أي تحد قائم على هذا الأساس محكوم عليه بالفشل. أما إذا تخلينا عن ذلك وحاولنا إيجاد شكل آخر للتحدي من خلال إعادة انبعاث وجودنا الخاص في وجه الخطابات الكاذبة عن سلطة النظام القمعي وشرعيتة وسيادته، فإننا لا يمكن أن نفشل وسيكون بإمكاننا أن نجبر الدولة على تغيير نفسها بنفسها.

[...]


إن الحركة الثورية، وحركات المعارضة لسلطة الدولة، والعمل الهادف إلى الدفاع عن الحقيقة... كل ذلك هو في صميم النضال ضد الامبريالية والاستعمار.
وعلى هذا يكون النضال مؤشراً على شعب، على أمة مضطهدة يخفق قلبها رغم ظروف الهيمنة الاستعمارية. وهو أيضاً معبر عن حياة الشعوب التي يتعرض وجودها للإنكار رسمياً. أما ضعف عملية انبعاث السكان الأصليين المعارضين للدولة، فهو مؤشر على الخضوع للفكرة الاستعمارية غير الصحيحة عن كوننا قد هزمنا.
علينا، في الوضع الاستعماري المصمم من قبل قوى التعطيل والاستهلاك والذي تتحكم به تلك القوى، أن نناضل من أجل كل ما هو ثمين بالنسبة لنا أو من أجل كل ما يسرقونه منا ويستخدمونه لمصلحة الآخرين. علينا أن نناضل وأن نتوقف عن الكلام، لأن الكلام مع قوى السلطة لا يفيدنا بشيء إذا كان الكلام غير مرتبط بمصادر القوة السياسية والاقتصادية والروحية المنظمة والمنسقة بالشكل الذي يضغط مباشرة على السلطة الاستعمارية. إن الثقافة سلاح قوي شرط أن تدخل في إطار النضال وتكون منظمة بحيث تشكل قوة تتآزر مع سياسة المقاومة والتحدي.

[...]


إن العلاقة واضحة بين البحث الفلسفي والاعتبار العملي المتصل بالصياغة التكتيكية. فالسلطة تنبع من شرعية قائمة على الاحترام الذي يعبر عن نفسه من خلال أخذ الآخر بعين الاعتبار. فمن أجل زعزعة السلطة القائمة، لا بد من صيغة مضادة هي عدم الاعتراف بشرعية النظام عبر ازدرائه واحتقاره والسخرية منه. إن حجر الزاوية الذي يقوم عليه نظام ما هو الشرعية والاحترام اللذان يلتزم بهما الخاضعون لذلك النظام. من هنا، فإن عدم الاعتراف بشرعية النظام يمر بأقصى ما يمكن من العمل السياسي الأكثر جذرية.

ملاحظة من مترجم النص الإنكليزي : علينا أن نلاحظ، نحن شعوب البلدان الاستعمارية، أن كل ما ورد أعلاه قابل للتطبيق علينا، نحن الشعوب الخاضعة للاستعمار من الداخل. ذلكم أن القلة الحاكمة عندنا ما كان لها أن تنجح في السيطرة على العالم طيلة القرون المنصرمة لولا حصولها على إقرار بصحة نموذجها القائم على الهيمنة من خلال هيمنتها على شعوبها بالذات، أي علينا نحن بالدرجة الأولى. وقد توصلت إلى ذلك عبر فرض هيمنتها الثقافية الاستعمارية عبر معتقداتها العنصرية الخاصة بالاجتماع البشري والمضادة بعمق لكل ما هو اجتماعي. إن إطار التفكير والعمل الذي يقترحه البروفسور تاييآكي آلفريد يمكن تكييفه واستخدامه من قبلنا، نحن شعوب الغرب الرازحة تحت ثقل الإيديولوجيا المهيمنة والاستعلائية التي لا يمكنها استعباد الآخرين إلا إذا بدأت باستعباد شعوبها.

بهذا المعنى، نكون جميعاً خاضعين للاستعمار وتكون معركة السكان الأصليين في القارة الأميركية وأستراليا والولايات المتحدة ونيوزيلندا وفلسطين هي أيضاً معركتنا أكثر مما قد نظن. وإذا كانت هذه المعركة تتميز بالاختلاف في بعض التفاصيل، فإن الوضع العام القائم على الاستكبار والاحتقار والقمع هو نفسه بالنسبة للجميع.

وأخيراً لا بد لنا من أن نقول ونكرر القول بأن مستقبل البشرية يمر بالتحالف القائم على المصلحة المشتركة بين الشعوب الخاضعة للاستعمار وشعوب البلدان الاستعمارية. شعوب تتخلص من العبودية وتتضامن وتعيش بحرية وبشغف في أن تعيش جنباً إلى جنب داخل نظام سياسي واجتماعي جديد.
2014-09-04