ارشيف من :أخبار لبنانية
الجيش الإسرائيلي يحزم حقائبه!
صادق النابلسي - صحيفة "السفير"
حرب غزة الثالثة، كما يحب البعض تسميتها، نشبت استناداً إلى دافعين جوهريين، الأول يرتبط بسياسات ترميم وتدعيم القدرات العسكرية الإسرائيلية، بالتأكيد مجدداً على مفهوم القوة الصلبة بوصفها الطريق إلى تحسين تدابير بناء الثقة، التي تراجعت إلى مستويات باتت تهدد أسس الكيان الإسرائيلي وأصل وجوده. والثاني يتعلق بموازين القوى الإقليمية والتي عكسها الصراع في سوريا، وفرضتها التوترات الطائفية في العراق التي أدّت بدورها إلى سيطرة «داعش» على الموصل وتهجير آلاف المسيحيين. كما وحدّدت ملامحها الاستدارة المصرية التي جعلت مصر تبحث عن منطق آخر في التعامل مع القضية الفلسطينية يتناسب وخلافها الحاد مع «حماس» «الإخوانية»، وانشغال «حزب الله» بحرب ضروس منهكة على أرض ليست له.
لقد اختار نتنياهو توقيتاً ظنه مناسباً من الناحيتين الداخلية والخارجية. اعتبر أنّ تموز غزة يختلف من جهة الظروف والأسباب والمعطيات عن تموز لبنان. العرب منشغلون بفتنتهم الكبرى من الخليج إلى المحيط، يدفعون عجلة التقسيم بسرعة مجنونة عن طريق زيادة الإيقاع في طقوس العنف. المصريون جيران الغزيين أوصدوا الأبواب وانسحبوا بهدوء إلى مشاكلهم الخاصة. «حماس» في حالة إرباك بعد سقوط حليفها الأبرز محمد مرسي بالضربة القاضية، وفي وضع مأزوم بعد اشتباك لم يفضّ مع إيران و«حزب الله» على خلفية الأزمة السورية. روسيا مقاطَعَة ومعاقَبة من أوروبا إثر الأزمة في أوكرانيا، وإيران مهمومة بتفكيك العُقد حول برنامجها النووي.
أما في الداخل الإسرائيلي، فالجيش على استعداد للعودة إلى ميادين القتال بعد سلسلة كثيفة من المناورات الاستراتيجية التي بلورت نتيجة نهائية مفادها: «نحن قادرون على سحق الأعداء!».
لكن سياق الحرب وتتابع الأحداث أظهرا أنّ نتنياهو وقع في مصيدة أوهامه. والجيش خدع نفسه والطبقة السياسية معه عندما أعطى لنفسه تقييمات إيجابية، ففشل في إعادة الاعتبار لهيبته بواسطة عملية خاطفة وهو الذي يملك أمضى الأسلحة، وفشل في السيطرة على تفاعلات الصراع وحصرها في نطاق محدد، وفشل في الانتقال من المأزق إلى المخرج.
لقد أحدثت الحرب شيئاً لم يكن منتظراً. ظهر الجيش في أسوأ مشهد وأتعس حالة لجهة الحافز والأداء وتحقيق الأهداف. قوات مشلولة. دروع كالصفيح. وعجزٌ عن التقدم أمام قوة نيران تنطلق من أماكن متحركة ومجهولة. وقيادة مأخوذة ومفاجأة بما يجري على أرض الميدان. فما رأته كان أبعد الأشياء عن تقديراتها وتصوراتها. وشكل التنادي الواسع للحرب بدعوة الاحتياط للجيش بعد أيام قليلة على بدء عملية «الجرف الصامد» صدمة للمجتمع الإسرائيلي الذي كان يتهيأ لنصر حاسم يحقق أمناً طويل المدى ويعكس حقائق الظروف المتغيرة في المنطقة التي يُفترض أن تصبّ جميعها لمصلحة «إسرائيل».
تبيّن أنّ هناك تغييراً مهولاً في طبيعة قوة المقاومة وهو الأمر الذي فرض على الجيش الإسرائيلي تغييراً فورياً في طبيعة قوته وموارده البشرية واللوجستية تداركاً لما هو أفدح.
فقد ذكرت القناة العاشرة في استطلاع أجرته أنّ 47 في المئة من الإسرائيليين يعتقدون أن جيش الاحتلال والمستوى السياسي لم ينجحوا في تعزيز الأمن لسكان الجنوب، وأنّ 30 في المئة وجدوا أنّ الأمن انخفض بقوة. في وقت أقرّ «شاؤول موفاز» وزير جيش الاحتلال ورئيس أركانه الأسبق، بفشل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ونجاح المقاومة بجر الاحتلال إلى حرب استنزاف. ولأنّ النصر لم يعد له موضوع سوى الدمار الشامل والضحايا الأبرياء، ذهب الصحافي الإسرائيلي المتخصص في الشؤون الأمنية، رونين برغمان للقول: «بحساب الجثث «إسرائيل» ربحت وبحساب الإنجازات المقاومة ربحت».
في الحصائل، لم تكن حرب غزة الثالثة مغامرة ولا غواية، كانت العملية محسوبة بدقة من الناحيتين السياسية والاستراتيجية، لكن الجيش لم يكن يعلم أنّ ساحة الصراع قد تغيّرت إلى هذا الحد. أخطأ في التحليل وتقييم المعلومات وتقدير الموقف السياسي من أزمات المنطقة بما فيها الذي جرى قبيل الحرب في الموصل من هزيمة صاعقة لمحور المقاومة، بحيث ظن أنّه يصعب على المحور تفسيرها والرد عليها بالسرعة الكافية على جبهة غزة. في الحقائق النفسية والدلالات الاستراتيجية، يعيش الجيش مأزقاً من أصعب ما تعرّض له في تاريخه. مأزق انطوى كالعادة على شيء من الغباوة على مستوى التوقع السياسي وعلى أشياء من الغرور على مستوى القيادة العسكرية حين وافقت على عملية بهذا الحجم وهي مستغرقة بأحلام اليقظة لا بحقائق وموازين القوى المحتملة. الحرب أنهت بشكل قاطع ونهائي إحساساً تاريخياً بالتفوق، ولا شك في أنّ مرحلة جديدة بدأت مقدماتها بتطوير المقاومة خياراتها العسكرية وهذه المرة على أرض الضفة الغربية بعدما أوحى إلى ذلك مرشد الثورة الإيرانية في أحد مواقفه. المهم في هذا كله ما يبدو الآن من تقدّم صادم للمقاومة الفلسطينية قلب كل التوقعات، ووسط كل هذه التحولات والتحديات نجح محور المقاومة أن يطبق مقولة لينين ببراعة وحذر: «خطوة الى الوراء.. خطوتان الى الأمام»!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018