ارشيف من :أخبار لبنانية
عباس مدلج .. لأجل لبنان
انشغلت الصحف اللبنانية الصادرة صباح اليوم، بالجريمة البشعة التي ارتكبها "داعش" بذبحه العسكري اللبناني المخطوف عباس مدلج. ففي حين استبعدت الصحف أي حلحلة قريبة للموضوع، رأت أن مفاوضات الحكومة قد تأخذ المزيد من الوقت، غير مستبعدةٍ لجريمة ذبح ثالثة قريباً.

صحيفة "السفير"
بدايةً مع صحيفة "السفير" التي كتبت أن "لبنان بلا رئيس للجمهورية لليوم السابع بعد المئة على التوالي". واضافت "ولبنان تحت «سكين» خاطفي العسكريين، يحاول مع كل بيان او فيديو يصدر عنهم، ان يتفادى الفتنة او يؤجلها على الأقل.
بعد استشهاد علي السيد الذي كاد يهدد بتداعيات وخيمة العواقب، جاء استشهاد عباس مدلج على يد «داعش» ليضع البلد، للمرة الثانية خلال ايام قليلة، امام اختبار صعب وخطير، تطلَّب تجاوزه جهداً كبيراً، بعدما سُجل العديد من حوادث الخطف وقطع الطرق في البقاع والضاحية والجنوب، بالتزامن مع التضييق على النازحين السوريين في أكثر من منطقة.
مرة أخرى، وجد اللبنانيون أنفسهم على حافة هاوية الفتنة، قبل ان ينجح العقلاء في استدراك الموقف، وأولهم ذوو الشهيدين العسكريين، على قاعدة ان الارهاب يستهدف الجميع، وبالتالي فإن المواجهة يجب ان تكون ضده حصراً، بشراكة الكل، ولا يجوز تحويرها لتصبح بين السنَّة والشيعة، او بين المسلمين والمسيحيين، او بين الحكومة وأهالي المخطوفين.
وفيما كانت مظاهر الغضب والاحتجاج تعم الشارع بأشكال مختلفة في أعقاب شيوع نبأ استشهاد مدلج، كانت قنوات الاتصال تُفتح على أكثر من خط، سعياً إلى محاصرة الفتنة المتسربة من جرود عرسال.
وعلمت «السفير» ان اتصالات جرت بين رئيس الحكومة تمام سلام ووزير الداخلية نهاد المشنوق من جهة ومعاون الأمين العام لـ«حزب الله» حسين الخليل ومسؤول «وحدة الارتباط والتنسيق» وفيق صفا من جهة أخرى، لضبط ردود الفعل بعد إعلان «داعش» عن ذبح الجندي الشهيد مدلج.
وفي المعلومات، انه كان هناك توافق على ان مخطط «داعش» يرمي الى إيقاع الفتنة بين الشيعة والسنة، وبالتالي لا بد من إجهاض هذا المخطط. وقد تبلغت قيادة «حزب الله» ان الحكومة بكل أطيافها واعية لهذا المشروع الخطير الذي لن يُسمح له بالمرور.
وعُلم ان «حزب الله» تدخل بقوة في المناطق التي تتأثر بنفوذه لمنع تطور ردود الفعل الشعبية الغاضبة على نبأ استشهاد مدلج، وهو بذل جهداً على الارض لضبط النفوس المحتقنة وإطلاق سراح مخطوفي لحظات الغضب، وحماية النازحين السوريين. وقد تواصل الحزب مع عائلة الشهيد مدلج ومع العائلات في البقاع لتهدئة الوضع والحؤول دون تطوره نحو الأسوأ.
وكما كان والد الشهيد السيد نموذجاً للحكمة والوعي وسط براكين الغضب، هكذا كان والد الشهيد مدلج الذي عض على الجرح وأظهر قدراً عالياً من العقلانية والمسؤولية في أصعب الأوقات وأقساها، ما ساهم في تبريد الانفعالات.
ولأن خطر الارهاب لا يميز بين ضحاياه، سُجل في العديد من المناطق الشمالية، لا سيما في القلمون، تعاطف عابر للجغرافيا والمذهب مع الشهيد مدلج وعائلته، إذ أقيم مجلس عزاء عن روحه وقُطعت الطرق في القلمون لبعض الوقت تعبيراً عن هذا التعاطف الذي بلغ صداه والد الشهيد في المقلب الآخر من الوطن، فاتصل ببعض فعاليات المنطقة شاكراً تضامنها ومؤكداً ان الجميع واحد في مواجهة الإرهاب.
لقد اتحدت دماء علي السيد وعباس مدلج اللذين أصرَّا على ان يترافقا في الشهادة كما ترافقا في المؤسسة العسكرية، فأعطيا كل من يهمه الأمر درساً تطبيقياً في الوحدة، لعله أبلغ من كثير من الكلام السياسي المتدفق.
ومع ذبح مدلج، تُطرح الأسئلة الآتية:
كيف يقتل «داعش» مخطوفاً جديداً، في وقت تستمر وساطة الموفد القطري، السوري الجنسية؟
هل يصح التفاوض على حد السكين، وأين مصداقية الوسيط الذي تربطه بـ«داعش» و«النصرة» صلة، تؤهله للدور الذي يؤديه؟
هل المقصود هو التفاوض بالدم، كما قال رئيس الحكومة أمس، في محاولة لفرض التنازلات على الدولة؟
ومتى ستُستخدم أوراق القوة التي أكد تمام سلام أن الدولة تملكها، وهل يجب انتظار سقوط المزيد من الشهداء ذبحاً قبل البدء باستعمالها؟
وفي هذا الإطار، قالت مصادر مطلعة لـ«السفير» إن من بين أوراق القوة التي يجري التلويح باستعمالها في حال استمر إعدام العسكريين، عزل جرد عرسال عن البلدة بشكل نهائي وقطع الإمدادات عن المسلحين، وتنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق موقوفي «فتح الإسلام».
ونقل متصلون بالرئيس سلام عنه قوله إن هناك شيئاً جدِّياً على مستوى التحرك القطري لمعالجة ملف المخطوفين، لافتاً الانتباه الى ان الدوحة أبدت استعداداً للتعاون والمساعدة، لكن الموضوع شائك وطويل، وهو لا يتعلق فقط بعسكريين بل ببلدة لبنانية تحولت الى رهينة.
وأبلغ وزير الداخلية نهاد المشنوق «السفير» ان هناك موفداً من قطر يتولى إدارة التفاوض مع الخاطفين، لكن جنسيته غير قطرية. وعما إذا كانت الدولة اللبنانية قد تلقت مطالب واضحة من الخاطفين، أوضح أن المطالب قيد التبلور، متوقعاً أن تطول هذه القضية بعض الشيء.
وأكد ان الاتصالات مفتوحة مع قيادة «حزب الله»، وفي كل الاتجاهات، لضبط التوترات والانفعالات في الشارع، مشيراً إلى اتصالات حصلت في هذا السياق مع معاون الأمين العام للحزب حسين الخليل، ومسؤول «الارتباط والتنسيق» وفيق صفا، ما ساهم في تهدئة النفوس وضبط الارض.
وأوضح انه جرى خلال المشاورات مع «حزب الله» التشديد على ضرورة منع الفتنة، لأن الخاطفين لا يريدون سوى الفتنة. وحول ما إذا كان خائفاً من الآتي، قال: لست خائفاً، لكنني قلق، وسنظل نبذل كل المساعي لمنع الانزلاق الى المحظور.
وقال النائب وليد جنبلاط لـ«السفير» إنه لا يتخوف من انزلاق الى الفتنة، تحت وطأة جرائم الذبح التي ينفذها «داعش» بحق الجنود اللبنانيين المخطوفين، لافتاً الانتباه الى ان «هؤلاء الجنود هم أبناء المؤسسة العسكرية قبل الانتماء المذهبي، وهم معرضون للخطر أثناء قيامهم بواجبهم، ونحن حريصون عليهم ويجب بذل كل المساعي لاستعادتهم، إنما على قاعدة المفاوضة لا المقايضة».
وأوضح ان زيارته الى مصر كانت مفيدة وغنية، لافتاً الانتباه الى انه عقد جلسة فكرية عميقة مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل بحضور العديد من الشخصيات المصرية، «وقد خرجتُ من هذه الجلسة بأفكار جديدة سأعكسها في مقالتي اليوم في جريدة الأنباء».
صحيفة "النهار"
بدورها، رأت صحيفة "النهار" أنه "لم ينجح لبنان الرسمي حتى الساعة في اتخاذ قرار حاسم في شأن نوع التفاوض لاطلاق العسكريين المخطوفين، بعدما استشهد اثنان منهم على يد تنظيم "داعش"، لكن لبنان الشعبي نجح حتى اليوم في تجاوز الفتنة الداخلية التي تدفع اليها الحوادث الامنية بعدما تسارعت وتيرتها في عطلة نهاية الاسبوع مع اعلان التنظيم ذبحه الجندي في الجيش اللبناني عباس مدلج، وتعرض دورية لمخابرات الجيش مساء السبت لإطلاق نار من ثلاثة مسلحين كانوا على متن دراجة نارية عند المدخل الرئيسي لبلدة القاع.
وردّت الدورية على مصدر النار فقتل أحدهم وهو سوري وجرح آخر نقل الى "مستشفى الهرمل الحكومي" فيما أوقف الثالث وهو لبناني وصادرت الدورية الأسلحة المستعملة.
وإثر اعلان نبأ استشهاد الجندي مدلج، قطع عدد من الشبان في مختلف المناطق طرقا وأحرقوا اطارات، واقيمت حواجز لمسلحين ملثمين في منطقة بعلبك، وانقطع الاتصال مع مواطنين من عرسال يرجح انهما خطفا، فيما لجأ البعض الى تهديد مخيمات للسوريين، مما استدعى انتقال عدد من اللاجئين الى مناطق ذات أكثرية سنية.
ومع نشوب حروب مذهبية افتراضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، استبقت عائلة الجندي الشهيد المواقف الرسمية الاستيعابية للحال المتوترة، بإصدارها بيانا دعت فيه الى تجنب الفتنة والثأر، واعتبرت نجلها شهيد الوطن، وأبدى والد الجندي مدلج، وهو جندي متقاعد، استعداده للتطوع مجددا في الجيش والذهاب الى الصفوف الامامية حيث خطف نجله.
هذا الوضع المتوتر دفع خلية الازمة الوزارية الى اعتبار نفسها في حال انعقاد دائم، وعقدت اجتماعا برئاسة الرئيس تمام سلام في دارته، قبل ان يخرج رئيس مجلس الوزراء برسالة متلفزة الى اللبنانيين، لم تتضمن جديدا في موضوع التفاوض في شأن العسكريين، في ما عدا تأكيدها غير المباشر للوساطة القطرية، اذ شكر سلام أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
وعلمت "النهار" من مصادر وزارية أن التطورات الاخيرة في ملف العسكريين المخطوفين أظهرت أن المفاوضات مستمرة لإطلاقهم وتتولاها دولة قطر وأن ثمة "كباشاً" بين الحكومة اللبنانية والخاطفين، لكن الحكومة لا تزال متمسكة بالخطوط الحمر التي رسمتها وهذا ما عبّر عنه رئيس مجلس الوزراء في كلمته الى اللبنانيين عندما أعلن عن مواصلة "الاتصالات والمساعي في كل اتجاه للوصول الى هذه الغاية، استنادا الى القرار الجامع الأخير لمجلس الوزراء الذي حدد القواعد التي يجري على اساسها التفاوض".
وأعتبرت أن شكر الرئيس سلام الحصري لأمير دولة قطر على "مساعيه المستمرة لمساعدة لبنان في تجاوز هذه المحنة" أتى بمباركة عربية باعتبار أن الرئيس سلام معروف بصداقاته التقليدية وخصوصاً مع المملكة العربية السعودية التي تهتم باستقرار لبنان عموما فضلا عن اهتمامها الخاص عبر الهبتين للجيش اللبناني وقوى الامن وقيمتهما 4 مليارات دولار. كما أن هذا الشكر الحصري لقطر دلّ على أن تركيا لم تستجب طلب لبنان المساعدة.
وحذر وزير العمل سجعان قزي في تصريح لـ"النهار" من تحركات الشارع في ما يتعلق بموضوع العسكريين المخطوفين وتخوف من أن تكون "7 أيار متنقلة لكنها لن تعطي النتائج نفسها لتلك الاحداث في عام 2008، غير أنها تمثل خطرا داخليا لا بد من التنبه له في مواجهة خطر تنظيم "داعش" الخارجي".
وأضاف: "هناك من يحاول أن يصوّر الحكومة كأنها هي "داعش" وأنها هي التي خطفت وأنها هي التي لم تحسم الوضع العسكري في عرسال، في حين أنها هي التي أعطت الضوء الاخضر للجيش بكل قوة وقبل الاحداث الاخيرة بوقت طويل وتحديدا في آذار الماضي". وخلص الى القول: "ما يدور حاليا هو أن الحكومة تتحمل أخطاء الآخرين وتقصيرهم ولا داعي لتقاذف كرة الاتهامات".
وحيّا وزير الشؤون الاجتماعية تحركات أهالي المخطوفين تضامنا مع أسرة الجندي الشهيد عباس مدلج. وأكد أهمية أن "يتوحّد اللبنانيون في مواجهة حقارة "داعش" التي تريد بث الفتنة بينهم". ولفت الى الكلمة التي ألقاها الرئيس سلام متسائلاً: "أين زعماء الطوائف والاحزاب والقيادات السياسية؟ أين القادة المسيحيون والمسلمون بكل تلاوينهم ليقولوا كلمتهم في مواجهة من يتهم الحكومة بالتخاذل؟".
وأكد أن الرئيس سلام والحكومة "لا يمكن أن يتركا وحيدين في مواجهة هذه الازمة الخطيرة، كما أن الحكومة تمارس بالوكالة ما يجب أن يمارسه أصحاب البلد، وعليه إما أن يدعمونا وإما أن يبادروا الى تسلّم الامانة". وكان درباس رأى ان الحكومة اتخذت مواقف واضحة بعدم القبول بمبدأ "لي الذراع"، "فنحن دولة والدول تنتصر في النهاية".
من جهة أخرى، علمت "النهار" أن لبنان تلقى دعوة لحضور مؤتمر جدة لمواجهة الموجة التكفيرية في العالم العربي امتدادا لمؤتمر قمة حلف شمال الأطلسي الذي شهدته ويلز أخيرا. وفي حيثيات الدعوة البحث في تدابير معينة بما يمثل درعا اقليمية لحماية المنطقة من أخطار التطرف الذي يتهددها حاليا.
واذ يتوجه اليوم وغدا عدد من بطاركة الشرق الى واشنطن للبحث في اوضاع المسيحيين والاقليات، ينعقد في واشنطن بين 9 و11 ايلول، صرح عضو وفد تيار "المستقبل" الى المؤتمر بتكليف من الرئيس سعد الحريري، النائب عاطف مجدلاني لـ"النهار" بأن الوفد "سيؤكد الاعتدال والعيش المشترك كما سيؤكد أن لا مكان للديكتاتورية في الحلف الدولي والعربي لمواجهة الارهاب، أي أن مكافحة الارهاب ستكون على عاتق الاعتدال ولا يمكن مكافحة الارهاب الاصولي بالارهاب الديكتاتوري مهما حاول البعض أن يبرر ذلك".
صحيفة "الأخبار"
صحيفة "الأخبار"، قالت من جهتها، إنه "نفّذ الإرهابيون الذين يحتلون جرود عرسال تهديدهم، وقطعوا رأس الجندي في الجيش عباس مدلج. جريمة وضعت البلاد على حافة الانفجار، في حلقة جديدة من حلقات السلسلة التي لم يخرج منها لبنان منذ عام 2011، وتحديداً منذ «يوم الغضب» الشهير".
ورغم خطورة الوضع وهشاشته، تستمر السلطة السياسية بالتعامل كما لو ان لبنان بعيد آلاف الأميال عن دول تنهار تحت وطأة الارهاب، فيما الإرهاب نفسه يحتل جزءاً من الأراضي اللبنانية، ويخرق السيادة بلا أي رادع.
ولعل صورة الرئيس تمام سلام في كلمته الموجهة إلى اللبنانيين أمس، أبلغ دليل على هشاشة موقف الدولة اللبنانية. فقد ظهر رأس السلطة التنفيذية خائفاً ومربكاً، ولا يوحي بأي قدر من الثقة.
يستعيد مطلعون على خفايا معركة عرسال التي اندلعت في الثاني من آب الكثير من الأسئلة، ويطرحونها كلما قال سلام إن الحكومة تغطي الجيش، او انها لم تطلب منه وقف المعارك في عرسال وجرودها (بحسب ما قال في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء الخميس الفائت)، ما اتاح للإرهابيين الاستمرار في احتلالهم لتلك الأرض اللبنانية. يقول هؤلاء إن استعادة «داتا الاتصالات» بين رئاسة الحكومة وقائدة الجيش يوم الثاني من آب وبعده تحمل أدلة على هذه الأسئلة، وأبرزها:
لماذا ضغط رئيس الحكومة على قائد الجيش العماد جان قهوجي لفرض هيئة العلماء المسلمين، المتعاطفة مع الخاطفين، وسيطاً بينهم وبين الدولة، وطلب من الجيش وقف إطلاق النار لتسهيل دخول وفد الهيئة إلى عرسال؟
لماذا كان سلام يمارس الضغوط على الجيش، بهدف التحكم بسير المعارك، من خلال «مساءلة» قائد الجيش، خلال المعركة، عن أسباب قصف هذه البقعة او ذلك الموقع الذي يتحصن فيه إرهابيون؟
هل اتصل أحد المقربين من سلام بعد استعادة الجيش موقعه الذي احتله الإرهابيون قرب مهنية عرسال ليوصي الجيش بجرحى الإرهابيين؟
ألم يتصل سلام شخصياً بقائد الجيش «مسائلاً» عن الراجمات التي تطلق الصواريخ صوب جرود عرسال من منطقة قريبة من الفاكهة، مشككاً في ملكية الجيش لهذه الراجمات، وملمحاً إلى انها عائدة لحزب الله؟
ألم يتصل سلام بقائد الجيش ليعترض على هجوم الجيش على تلة أطلقت منها النيران على السيارة التي كان يستقلها الشيخ سالم الرافعي يوم أصيب في قدمه؟
تكثر الأسئلة التي تبقى بلا أجوبة. لكن خلاصتها تتقاطع مع ما يؤكده مرجع بارز في قوى 8 آذار، لناحية القول إن ضغوطاً سياسية شديدة مورست على قيادة الجيش، من قبل تيار المستقبل ممثلاً برئيس الحكومة، وأن الجيش حاول توسيع هامش العمليات في عرسال ومحيطها قدر المستطاع.
وتلفت المصادر إلى ان انتشار الجيش ميدانياً بين عرسال وجرودها لم يحظَ بغطاء رسمي إلا بعد المباشرة به، أي ان «تغطية» السلطة السياسية انتُزِعَت انتزاعاً.
صحيفة "الجمهورية"
هذا واعتبتر صحيفة "الجمهورية" أنه "وسط التصميم الدولي على مكافحة «داعش»، وفي انتظار أن يشرح الرئيس الأميركي باراك أوباما بعد غد الأربعاء، خطة تحرّكه في هذا الاتجاه، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب اتخاذ موقف هجومي للتصدي لهذا التنظيم، لفّ التوتر لبنان من أقصاه إلى أقصاه إثر إعلان «داعش» ذبح الجندي اللبناني الثاني المخطوف الشهيد عباس مدلج، وعاش اللبنانيون ساعات عصيبة، إذ قوبلت هذه الجريمة البربرية بغضب عارم تُرجم قطعاً للطرق وإحراق دواليب في معظم المناطق، ما استدعى استنفاراً سياسياً وأمنياً شاملاً، فيما تلاحقت الدعوات إلى التهدئة وعدم الانجرار إلى منزلق خطير.
أما عائلة الشهيد فتعالت على جروحها، وأعلن والده استعداده للعودة إلى صفوف الجيش لقتال الإرهابيين على جبهة جرود عرسال، في وقت استأنف أهالي العسكريين المخطوفين تحركهم الاحتجاجي على الأرض، وسط حديث عن نصب خيمة أمام السراي الحكومي الكبير.
وليلاً، أعلنت قيادة الجيش أنّ «بعض الأشخاص تداول رسائل نصية عبر أجهزة الخلوي، تتضمَّن بياناً ملفقاً منسوباً إلى قيادة الجيش - مديرية التوجيه عن أوضاع النازحين السوريين»، نافية «جملة وتفصيلاً إصدارها أيّ بيان يتعلق بهذا الشأن، وتحيط المواطنين علماً بأن كلّ البيانات الصادرة عنها تُعمّم على موقع الجيش عبر الإنترنت».
وفي انتظار تبلور نتائج الوساطة القطرية لإطلاق العسكريين المخطوفين، وعلى وقع أجواء الغليان في الشارع، توجه رئيس الحكومة تمام سلام مساء أمس إلى اللبنانيين بكلمة أكد فيها أن ما جرى أمس الأول «ليسَ حادثة يتيمة، إنها فصل من نزاعٍ طويلٍ مع الإرهاب».
وكانت «خلية الأزمة» الوزارية المكلفة متابعة ملف العسكريين المخطوفين اجتمعت بعد ظهر أمس في منزل سلام في المصيطبة، في حضور نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع سمير مقبل، ووزيري الداخلية نهاد المشنوق والعدل أشرف ريفي والأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء محمد خير. وغاب عن الاجتماع وزيرا المال علي حسن خليل والخارجية جبران باسيل بداعي السفر. وقرّرت متابعة التواصل مع القيادات السياسية والأمنية لمعالجة ملف العسكريين المخطوفين، معلنة اجتماعاتها مفتوحة.
وقالت مصادر وزارية لـ«الجمهورية» إن المجتمعين قوموا نتائج الجولة الأولى من الوساطة القطرية، وحصيلة اتصالات يجريها سلام سراً، ونتائج لقاءات عقدها قبل أيام مع السفيرين التركي والقطري.
وبعد تقويمهم حجم المخاطر المترتبة على تهديدات المجموعات المسلّحة مقارنة بما سمّته اللجنة في اجتماعها الماضي «أوراق القوة» التي يمتلكها الجانب اللبناني، بحث المجتمعون في الظروف التي رافقت النكث بالوعد بعدما تبلّغ الجانب اللبناني تجميد قرارات الإعدام والذبح في خلال أول اجتماع للموفد القطري إلى عرسال.
ولم تتأكد اللجنة من كثير من المعطيات المتداولة في الإعلام، في ظل ندرة المعطيات الموجودة في حوزة أعضائها لفقدان الثقة بصدقية المسلحين القادرين على ترتيب أي حجة تؤدي إلى ذبح أي عسكري مخطوف، كأن يقال مثلاً «حاول الهرب» أو «حاول الاعتداء» على أحد المسلحين... إلى آخره من الروايات التي يمكن الحديث عنها بلا رقيب أو حسيب.
وناقشت اللجنة حصيلة الاتصالات التي أجراها وزيرا الداخلية والعدل مع عدد من أهالي المخطوفين ونتائج مساعيهما لوقف التوتر ومنع أي اعتداء يجرّ البلاد إلى فتنة سنية ـ شيعية بدأت تذرّ بقرنها من مداخل بلدة عرسال، أو لجهة التهديدات التي أطلقت ضد مجموعات سورية لاجئة أو نازحة بوجوب مغادرة أماكنها.
وقررت اللجنة تكثيف الاتصالات عبر المراجع الأمنية المحلية مع أهالي المخطوفين ودعوة لجنة منهم إلى لقاء حدد مبدئياً غداً الثلثاء، للبحث في حصيلة المشاورات الجارية وما يمكن أن يستجد في الساعات الأربع والعشرين المقبلة، والتحضير لعقد اجتماع أمني ـ عسكري واسع يليه، ويضم إلى اعضاء اللجنة وفدين من قيادتي الجيش والأمن الداخلي، على حد تأكيد أحد أعضاء اللجنة.
وحول حجم مطالب الخاطفين بالإفراج عن سجناء إسلاميين وأسمائهم الذي تداولته بعض وسائل الإعلام، قال أحد أعضاء اللجنة لـ»الجمهورية»: «من الأفضل الاحتفاظ بمضمون المفاوضات الجارية بسرية».
ورفض التعليق على ما يجري تبادله من معلومات، لافتاً إلى «أن ما تبلغه لبنان سابقاً ما زال هو هو ولم يطرأ أي جديد»، ومشيراً إلى أن بعض ما ينشر لم يتبلغه لبنان الرسمي بعد. كذلك لم يشأ الحديث عن شروط مختلفة أو متناقضة للأطراف الخاطفة، وتحديداً ما بين مطالب جبهة «النصرة» و«داعش»، ولم يستبعد وجود تبادل أدوار.
وعلى المستوى القضائي، أكد ريفي لـ«الجمهورية» أن المجلس العدلي كثف من جلسات المحاكمة للإسلاميين الموقوفين في رومية، وهو ما تمنّاه فور تسلّمه مهامّه الوزارية، وقال: «إن الحديث اليوم عن تسريعها في ظل الضغوط التي أنتجتها عملية الخطف ليس دقيقاً وليس صحيحاً. فتسريع المحاكمات أمر طبيعي ووطني وإنساني ليس إلا». وكشف «أن الأحكام صدرت بمضمون 22 ملفاً من أصل 37 بعدما أنجز المجلس العدلي تصنيفاً لملفات الموقوفين بالعشرات ودمج قضاياهم في 37 ملفاً».
وفي هذه الأجواء، يتوجه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي والبطاركة الشرقيون إلى واشنطن للمشاركة في مؤتمر «الدفاع عن مسيحيي الشرق الأوسط»، قبل أن يقوم بزيارة راعوية لبعضٍ الرعايا التابعة للأبرشية المارونية، ومنها أبرشية سيدة لبنان في لوس أنجليس وسانت لويس. وقد سبقه إلى واشنطن بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحّام منذ الجمعة الماضي.
كذلك سيشارك في المؤتمر ممثلون عن الأحزاب المسيحية، ومنهم وزير الاقتصاد والتجارة آلان حكيم ممثلاً حزب الكتائب، والنائبان عاطف مجدلاني وجان أوغاسبيان ومستشار الرئيس سعد الحريري غطاس خوري عن تيار «المستقبل»، والنائب جوزف المعلوف ممثلاً حزب «القوات اللبنانية».
ووسط هذه التحضيرات، لم تحسم الاتصالات الجارية بين بيروت وواشنطن بعد موعداً أكيداً للقاء بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والراعي، وسط معلومات تتحدث عن لقاء شامل وموسع بين أوباما وبطاركة الشرق قد تتخلله خلوة بينه وبين البطريرك الماروني. إلا أن مراجع مشاركة في الاتصالات لم تؤكد هذه المواعيد بعد، لأن هذه الاتصالات لم تنته بعد.
وقالت مصادر بكركي لـ«الجمهورية» إن الراعي سيلقي خلال لقاء البيت الأبيض كلمة باسم البطاركة يضيء فيها على أوضاع المنطقة، وخصوصاً لجهة ما يتعلّق منها بوضع المسيحيين في الشرق.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018