ارشيف من :أخبار لبنانية

الإستراتيجية الأميركية وأثرها في لبنان

الإستراتيجية الأميركية وأثرها في لبنان
غسان جواد - صحيفة الجمهورية

الاستراتيجية الاميركية للحرب على «داعش» والارهاب، تفرض نفسها على الواقع الاقليمي والدولي، وتتقدَّم على ما عداها من ملفات. ولبنان لن يكون بعيداً من نتائج هذه الاستراتيجية وتداعياتها لأنّه جزء من خريطة «الفوضى» التي ترسمها واشنطن بدقة متناهية حتى الآن.

لم يُوضح الإعلان الاميركي في مخطّط محاربة «داعش»، طريقة التخلّص من هذا التنظيم من دون التأثير في الوقائع الداخلية الحالية في كل من العراق وسوريا. وظلّت «الاستراتيجية» التي تحدّث عنها الرئيس الاميركي باراك أوباما، فضفاضة، يمكن تفسيرها على غير وجه وهدف، وهذا ما يدفع بكثير من دول العالم والمنطقة الى القلق.

قوى «8 آذار»، ستعقد اجتماعات مفتوحة واتصالات للبحث في سبل التعامل مع «العودة الاميركية» الى المنطقة تحت عناوين قديمة جديدة اسمها «محاربة الارهاب». والسؤال هنا يكون عن «الاهداف الفعلية» لهذا الغموض الاميركي، والسعي الدولي والاقليمي الى إحلال قوى «حليفة» في العراق وسوريا محل «داعش». ما يعني أنّ واشنطن تخوض معركتَي المعارضة السورية والمعارضة العراقية ذات الصبغة المناطقية او «المذهبية» مستفيدة من التمدّد الداعشي.

وفي هذا السياق، لا يخفى أنّ واشنطن ومعها قوى إقليمية أرادت من خلال السماح لـ»داعش» بالتمدّد، أن تُغيّر الوقائع السياسية والعسكرية التي ارتَسمت بعد الثالث من حزيران تاريخ إعادة انتخاب الرئيس السوري بشار الاسد، وها هي تستفيد من هذا التمدّد لتقود تحالفاً دولياً إقليمياً من شأنه إعادة الامور الى ما قبل ذلك التاريخ.

وليس أدلّ على ذلك سوى استبعاد دمشق وطهران من التحالف المزمع تشكيله، والحديث عن زيادة دعم «المعارضة السورية»، وفتح ابواب السعودية لتدريب المقاتلين «المعتدلين» بحسب تعبير واشنطن.

منذ بداية الاحداث، ومع مرور الوقت وانكشاف الوقائع، بدَت المعارضة السورية ضعيفة وغير موجودة أمام القوى المتطرّفة في ما يسمى «الثورة السورية»، ويبدو انها ستخضع الى إعادة تأهيل لتحلّ محل «داعش»، ويعود الامر الى ما قبل 3 حزيران على المستوى الميداني والسياسي.

هذا السيناريو يصحّ إذا اكتفى التحالف الدولي ضدّ «داعش» بضرب الاماكن التي يسيطر عليها التنظيم. أما إذا جرى «توسيع» العمليات نحو الجيش السوري او المقاومة اللبنانية، فإنّ المنطقة ستكون مقبلة على شكل جديد من المواجهة العنيفة والقاسية.

هذه المخاطر موجودة مع أنها ضعيفة، فالولايات المتحدة غير قادرة الآن على خوض مواجهة شاملة مع محور المقاومة، ومن المفترض أنّ ملف «الحرب على سوريا» قد انطوى مع الاتفاق حول الكيماوي السوري، وأيّ إخلال بهذا الاتفاق ستردّ عليه دمشق وطهران بنحو مفاجئ. كما كان إعلان وزير الخارجيّة وليد المعلم «أنّ أيّ غارة اميركية فوق سوريا بلا تنسيق سيقابل برد»، مفاجئاً وصادماً لواشنطن وحلفائها.

المهم لبنانياً أن لا يندفع البعض الى البناء على العودة الاميركية الى الاقليم. كلّ تدخل خارجي بزخم قوي من شأنه ترك أثر صداميّ على الداخل. هل من الضروري التذكير بمحطات من التاريخ المعاصر؟ وكيف راهن البعض على القرار 1559 لتغيير المعادلات الداخلية وكان خياره فاشلاً؟
 منطقياً، لبنان جزء من التحالف ضدّ الارهاب. وسيقوم بواجبه ودوره على هذا الصعيد، لكن مَن يراهن على تغييرات سوريّة وعراقيّة يُخطئ للمرة الالف في حساباته.

واشنطن ومعها قوى اقليمية تعمل لمصالحها وتخوض حروباً لتأمينها. ومصلحة لبنان الحفاظ على عوامل القوة في وجه الارهاب ومحاولات الهيمنة وضرب الاستقرار، وهذه أمور لا يوفّرها الرهان على الخارج وانتظار جثة العدوّ في النهر.
2014-09-12