ارشيف من :أخبار لبنانية
المسكوت عنه في خطاب أوباما.. وماذا بعده؟ *
اسلام اونلاين - د. نادية مصطفى
اقترن خطاب صمويل هانتنجتون عن صراع الحضارات بنهاية الحرب الباردة (1993)، واقترن خطاب بوش عن من ليس معنا فهو ضدنا والحرب على الإرهاب، بتداعيات الحادي عشر من سبتمبر، وبصعود اليمين المحافظ... فما الذي يقترن به خطاب أوباما تجاه العالم الإسلامي؟. سؤال يولد بدوره مجموعة أخرى من الأسئلة، لا أرى إمكانية الاجابة عليها هنا، فهي تحتاج لتفكير إستراتيجى واستجابة منظمة جماعية.
المقترن بخطاب أوباما
لكني أكتفى هنا بطرح الملامح الآتية:
أولاً: هناك أزمة مالية واقتصادية عالمية تعصف باستقرار وتوازنات ومنظومات ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأت من الولايات المتحدة ولا تستطيع الولايات المتحدة بمفردها أن تجد حلولاً لها.
ثانياً: فشل سياسات بوش في تحقيق أهدافها في المنطقة على النحو وبالسرعة المأمولين وبدون التكلفة الهائلة التي تحملتها سمعة الولايات المتحدة ومواردها وأخيراً اقتصادها ومجتمعها أيضاً.
ثالثاً: تدهور الأوضاع وتصاعد التوترات الوطنية والإقليمية عبر العالم الإسلامي، بعد موجات الإصلاح والتحول الديمقراطي الفاشلة والمحبطة لآمال الشعوب حيث لم تكن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي ضغط من أجلها بوش وإدارته إلا أداة أخرى من أدوات محاربة الإرهاب وفق الرؤية المحافظة، وليس تدعيماً للديمقراطية نفسها وحقوق الشعوب فس مواجهة حكامهم، ولكن ضغطاً على هؤلاء الحكام لمزيد من التعاون مع الخطة الأمريكية.
وإذا كان فكر المحافظين الجدد وفكر هانتنجتون قد أثار موجات حافلة من الاهتمام والتحليل والدراسة كان محورها صراع أم حوار الحضارات؟ أو ما العلاقة بين صراع /حوار الحضارات وبين صراعات القوى والمصالح، وإذا كان فكر أوباما والجناح الديمقراطي الأمريكي الذي ينتمي إليه قد ألقى بدلوه في انتقاد سياسات إدارة بوش وركائزها الفكرية والفلسفية التي تستند إلى قواعد ممتدة في المجتمع الأمريكي، فهل خطاب أوباما يعكس مجرد تحول في فكر رئاسة الإدارة أو الإدراة ذاتها أم يعكس أيضاً تحولات لدى الناخبين بالنظر إلى الأغلبية التي اُنتخب بها أوباما؟.
وبناءً عليه فإنه من المتوقع بعد خطاب أوباما أن ندخل في مرحلة من الجدالات الفكرية والنظرية، وبالطبع الجدالات السياسية، حول الآتي:
من ناحية أولى: لماذا ينطلق أوباما أيضاً من مدخل "الأديان والثقافات" للنظر إلى علاقة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي، أليس هذا تكراراً لمدخل بوش ولو من زاوية الحوار والانفتاح والتواصل والمشاركة؟ وما معنى ذلك بالنسبة للعلاقة بين الأبعاد الثقافية والحضارية والأبعاد السياسية في إستراتيجية الإدارة الديمقراطية الأمريكية؟
ومن ناحية ثانية: ما درجة تماسك ومصداقية ركائز رؤيته عن الحوار بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة؟ ما هو مفهوم الحوار الذي يحمله، ما معنى حوار الشركاء؟ وما هي قراءته للإسلام ولتاريخ الإسلام ولتاريخ الإسلام في الولايات المتحدة؟ وأين موضعه في هذا الصدد بين رؤساء أمريكيين سابقين، هل يمثل سابقة نوعية، وعلى نحو يمثل سنداً للتيار الذي استقبل الخطاب كأنه خطاب المنقذ المنتظر؟ أم هو يمثل تكتيكا سبق تكراره، ومن ثم تجد التيارات المتحفظة على الخطاب والناقدة له مبرراً لمنحاها؟
ومن ناحية ثالثة: ما درجة المساندة أو الاختلاف في الداخل الأمريكي حول منطلقات خطابه (رؤيته عن الإسلام والمسلمين داخل وخارج أمريكا)، وحول المبادئ والأسس العامة التي حددها مدخلاً للتعامل مع قضايا التوتر الست؟ هل ستحظى بتوافق داخلي يساعده على تحقيق تحول في مسار وتوجه السياسة الأمريكية مقارنة بالإدارة السابقة أم ستحدث مجرد تغيرات محدودة نظراً لاستمرار تأثير إرث المحافظين الجدد وتغلب "المصالح الأمريكية" بالمنهج الواقعي على "المصالح الأمريكية" بالمنهج المعياري الذي يلقي قبولاً لدى أوباما؟
ومن ناحية رابعة: ما نمط الاستجابات من الشعوب ومن الحكومات في العالم الإسلامي؟ وهل يمكن أن تمثل هذه الاستجابات مدخلاً في عملية صنع السياسات الأمريكية واتخاذ القرارات على نحو يقدم بدائل ويعظم من سقف التوقعات من أوباما بدلاً من أن نسرف في التشاؤم، ونقتصر على مجرد الانبهار أو مجرد الانتقاد نظراً لعدم القدرة على الثقة في السياسة الأمريكية، على ضوء ميراثها الممتد لأكثر من 50 عاما منذ استقلال الدول والشعوب الإسلامية؟ وكذلك نظراً لعدم القدرة على الثقة في ضرورة تحركنا إستراتيجياً لخدمة قضايانا، وليس مجرد انتظار الحل من "الخارج".
هل بمقدورنا أن نتحول إلى فاعلين وليس مجرد مفعول به حملتهم التوقعات عاليا منذ انتخاب أوباما لمجرد كونه أسود ذو جذور إسلامية، في حين أن انتخابه قد مثل تحولاً ليس في سياسة الولايات المتحدة تجاهنا ولكن مثل تحولاً في توجهات مجتمع الولايات المتحدة وسياستها (على الأقل حتى الآن)، حيث يمثل أوباما أكثر قادة العالم خضوعاً لإجراءات الحماية والأمن خوفاً من اغتياله!
نعم لقد حملتنا بعيداً التوقعات عما سيقدمه لنا الرئيس الجديد في البيت الأبيض، ولكن أين التصورات المدروسة عما يجب أن نفعله نحن ونطالب به نحن ونقدر على التأثير من أجله. فمثلاً إذا اقتصرنا على الدائرة العربية: فما هي المصالح التي نحددها لأنفسنا بغض النظر الآن عن مصالح الولايات المتحدة التي تحددها جيداً، وما تداول السلطة بين بوش وأوباما إلا توزيعاً للأدوار في حماية هذه المصالح ولو بأساليب متنوعة؟.
ومن ناحية خامسة: مما لاشك فيه أن هذه الرؤية المتعددة المستويات للإسلام في العالم وفي أمريكا وللمستقبل بين المسلمين والولايات المتحدة لا يتشارك فيها مع أوباما تيارات من المسلمين ومن الأمريكيين على حد سواء.
فمثلاً هل التحديات التي يواجهها الجميع هي أيضاً تحديات ساهم الجميع في خلقها بنفس الدرجة؛ فإذا كان التطرف والعنف موضع اهتمام الأمريكيين باعتباره تحديا أو تهديدا نابعا من أرض المسلمين، فما سببه؟ وهل تحدي الأسلحة النووية والبيئة والأزمة المالية والأمراض العابرة للقارات، هي تحديات يُسأل عنها المسلمون قدر سؤال الغرب عنها؟ إذن هل الحديث عن مجرد المشترك في آثار التحديات وليس في المسئولية عنها ولا في كيفية إدارتها.
ولهذا؛ فلا عجب أن نتساءل لماذا يشغل "التطرف والعنف" قدراً أساسياً من خطاب أوباما على عكس التحديات الأخرى؟.. أليس هذا هو التحدي الذي يلقون بمسئوليته علينا فقط دون اعتراف بمسئولية سياسات الغرب عن إفرازه باعتباره استجابة مضادة لهذه السياسات وليس مجرد خصخصة هيكلية في ثقافتنا الإسلامية مردها ديننا، كما يدعي بعضهم؟
الخيط الناظم المسكوت عنه
إن الصورة المجملة الكلية التي تتجلى أمامي من واقع التحليلات التفصيلية السابقة لخطاب أوباما تبين أن المسكوت عنه عبر أرجاء الخطاب، والذي يمثل في نفس الوقت خيطاً ناظماً كامناً بين أجزاء هذا الخطاب كما يمثل الرسالة الكامنة التي يحملها هو الآتى: أن أوباما قدم قراءته الليبرالية للإسلام –مركزاً على وجه واحد للعملة وهو وجه "السلام" في الإسلام مقتطعاً له– وبتعنت شديد وباصطناع – عن وجه العملة الثاني ألا وهو القوة –ولا أقول هذه المرة الحرب- وأوباما في هذا مثله مثل الاعتذاريين من المسلمين الذين واجهوا خطاب صراع الحضارات الذي دشنه هانتنجتون ووظفه وطبقه بوش، بخطاب الحوار والسلام بدون شروط، منصاعين في ذلك للشعور بالاتهام الذي أحاطت به إدارة بوش كل مسلمي العالم.
وإذا كان بوش قد أدار العلاقة من منطلق تعميم وتشويه صورة الإسلام والمسلمين كدين عنف وعدم تسامح، وعلى نحو خدم أهداف الإستراتيجية المحافظة وبررها برداء ديني، فإن أوباما يعيد الكرة ولكن هذه المرة باستحضار حديث السلام في الإسلام، ومن خلال آيات القرآن التي لا تقدم إلا وجهاً واحداً للعملة في الرؤية القرءانية لعلاقة المسلمين بالغير، كما سبق القول، في حين أن هذه الرؤية متكاملة لا يمكن اجتزاء بعضها على حساب البعض الآخر، سواء سلماً أو حرباً.. ومن ثم فإن هذه الرؤية التي تستند إلى الدعوة كأصل وليس مجرد الحرب فقط أو السلام (كما هو ذائع في المدارس الفقهية التقليدية) هي رؤية كلية شاملة لا تسقط القوة والحقوق في مقابل سلام...
إذن هي دعوة من أوباما لتسكينPacify العالم الإسلامي، ومن خلال الإسلام، حيث أيقن الجميع أن لا إسقاط للإسلام في التعامل مع هذا العالم، سواء بالقوة الصلدة أو القوة الناعمة أو كلاهما معاً.
ولذا وكما سبق القول، وفي حين كان بوش يجري أسلحته معنا -وما زال أوباما يجريها- لم تنقطع دعوات الحوار ولكن كانت من أجل علاج ما بنا من عيوب العنف والإرهاب والتسامح، وباعتبارنا متهمين. أما دعوات أوباما للحوار المليئة بعبارة الثقة والمشاركة (كما سبق الإشارة)، فهي لاستحضار واستنفار نوازع السلام والسكينة، ولو في مقابل التخلي عن الحقوق أو الأقل الرضاء بمنطق الأقوياء في الدفاع عن مصالحهم وحلفائهم دون اعتبار لحقوق الشعوب المسلمة.
ولذا أرى أن الخيط الناظم المسكوت عنه، ولكن الذي تنضح به القراءة، هو كف المسلمين لكافة أشكال المقاومة سواء ما يسمى منها عنفا ضد مدنيين أو ما يسمى مقاومة مسلحة ضد احتلال، ولذا لا غرابة أن ما أسماه أوباما تطرفا عنيفا هو ليس إلا المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي في أفغانستان والعراق وضد الاحتلال الصهيوني في فلسطين.
ولكن من الواضح أن رؤية أوباما تريد تجميل هذه الأنماط الثلاثة من الاحتلال وغيرها بالعديد من العبارات مثل: أفغانستان كانت اختياراً ضرورياً لأمن الولايات المتحدة، والعراق كانت اختياراً أثار نقاش فيها(كما سبق وأشرنا). وفي المقابل ليس مطلوب من المسلمين وباسم الإسلام كما قرأه أوباما -وكما قدمه له بالطبع تيار من المعتذرين عن الإسلام وباسمه- إلا أمراً واحداً، وهو أن يختاروا السلام ويختاروا العمل ضد متطرفي العنف.
إذن هذا الخيط الناظم المزدوج والمسكوت عنه هو خطاب السلام في الإسلام من أجل إسكات كافة أشكال المقاومة ضد السياسات التدخلية بكافة أشكالها، والتي يقع التطبيع مع إسرائيل والصهيونية في قلبه، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة لاتصال قضية فلسطين بالقضايا الأخرى(كما سبق ورأينا عند تحليل هيكل الخطاب وبنيته).
ولهذا فإن خطاب أوباما كان يستهدف شعوب العالم الإسلامي، وليس نظمه وحكوماته، فتلك الأخيرة في مجموعها مع هذا المفهوم عن السلام الذي يطرحه أوباما، بل إن التأميم الرسمي للإسلام أو تسييس الإسلام من جانب النظم إنما يقدم خطاباً يناظر خطاب أوباما، سواء كان هذا الخطاب الرسمي موجه للداخل لتبرير سياسات الاستسلام والانهزام الداخلي أو سواء موجه للخارج لتقديم الاعتذار عن الإسلام ودفع التهم عنه، مع تأكيد توافق الأهداف الرسمية مع الخارج حتى يظل على مساندته أو على الأقل عدم هجومه على النظم التسلطية والمستبدة بشعوبها في العالم الإسلامي.
إذن خطاب أوباما ربما يكون له مردود أكثر إيجابية لدى مواطنيه وفي الغرب عموماً. وحقيقة نحن شعوب الأمة في مجموعنا لسنا في حاجة لمن يعترف بفضل إسلامنا دينا وثقافة وحضارة أو يدافع عنه بصفته دين سلام؛ فنحن نعرف ذلك، وحتى تلك القلة منا التي تنهج العنف سواء غير المبرر ضد المدنيين (مسلمين وغير مسلمين) أو المبرر ضد الاحتلال والعدو يعرف رحابة وسماحة هذا الدين. ولكن هذه القلة لا تسقط ما هو منه بالضرورة، أي الدفاع عن الحقوق والجهاد من أجل الدين، حتى ولو تم ذلك بأشكال مختلفة، قد نتوافق نحن كمسلمين على بعضها (المقاومة المشروعة ضد الاحتلال) وقد نرفض بعضها الآخر (العنف ضد المدنيين المسلمين وغير المسلمين).
من هنا هل كان خطاب أوباما يستهدف الغربيين أيضاً أو العالم كله وهو يتحدث عن الإسلام؟ وما وقع هذا الخطاب عليهم، هل تكفيهم شهادة رئيس أكبر دولة في العالم، وبشخص مثل أوباما، ليقبلوا أن الإسلام دين سلام؟ وهل ستكفيهم ردودنا على أوباما بأن ديننا أيضاً دين قوة ودفاع عن الحقوق من ناحية، وأن التوتر بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي ليس توتراً مصدره اختلاف الأديان أو الثقافات أو الحضارات، فبالرغم من اعترافنا بأن المتغير الديني والثقافي أصيل في رؤيتنا الحضارية للعالم ونحن في قلبه، إلا أن هذه التوترات والصراعات تكمن أساساً في إستراتيجيات التوسع والمصالح وفي التحالف المتعاظم باستمرار بين الصهيونية والقوى الاستعمارية الغربية، والتي لا تنفك توظف الديني والثقافي في خدمة سياساتها؛ فشتان بين الرؤية الحضارية الإسلامية التي تستدعي الديني والثقافي والحضاري في قلب منظومتها القيمية ومن مصادر مرجعيتها، وبين رؤى حضارية أخرى توظف هذه الأبعاد كمجرد أدوات للتسييس بمنطق صراعات القوى التقليدية.
أستاذ العلاقات الدولية، ومدير برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
*الجزء الرابع والأخير من دراسة تحمل عنوان ("ظاهرة" التوقعات من أوباما.. حول الحاضر الغائب منذ حفل تنصيبه رئيساً إلى خطابه للعالم الإسلامي في القاهرة)، تحلل فيها د. نادية مصطفى خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018