ارشيف من :ترجمات ودراسات
لماذا تستخدم الولايات المتحدة تنظيم ’داعش’ من أجل السيطرة على أوراسيا؟
الكاتب : piotr
3 أيلول / سبتمبر 2014
مترجم عن الإيطالية عن موقع Réseau International
كنت قد عقدت مقارنة بيّنت فيها التشابه بين قطعان الجهاديين والحملات الكبرى التي قامت بها جحافل اللصوص الذين دفعت بهم بريطانيا نحو فرنسا خلال حرب المئة عام، والذين نشروا فيها الويلات خلال عشرات السنين.
بعد قرون على ذلك، وبعد أن اتسع نطاق المصالح السياسية إلى ما وراء البحار والمحيطات، عادت هذه الظاهرة إلى الوجود مع قراصنة البحار. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الطريقة أكثر إتقاناً، وها نحن نرى الأشقياء وقراصنة البحار متلبسين بلبوس إسلاميين يقال بأنهم إسلاميون متشددون.
***
بيدقان تحركهما الإمبراطورية : سواء كانوا ديموقراطيين كأوباما (الحمار هو رمز الحزب الديموقراطي)، أم جمهوريين (الفيل هو رمز الحزب الجمهوري)، فإن جهة واحدة تدير اللعبة.
خلال القرن السادس عشر، كان القراصنة ينشرون الرعب فوق البحار
القراصنة كانوا أفراداً يعملون لحسابهم الخاص (وكانوا غالباً من مالكي السفن) ويستأجرون بحارين مهرة في قيادة السفن ويسعون وراء مصالحهم بالتعاون مع دولة تمنحهم ترخيصاً يسمح لهم بمهاجمة ونهب سفن دول أخرى في ظروف معينة كظروف الحروب مثلاً.
أنشطة القراصنة كانت هي نفسها عملياً، وحده الغطاء السياسي الرسمي هو ما كان يتغير. بعضهم كان ينهي نشاطه المهني كقرصان يحكم عليه بالشنق، وأحياناً من قبل الحكومة التي كانت تستخدمه. وهنا تنبغي الإشارة إلى أن القراصنة كانوا يسمحون لأنفسهم بالقيام بأعمال من النوع الذي تتجنب الحكومات مباشرته بنفسها لأسباب يفرضها الحذر أو الحيطة من الناحية السياسية أو الاقتصادية.
أما الشركات التجارية فكانت تقيم علاقات مع القراصنة على نطاق أكثر اتساعاً وتنظيماً. كانت تتمتع بامتيازات كما في حالة الشركة البريطانية "شركة جزر الهند الشرقية". فعلى الرغم من كونها شركة خاصة مئة بالمئة (لأن التاج البريطاني لم يكن يمتلك ولو سهماً واحداً من أسهم الشركات البريطانية)، إلا أنها كانت تمتلك ترخيصاً من السلطة العليا يسمح لها بشن حروب والقيام بأعمال من اختصاص الحكومة.
والمعروف أن القراصنة قد حفزوا ظهور توجهات مفعمة بأحلام الانطلاق والعظمة عند أجيال من الناس كانت لا تتردد في الشموخ بأنفها أمام المؤسسات التي كانت توظفها.
واليوم، يكرر التاريخ نفسه بصورة أسوأ
منذ أكثر من ثلاثين عاماً، تشكل الجماعات المسلحة التابعة لمن يزعمون بأنهم أصوليون إسلاميون نوعاً من التنظيمات العاملة في خدمة الامبراطورية الأميركية والتي تفوق جماعات المغامرين من القراصنة شقاوة وإجراماً. أما الأسس التي قام عليها هذا التحالف القائم على تبادل الخدمات فقد ارسيت خلال الحرب العالمية الأولى من قبل أشخاص من نوع سان جون فيلبي (St. John Philby) (1) وغرترود بيل (Gertrude Bell) (2)، وهما عميلان بريطانيان متمرسان كانا يعملان بتنسق دقيق مع الأمراء السعوديين.

تنظيم "داعش"
وقد رأينا كيف تحرك هذا التحالف في أفغانستان خلال فترة الثمانينيات في ظل القيادة الإجرامية المحنكة لزبيغنيو بريجنسكي (3)، ثم في البوسنة وكوسوفو والشيشان وليبيا وسوريا والآن في العراق. ويبدو أن ذراعه الطويلة ستمتد وصولاً إلى الهند عبر باكستان، وإلى سينكيانغ (ويغور) في الصين.
تنظيم "داعش" هو الشكل الأكثر إتقاناً من حيث بنائه في استراتيجية القرصنة الجديدة. فهي تفوق إسرائيل (4) في كونها خارج القانون. فهي دولة ولا دولة بما هي كيان إرهابي من حيث التعريف، تمتلك "الحق" في أن تكون خارج كل شرعية من أي نوع كانت. والولايات المتحدة محقة في إطلاق صفة الـ "تنظيم الإرهابي" عليها. لكن ما تقدمه لها من دعم سياسي مباشر، ومن دعم تنظيمي عبر المملكة السعودية، وحتى إطلاق تلك الصفة تحديداً، كل ذلك يشكل "ترخيصاً" تقدمه لها القوة العظمى. بكلام آخر، ذلك "الترخيص" يسمح لـ "داعش" بأن تمتلك الحق والواجب في أن تكون تنظيماً إرهابياً.
وتماماً كما في حالة القراصنة القدماء، وتحت قناع "المجاهدين من أجل الحرية" (أي ضد بشار الأسد، تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من تحفيز التوجهات المفعمة بأحلام الانطلاق والعظمة عند إنسانيين سذج (وقعت أعداد منهم أحياناً وللأسف في شبكة العنكبوت القاتلة)، وعند مؤمنين بالجهاد العالمي ممن قرر [الإله] جوبيتر إلقاءهم في التهلكة. ويمكننا حتى الآن أن نفترض بأنهم باتوا يشعرون بشيء من الضياع. أما نحن، فقد بات من الممكن أن نفترض بأننا بدأنا نميز بوضوح أكبر معالم المشروع المطروح للتنفيذ.
استراتيجية الهجمات الأولى مشابهة لاستراتيجية هجمات القراصنة
منذ ثمانينيات القرن الماضي، كانت جماعة "Rand Corporation " (5) قد تنبأت بأن حروب المستقبل ستكون مزيجاً هجيناً من الصراعات العالمية والصراعات ما قبل الحديثة تقوم بها كيانات أصغر من الدول. وكان من السهل التنبؤ بذلك لأن تلك الجماعة كانت تشكل جزءاً من التجمع الذي كان بصدد إعداد هذا السيناريو.
وتقوم هذه الاستراتيجية على رؤية منطقية تماماً. فالواقع أن "حرب النجوم"، إذا ما دفعت إلى حدها الأقصى، لم يكن بإمكانها إلا أن تتحول إلى حرب نووية. وعلى العكس من ذلك، فإن حرب السفن، [وما تشتمل عليه من أسر السفن المعادية والتوغلات بهدف النهب في أراضي العدو المستهدف] التي تشن من قبل كيانات أصغر من الدول وتقودها الولايات المتحدة فقد سمحت للقوة الإمبراطورية الأميركية، بعد الضربات "المشروعة" التي وجهتها إدارتا بوش وكلينتون، سمحت بشن سلسلة الهجمات الأولى التي كانت مجازفة خطرة وبالتالي يستحيل الإقدام عليها إذا أخذت شكل الحرب " المشروعة" التي تتم المواجهة فيها بين دول، حتى ولو كانت الوضعية النووية الجديدة التي صاغها المحافظون الجدد في ظل إدارة بوش الابن لا تستبعد المواجهة بين دول.
ويتبين من التراجع الذي أقدم عليه المتخاصمون الاستراتيجيون أنه ينطوي على ضرب إجرامي من ضروب العبقرية. لا بل إن الانطباع يفرض نفسه بأن هؤلاء المتخاصمين قد فضلوا المجازفة بخوض حروب إرهابية على نطاق أصغر من نطاق المواجهة بين الدول بدلاً من خوض صراع مفتوح مع خصم لا ذمة له ولا شرف ويمكنه أن يزداد عدوانية لأنه يعيش وضعاً يتزايد صعوبة. لكنها صعوبة تظل نسبية وسنحاول تحديد هذه الصعوبة.
دولة-لا-دولة تحتمي بعلم القراصنة الأسود
ما الذي يمكنه أن يكون بالنسبة للولايات المتحدة أفضل من أن تنشئ في قلب أوراسيا (التي تشكل في الأساس مجالاً تجول فيه كوابيس ورغبات مستشار الرئيس كارتر للشؤون الأمنية، زبيغنيو بريجنسكي) دولة-لا-دولة، دولة هي عبارة عن روح شريرة أو عن كائن ليس بكائن، أو تنظيماً يشغل أرضاً ويحتمي بعلم القراصنة الأسود ويمكنه أن يهدد بارتكاب أعمال فظيعة تطال جميع بلدان الجوار من سوريا إلى روسيا وإيران والصين وجمهوريات آسيا الوسطى، ثم يفاجئ الصين من الخلف بعد العبور من باكستان إلى الهند وسينكيانغ (يوغور)؟ يصعب فعلاً، ويصعب كثيراً جداً، أن نتخيل سلاحاً غير تقليدي أفضل من مثل هذا السلاح. إنه وتد مرعب ينغرز في قلب منظمة شنغهاي للتعاون.
لكن هذا ليس كل شيء. حتى أوروبا يمكن أن تكون مستهدفة (ألم يصبح ذلك أمراً واقعياً بالفعل؟). وهذا يمكن أن يكون مفيداً فيما لو أبدت أوروبا شيئاً من عدم الطواعية إزاء المشروع النيو امبريالي الأميركي وإزاء ما يلحق بهذا المشروع من توابع وترابطات من نوع الاتفاقية الإجرامية المسماة "اتفاقية التبادل الحر عبر الأطلسي".
الوضع الصعب الذي يمكن للولايات المتحدة أن تجد نفسها فيه لا يكمن في حالة انهيار لا مجال لتجنبه قد تحدث بفعل ما نعرف أو ما لا نعرف من قوانين جيوسياسية أو اقتصادية. فالواقع أن الصعوبات تكتنف النظام الرأسمالي الذي ما يزال مرتكزاً إلى الولايات المتحدة. وهذا أمر لا يمكننا إنكاره إلا إذا كنا نظن أن النظام الرأسمالي يقاس بلغة الأرباح والناتج الداخلي الخام والتبادلات التجارية واحتياطي العملات. تلك أمور مهمة أيضاً، ولكنها ليست الوحيدة الفاعلة لأن النظام الرأسمالي هو نظام سلطة.

علم أميركا
فوق ذلك، فإن القوى الناهضة قد نهضت "متأخرة" إذا جاز التعبير (ولم يكن بإمكانها أن تفعل غير ذلك)، بمعنى أن القدرات التدميرية العسكرية والبيئية والمالية على المستوى العالمي قد أصبحت مرتهنة على نطاق واسع لدولة-قارة هي الولايات المتحدة والبلدان التي تدور في فلكها. صحيح أننا نحن، البلدان الراسمالية الغربية ذات الرأسمالية الناضجة لا نعد غير 1 من7 من سكان العالم، ولكن هذا بالضبط هو ما يشكل جانب المسألة المثير للقلق، لأننا نزيد كثيراً جداً على الـ 1من7 لجهة ما نمتلكه من قدرات تدميرية.
غياب كلي للذمة وللشرف
بكثير من الصرامة والوضوح والدقة، لفت المخرج أوليفييه ستيرن والمؤرخ بيتر كوزنيك إلى أن الولايات المتحدة لم تكن تريد من وراء القنابل الذرية التي ألقتها على هيروشيما وناغازاكي مجرد إظهار قوتها، ولكن ايضاً (وهذا أمر مثير للمخاوف) أنها لن تتردد عن ارتكاب كل ما يمكنها ارتكابه من فظائع من أجل حماية مصالحها الخاصة : إنها مستعدة لأن تحول الرجال والنساء والأولاد إلى رماد، وعلى نطاق واسع.
إن الكوارث التي حلت بشعوب ليبيا وسوريا والعراق على يد القراصنة الأصوليين هي البرهان المرعب على هذا الغياب للذمة وللشرف عند الولايات المتحدة : فهذه الفصول المتعاقبة من المجازر قد ارتكبت وترتكب كبديل عن الإبادة النووية بضربة واحدة والتي يعتبرون اللجوء إليها بمثابة مجازفة مبالغ فيها. وبهذا المعنى الدقيق، فإن "داعش" هي سلاح دمار شامل يتم استخدامه بالتدريج.
معظم الناس في الغرب لا يدركون طبيعة هذه الاستراتيجية
صحيح أن هذه الاستراتيجية معقدة جداً، لأنها تقوم على لعبة معقدة من المصالح المتمايزة، إنطلاقاً من مصالح إيديولوجية صرفة، إلى مصالح مافياوية صرفة. ولا غرابة في ذلك إذ في ما يتجاوز ما أصبحت عليه هذه الاستراتيجية من وضوح في أهدافها (حيث إن الولايات المتحدة نفسها هي التي أوضحت هذه الأهداف)، فإنها ليست غير طبعة جديدة من استراتيجية معروفة ومعروفة تماماً.
وقد كان من الممكن لإدراك طبيعة هذه الاستراتيجية ألا يكون سهلاً خلال الصراع الأفغاني في الثمانينيات. فقد كان من الممكن عدم فهم الصلة بين صدام الحضارات والغزو السوفياتي وظهور رجال العصابات الإسلاميين الذين نظموا ودعموا من قبل الولايات المتحدة. ومع هذا، فإن بعض الباحثين كانوا، على قلة عددهم والنظر إليهم على أنهم غريبو الأطوار، قد لفتوا الانتباه إلى العلاقات بين أزمة النظام الأميركي والريغانية الاقتصادية (6) وهيمنة الناحية المالية على الاقتصاد والنزاعات الجيوسياسية، من جهة، وبين عودة النشاط إلى المبادرة النيو-إمبريالية الأميركية بعيد الهزيمة في فييتنام، من جهة أخرى (كم من مرة جرى فيها تقديم الولايات المتحدة على أنها قد انتهت!؟)
وعلى كل حال، فإنه من الغريب أن يكون اليسار المصمم بلا هوادة خلال الستينيات والسبعينيات على النضال من أجل الدفاع عن فييتنام الدائرة في الفلك السوفياتي قد وجد نفسه، بعد سنوات قليلة، في حالة تناغم مع الأصوليين الإسلاميين المدعومين من قبل الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي المنظور إليه -من قبل ذلك اليسار- على أنه الامبراطورية التي ينبغي تدميرها بأي ثمن.
كانوا مناضلين يساريين فأصبحوا مؤيدين متحمسين للسياسة الإمبريالية الجديدة !
مع البرجين التوأمين اللذين شكلا بداية الحرب العالمية الثالثة في منطقة بعد منطقة والتي يتكلم عنها حتى البابا نفسه ( أكان ينبغي للفاتيكان أن ينتظر 13 عاماً حتى يفهم ذلك؟)، كان الانحراف الشامل لليسار قد أعلن عن نفسه مسبقاً من خلال تغريدة طيور البجع الأخيرة (تغريد حزين تطلقه تلك الطيور في لحظات حياتها الأخيرة قبل الموت) : المظاهرات الضخمة ضد حروب بوش الابن وسياسات العولمة النيوليبرالية. كانوا يومها على الطريق الصحيح لأن ذلك قد شكل تحديداً الوجهين المتكاملين للزواج بين المال والسلطة، وهو الزواج الذي افتضح أمره مع تفجر أزمة النظام الرأسمالي. ومع ذلك، كان تعمق هذه الأزمة ثم تفجرها في المراكز الرأسمالية الغربية وما أعقب ذلك من الانتخاب المبارك لباراك حسين أوباما، كافياً لخروج التفكير عن سكته : مئات الألوف من قدامى المناضلين اليساريين تحولوا إلى مناصرين نشطين أو غير فاعلين أو عن غير وعي للسياسة الامبريالية الجديدة. وليس في الأمر أي مبالغة، إذ تكفي المقارنة بين الـ 3 ملايين متظاهر الذين خرجوا في روما استنكاراً للحرب على العراق عام 2003، والـ 300 متظاهر (!) الذين خرجوا في روما نفسها عام 2011 استنكاراً للحرب على ليبيا.
لكن الأسوأ أن ذلك ليس نتيجة لبرنامج تشريط بالغ التعقيد والتطور ! بل نتيجة لنجاح استراتيجيات تواصل كان أول من استخدمها النازي غوبلز وأعيد توزيعها من قبل وسائل الإعلام القديمة والحديثة، ولكن مع تنويع جديد وحاسم : ليس فقط أكاذيب ضخمة تبثها وتعيد بثها جميع وسائل الإعلام في كل مكان، بل أكاذيب مزوقة بتعابير ومفاهيم من النوع الذي يعجب اليساريين. فإذا كان إلقاء القنابل يبعث على التجهم، بات يكفي القول بأنها قنابل ذكية أو حتى إنسانية أو حتى أنها عبارة عن مساعدات إنسانية لكي تشع وجوههم بالحبور والفرح.
لقد استخدمت الإمبراطورية خطاباً مأخوذاً من سجل واسع يمتد من الملف الرجعي إلى ملف التقدم التقني الاجتماعي والسياسي. لكن هذا ليس بالأمر الجديد، لكنه خطاب موجه إلى مجتمع [غربي] في طور التفكك بسبب الأزمة التي تزداد شراسة، إلى مجتمع متروك لمصيره بعد أن تعرض للخيانة من قبل المثقفين والسياسيين الذين كان قد وضع مصيره بين أيديهم. أو للأسف، إلى حيث كانت مفاعيل التغيير الذي يحدثه الخطاب الإمبراطوري تفعل فعلها التدميري حتى في الأوساط التي احتفظت ببعض مرتكزات المقاومة.
كان هنالك أمر مريب على ما عبر عنه، في العام 2011 رسم (للرسام الإيطالي الساخر آلتان). كان ذلك واضحاً تماماً، لكن الجميع كانوا غير مبالين. كان من الضروري -لكي نعرف كيفية عدم الوقوع في شرك هذه الأغصان التي تغطي الحفرة- أن يصار إلى دراسة أسباب اللامبالاة هذه بشكل أكثر عمقاً بكثير مما نجده في دراسة الموضوعات السابقة.
وعلى أي حال، فإن "الحرب على الإرهاب" لم تقض على أي إرهابي لأنه لم يكن هنالك أي إرهابي لكي يتم القضاء عليه. وبالمقابل، فإن تلك الحرب قد دمرت دولاً هي أفغانستان والعراق... كمجرد بداية.
وفي غضون ذلك، نام الإرهاب ولم يستفق إلا ليقدم بعض الإثباتات على أنه لم يزل على قيد الحياة من خلال تفجيرات مدريد ولندن في قلب أوروبا. فالحقيقة أنه كان يمر حينئذ بفترة إعادة تنظيم، بمعنى أنهم كانوا يعيدون تنظيمه وإعداده لمسارح العمليات الجديدة التي ربما لم تكن معالمها قد أصبحت واضحة تماماً في البداية في ذهن الاستراتيجيين الأميركيين، لأن الأزمات التي تعصف بالنظام بأكمله تعرض الذين يثيرون الفوضى ويستخدمونها للاكتواء بنيران تداعياتها.
اليسار : قدرة مذهلة على عدم الفهم
مع أوباما، اتضحت الأهداف والاستراتيجية بالتدريج. فبعد تنظيم الجيش الجديد من القراصنة وظهوره القوي، انطلقت الهجمة الجديدة بعد التمهيد لها من خلال واقعتين هما خطاب أوباما في جامعة القاهرة عام 2009، وحركات "الربيع العربي" التي اندلعت في العام التالي.
وفي الحالتين، أبدى اليسار [في بلدان الغرب] قدرة مذهلة على عدم الفهم. فبعد أن كان "شعب اليسار" قد فصل بشكل كامل بين معاداة الرأسمالية ومعاداة الإمبريالية، وجد نفسه غارقاً في طبخة الثنائي المكونة من "النوايا الحسنة والحقوق الإنسانية"، ومنجرفاً نحو رفع كل صنف من أصناف الجعجعة إلى مصاف المفاهيم، ثم إلى مصاف الأفعال. يكفي أن يتكلم أوباما لكي يصدح الجميع في جوقة واحدة : كم هذا جميل ! ولكن بعدما سمعتم ما قاله في القاهرة، هل تبقّى من فرق بينه وبين بوش، ذلك الحربجي المعادي للإسلام؟
لم يعد هنالك أدنى قدر من الريب في أن الولايات المتحدة هي في معرض تقديم عقيدتها الجديدة القائمة على التحالف مع الإسلام السياسي بمركزه اللوجستي والمالي والتنظيمي القائم في السعودية التي تشكل التابع الأكثر وفاءً وقدماً من الناحية التاريخية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط .
ومع الربيع العربي، هنالك ما هو أسوأ
وحتى عندما بدأ القصف على ليبيا، لم يكن عند اليسار حس سليم يمكنه من مراجعة حماسته لهذه "الثورات". فقد كان نموذجياً في الخبل ذلك النداء الذي أطلقته روسانا روساندا (7) ودعت فيه إلى الانخراط في صفوف ذباحي بنغازي (الذين قدم زعيمهم مباشرة من غوانتانامو تحت غطاء الناتو). كان ذلك النداء مؤشراً على التلف المنطقي لا داخل دماغ أنهكته الشيخوخة بل داخل عدة أجيال من الحالمين الذين ترعرعوا تحت سماء الامبراطورية الأميركية الطبيعية كأعالي السماء وغير المرئية كالزمان، وبالتالي غير القابلة لأن تحس وتلمس. تحت قبة تلك السماء المشعشعة بالنجوم والمعولمة، لم تعد الرأسمالية علاقة اجتماعية حية في مجتمع وأماكن جغرافية مادية، بل أصبحت مفهوماً بسيطاً على شفا نقيض مع مفهوم آخر : مفهوم الرأسمال مقابل مفهوم العمل. لا شيء أقل مادية منذ زمان الجدل حول جنس الملائكة.
الفصل بين الرأسمالية والامبريالية شبيه بفصل الأوكسيجين عن الهيدروجين مع الإصرار في الوقت نفسه على أن يظلا ماءً على ماء. وكالفصل بين المسيح والروح القدس بحيث يبقى منهما شيء حائر بين الأعلمية المستقاة من الكتب والمشاعر الحميدة الغريزية، وأسير كفريسة لكل شيطان خبيث وعنيد.
لقد وصلت الأمور إلى نقطة بات من الممكن معها لقائد أركان الجيش الأميركي، ويسلي كلارك، أن يكشف أن ليبيا وسوريا كانتا موضوعتين، منذ العام 2001، على لائحة وضعها البنتاغون وتضم بلداناً مستهدفة تنوي الولايات المتحدة ضربها، وأن ماركسيين مزعومين ما زالوا يعتقدون بقيام "ثورات شعبية" ليسوا هم أنفسهم ولم يكونوا قادرين على إثارتها في بلدانهم. وباختصار، فإن ذلك هو ما تركته أزمات الخمول [اليساري] من تأثيرات.
حركة النجوم الخمس وحزب "يسار بيئة حرية" وراء بعض الوضوح في الرؤية في إيطاليا
إلا أن ذلك لا يشكل من الآن فصاعداً غير بعض الترسبات التفصيلية المتبقية من التاريخ والمفتقرة لأية قيمة سياسية. لكنها تصلح أكثر ما تصلح لإعطاء صورة عن الظاهرة الأكثر خطورة التي تميز كامل اليسار في مواجهته للحرب العالمية الثالثة التي وصل إليها وهو في وضع من الانعدام الكامل للاستعداد على جميع الصعد النظرية والسياسية والإيديولوجية. إنه يسار أضعف من "شعب اليمين" ولكنه غالباً ما يتخذ لنفسه موقعاً في صف الدعاة إلى الحرب.
كم كنت محقاً، يا بازوليني، في غضبك على "مثقفي اليسار غير المسؤولين" ! فإلى اين وصلت بنا الأمور الآن؟
لا وجود إلا لشعاع خافت في هذا الصيف المطير العاصف. لا يمكننا إلا أن نؤيد حركة "النجوم الخمس" (8) وحزب "يسار بيئة حرية" (9) في معارضتهما إرسال السلاح إلى الأكراد (وإلى أي أكراد؟). وجهات نظر عديدة تجتمع هنا، كالصلافة والوقاحة في إرسال السلاح، وكعدم جدوى ذلك في إيجاد حل للنزاع. وتكمن الوقاحة واللاجدوى الحقيقيتان في كون هذا النزاع عبارة عن لعبة لا تساوي شيئاً ضحيتها عشرات الألوف من الأشخاص المدنيين بنسبة 90 بالمئة، كما هي الحال في جميع الصراعات الحديثة، وطبقاً لما تحذرنا منه جهات كمنظمة "إميرجنسي".
الأدلة على هذه الخيانات واضحة. يكفي أن ننظر الى السيناتور جون ماكين هو في الظاهر مقاتل منفرد ومستقل. لكنه في الحقيقة مبشر بسياسة الفوضى الإرهابية المعتمدة من قبل أوباما. وهو أيضاً على توافق في الوقت نفسه مع حكومة إقليم كردستان العراق ومع خليفة الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي، أبو دعاء سابقاً، وقبل ذلك إبراهيم البدري، أحد أكبر خمسة إرهابيين مطلوبين من قبل الولايات المتحدة مع جائزة 10 ملايين دولار كمكافأة لمن يساعد في القبض عليه.
هنالك شهادات وإثباتات فوتوغرافية. وإلى هذه الصور تستند الشهادات التي أدلت بها أمام القضاء عائلات العديد من الأشخاص الذين اختطفتهم "داعش" في لبنان، وهي الشهادات التي حددت ماكين كشريك ضالع في عمليات الاختطاف.
وكما كان موسوليني بحاجة إلى ألف قتيل يضعهم على طاولة المفاوضات بينه وبين الولايات المتحدة، فإن "داعش" وزعماء كردستان العراق بحاجة إلى عدة آلاف من القتلى (المدنيين) لوضعهم على مسرح المأساة الشرق-أوسطية، بهدف إنجاح عملية التقسيم الثلاثي للعراق ووضع اليد على المناطق الشمالية الشرقية من سوريا. وكل ذلك لمصلحة واقعية المشهد.
[...]
في العام 1979، كان زبيغنيو بريجنسكي قد أدرك أن أوراسيا هي مشكلة المستقبل بالنسبة للولايات المتحدة وأن من الضروري بلقنة أوراسيا وكلّ من روسيا والصين بوجه خاص.
وفي بداية القرن الماضي، وفي ذروة خضوع العالم لهيمنة الإمبراطورية البريطانية، كتب الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر : "من يسيطر على أوروبا الغربية يسيطر على الهيرتلاند (الحيز الجغرافي التابع للامبراطورية الروسية، وبعدها للاتحاد السوفياتي). ومن يسيطر على الهيرتلاند يسيطر على جزيرة العالم (القارات الثلاث، آسيا وأوروبا وإفريقيا). ومن يسيطر على جزيرة العالم يسيطر على العالم".
لذا، فإنه ليس من قبيل الصدفة أن لا يكل ماكين ولا يمل من التنقل بين أوكرانيا والشرق الأوسط. فعقلية الهيمنة هي نفسها على الدوام. لكن ما تغير هو أن الولايات المتحدة قد أدركت أنه من غير الضروري أن تقوم هي نفسها بتنفيذ الأعمال القذرة.
هوامش
1- هاري سان جون بريدجر فيلبي (ولد في 3 نيسان / أبريل 1885 في سيلان، وتوفي في 30 أيلول / سبتمبر في لبنان). كان جاسوساً بريطانياً ومستكشفاً وكاتباً عرف باسم "الشيخ عبد الله".
2- غرترود مارغاريت لوثيان بيل (ولدت في 14 تموز / يوليو 1868 في منطقة دورهام في انكلترا وتوفيت في 12 تموز / يوليو 1926 في بغداد). وهي كاتبة ومحللة سياسية وعالمة آثار ومتسلقة جبال وجاسوسة وموظفة بريطانية.
3- زبيغنيو بريجنسكي (ولد في 28 آذار / مارس في فارصوفيا في بولندا). وهو وهو خبير سياسي أميركي من أصل بولندي عمل مستشارا للأمن القومي الأميركي في عهد الرئيس كارتر بين العام 1977 والعام 1981. وهو مؤلف الكتاب الشهير " رقعة الشطرنج الكبيرة".
4- يتوجب على إسرائيل، بما هي دولة معترف بها دولياً، أن تنصاع للشرعية الدولية، لكنها لا تفعل ذلك مطلقاً من الناحية العملية لأنها تستفيد من أعمال تساهل واسعة. وهي تمتلك تنظيماً سياسياً ومؤسساتياً معقداً ولكن الاعتماد على هذا التنظيم يتراجع شيئاً فشيئاً كما هي الحال عندنا في أوروبا.
5- مؤسسة أميركية غير ربحية أنشئت عام 1945 هدفها رفع مستوى سياسة اتخاذ القرار عن طريق الأبحاث.
6- السياسات الاقتصادية التي اعتمدها الرئيس رونالد ريغان. وقد قامت على أركان أربعة هي : زيادة الإنفاق الحكومي خصوصاً في المجال العسكري، تقليص الضرائب على مداخيل العمل وعلى الرأسمال، تقليص قوننة النشاط الاقتصادي، وتقليص مراقبة حركة الأموال المستخدمة من أجل تخفيض مستوى التضخم.
7- سياسية إيطالية وزعيمة الحزب الشيوعي الإيطالي في الخمسينيات والستينيات.
8- حركة سياسية إيطالية تصف نفسها بأنها "رابطة حرة للمواطنين".
9- حزب يساري صغير
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018