ارشيف من :أخبار لبنانية
مستشار وزير الخارجية الإيراني: لهذه الأسباب لم تنضم طهران إلى «التحالف» ضد «داعش»
محمد علي حسيني - صحيفة "السفير"
إن سيناريو تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش» أصبح بمثابة الكتاب الذي ترغب أميركا بأن يقرأ من نهايته، أو الفصل الأخير منه. فتنظيم «داعش» هو النسخة الثانية لـ«طالبان» والذي وضعت أميركا بذرته الأولى من أجل تأمين مصالحها الإستراتيجية وفي سبيل رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، وعندما يحين موسم الحصاد تقطف ثماره ثم أغصانه.
الأزمة السورية وتكرار سيناريو «طالبان»
لقد تأسست «طالبان» في البداية من أجل مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق، وبهدف تحرير طاقات العالم الإسلامي ضد الشيوعية. وفي سبيل ذلك أطلقوا العنان لـ«طالبان» للعب دور عسكري في الساحة الأفغانية، وفي الوقت نفسه، وفي إطار مشروع الرهاب والعداء للإسلام، سمحوا لـ«طالبان» بممارسة شتى أنواع العنف والتطرف وحتى المتاجرة بالمخدرات، إلى أن وصل المشروع إلى ذروته مع حادث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول). استغلت أميركا ذلك، بذريعة «الحرب ضد الإرهاب»، خلال تدخلها العسكري في أفغانستان، وما تلى ذلك من أحداث.
إن ولادة «داعش» جاءت ايضا في البداية من أجل القضاء على الدولة في سوريا. فبالإضافة إلى دوره العسكري في الميدان ضد الدولة، استخدم «داعش» أسلوب «طالبان» نفسه في إثارة الحقد ضد الإسلام. ويتم توفير المصادر المالية لـ«داعش» من خلال السماح له ببيع النفط وبقية المصادر الطبيعية. إن ذروة هذا المشروع الجديد هو الانتشار الواسع لـ«داعش» في العراق، وإعلان الخلافة الإسلامية مصاحبة بالرعب والإرهاب وارتكاب شتى أنواع الجرائم، لتصبح بمثابة ذريعة مناسبة للتدخل العسكري في المنطقة.
إن «داعش»، أو «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، الذي تأسس في العام 2011، بعد شهر واحد فقط من بدء الأزمة السورية، لم يكن هناك أي شك في طبيعته الإرهابية منذ البداية. فهذه الجماعة التكفيرية التي كانت آنذاك لا تزال مرتبطة بـ«القاعدة»، وتحارب جنباً إلى جنب مع «جبهة النصرة» ضد الدولة السورية، كانت لا تميز في جرائمها ضد الأبرياء في سوريا ولبنان والعراق بين الطوائف والمذاهب المختلفة.
خلال الأزمة السورية، وبالإضافة إلى الدعم السياسي الأميركي الكامل، والدعم العسكري والمالي واللوجستي المباشر لبعض حلفاء أميركا في المنطقة لهؤلاء الإرهابيين التكفيريين، عمد الكيان الصهيوني أيضاً إلى تقديم أوسع خدمات التدريب والاستشارة والعلاج للتكفيريين في الجولان والقنيطرة وعتيبة وبقية المناطق المتاخمة للحدود السورية، وحتى داخل فلسطين المحتلة.
وهنا يتساءل المرء: لماذا بالرغم من أكثر من 100 ألف شخص قتلوا بأبشع الأساليب على يد «داعش» و«النصرة» بصورة مكشوفة وعلنية في سوريا ولبنان والعراق طوال السنوات الثلاث الماضية، لم يحرك ساكناً لدى المجتمع الدولي للحيلولة دون تمويل هذه العصابات المسلحة والإرهابية بالمال والسلاح والمرتزقة من بعض دول المنطقة؟ ولماذا استمر تمويل هذا الوليد البشع بالمال والسلاح من قبل الغرب طوال ثلاث سنوات؟
التحالف المزعوم ضد «داعش»
شنت عصابة «داعش» الإرهابية يوم 6 حزيران الماضي هجوماً ضد شمال غربي العراق، واحتلت أجزاءً منه، بما فيها مدينة الموصل الإستراتيجية. وكشفت وسائل إعلام وثائق تبيّن علم السفارة الأميركية في بغداد المسبق بمخطط «داعش» و«حزب البعث». ان الادعاء بعدم العلم بمثل هذا المخطط العسكري، مع امتلاك أميركا لأحدث أقمار التجسس، لهو ادعاء واه ومضحك.
وفي الوقت الذي ذكرت فيه تقارير الأمم المتحدة، في العام 2013، أن هذا العام يمثل أكثر دموية منذ عام 2008 بعد وقوع نحو ثمانية آلاف قتيل بسبب العنف والعمليات الإرهابية، فإن عمليات القتل التي ارتكبها «داعش» في العراق في غضون ثلاثة أشهر فقط لا تقل عن 5550 شخصاً، 90 في المئة منهم من المدنيين.
وبعد 3 أشهر من جرائم «داعش» في العراق، فجأة دخلت أميركا وبريطانيا وفرنسا وحلف شمال الاطلسي (الناتو) على الخط، وقررت مواجهة «داعش»، في حين انها لم تتطرق أبداً الى منشأ هذه العصابة أو عوامل نموّها وأسباب دعم اللاعبين في المنطقة والعالم لها لمدة ثلاث سنوات، كما تجاهلت الحديث عن حجم الفظائع التي ارتكبتها هذه العصابة ضد الأبرياء من مختلف الطوائف العربية والكردية والتركمانية والمذاهب الشيعية والسنية والمسيحية والإيزيدية.
ان العناوين الباهرة التي تم انتخابها لاجتماعات ومؤتمرات مثل اجتماع ويلز وجدة وباريس، حول تأليف تحالف دولي لمواجهة «داعش»، وتزامناً مع ذكرى 11 أيلول، تم انتخاب قائد القوات الأميركية السابق في أفغانستان (الجنرال جون آلن) والذي لعب دوراً بارزاً أيضاً في حرب العراق، وبعبارة أخرى قاد القوات الأميركية لما يسمى بمحاربة الإرهاب، كقائد ومنسق للتحالف الدولي ضد «داعش».
ان حقيقة ادعاءات أميركا والغرب حول مكافحة الإرهاب تبيّن أن مثل هذه التحركات الدولية لا تشير أبداً إلى وجود إرادة وعزم جادين لقطع التمويل العسكري والمالي عن «داعش» والجماعات الإرهابية المشابهة. فلا قيود أو حظر لتعجيز هذه الجماعات الإرهابية، ولا إجراء قانونيا ضد قادتها وزعمائها وأعضائها، ولا حتى احتواء وسائل الإعلام المتطرفة التي تدعم مثل هذه الجماعات وتشجعها. فهذه الأمور لو تسنى منذ اليوم الأول الاهتمام بها لما استدعت الحاجة اليوم إلى استخدام القوة العسكرية غير القانونية ضدها.
تأمين المصادر المالية لمشروع الإرهاب
وكما تجاهل نظام البنك الدولي، الواقع تحت سيطرة الدولار الأميركي، عمليات تداول الأموال الناجمة عن تجارة المخدرات التي تقوم بها «طالبان» في أفغانستان، سيتجاهل ذلك أيضاً بالنسبة الى «داعش». فمصادر تمويل «داعش»، في البداية، كانت مرتبطة بالدرجة الأولى بالدعم الأجنبي، وجزء منه بواسطة عمليات التهريب أو الحصول على فدية إزاء تحرير الرهائن. وأدت سيطرة «داعش» على مصادر النفط في الرقة في سوريا، ثم في الموصل في العراق، وكذلك نهب فرع البنك المركزي في الموصل، لجعل هذه المنظمة الإرهابية من أغنى المنظمات الإرهابية في العالم. وبعدما تمكن «داعش» من السيطرة على أكبر حقل نفطي في الموصل، أشارت التقارير إلى بدء عمليات بيع النفط إلى دول مجاورة وبأسعار مخفضة (بين 25 إلى 60 دولارا لكل برميل من النفط).
وكما قال حسين علاوي، كبير مستشاري وزارة النفط العراقية ولؤي الخطيب أحد أعضاء مؤسسة «بروكينغز» ومستشار في البرلمان العراقي لشؤون الطاقة، إن عوائد بيع «داعش» للنفط تبلغ يومياً نحو مليوني دولار. وكل يوم تعبر 210 شاحنات محملة بالنفط إلى الحدود العراقية، ومعظمها يتجه نحو تركيا. وأشارت تقارير غير رسمية أيضاً إلى بيع «داعش» نحو 125 ألف برميل نفط يومياً من حقول العراق وسوريا، أي أن هناك عوائد لهذه المنظمة الإرهابية تتراوح يومياً ما بين ثلاثة إلى خمسة ملايين دولار.
ان النفط الذي ينهبه الإرهابيون من سوريا يباع بواسطة شركة «اكسون موبيل» الأميركية في الأسواق الدولية، كما يتم بيع نفط الموصل بواسطة شركة النفط الوطنية لإحدى الدول النفطية المجاورة للعراق، وبدعم أميركي شامل في الأسواق الدولية.
لكن النظام المصرفي الدولي، الذي يتخذ أشد الأساليب تعنتاً للحيلولة دون تداول الأموال الإيرانية المشروعة، كيف لا يستطيع اتخاذ الأساليب اللازمة لمنع تداول ملايين الدولارات الناجمة عن بيع «داعش» للنفط العراقي والسوري، بالرغم من امتلاك مجلس الأمن الدولي شتى السبل الكفيلة لمنع تداول أموال الإرهابيين؟
الرهاب من الإسلام والمصالح الصهيونية
إن الإرهاب التكفيري الذي استهدف منذ البداية المقاومة بصورة عامة لم يهدف أبداً، خلافاً لشعاراته الدينية، سوى خدمة المصالح الإستراتيجية للكيان الصهيوني وحماته. إن أهم هدف لهذا السيناريو: أولاً برنامج إسقاط الدولة في سوريا، وثانياً إنجاز مشروع الرهاب من الإسلام وخلق العداوة ضد هذا الدين، وجعل الإسلام خطراً بدل الصهيونية.
وبالرغم من إجماع علماء المسلمين على أن ممارسات «داعش» ليس لها أدنى ارتباط بالتعاليم الإسلامية، وبالعكس فإنها مغايرة تماماً للأحكام والأخلاق الإسلامية، وإن نسب هذه العصابة، الدموية والملحدة والمنعدمة الأخلاق، إلى الإسلام والمسلمين هو إهانة وظلم كبير بحق هذا الدين المبين. فإن الكثير من المصادر الغربية تحبذ إطلاق التسمية المزعومة «الدولة الإسلامية» ليجري الاعتراف بهذه التسمية رسمياً.
ولو ألقينا نظرة عميقة على ما يجري، يمكننا تصور حجم الرعب والقلق الناجم عن ممارسات «داعش» الوحشية لدى الرأي العام، وخاصة الغربي.
وقد غطّت هذه الممارسات على الجرائم الصهيونية في غزة، وتم استغلالها من أجل تبييض أيادي الصهاينة الملطخة بدماء الآلاف من النساء والأطفال الفلسطينيين العزّل. وحتى أن تخريب المساجد والكنائس والمراقد الدينية على يد «داعش» يدخل في إطار منح التبرير للرأي العام لتنفيذ الأجندة الصهيونية المبيتة في تخريب المسجد الأقصى، وبناء هيكل سليمان محله.
إن الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي وصف «داعش» بالغدة السرطانية في الثالث من أيلول، دعا كل الحكومات والشعوب الشرق أوسطية للتعاون المشترك للحيلولة دون انتشار هذه الغدة. ولا ننسى أن هذا الوصف المعروف والمتداول لم يطلقه من قبل سوى الإمام الخميني حول إسرائيل.
كذلك (بنيامين) نتنياهو رئيس وزراء الكيان الذي يمثل أكبر مثال على الإرهاب الحكومي، دعا خلال تصريحاته الأخيرة إلى شن حرب عالمية ضد الإرهاب. وقال «الدول السنية في المنطقة بات عليها أن تفهم أن اسرائيل ليست عدواً بل نحن نكافح معاً»! لذلك فإن فتنة التكفيريين أكبر من مجرد انحراف عن الدين الإسلامي، بل هي مؤامرة موجهة من قبل أعداء الإسلام تتوافق مع أهداف الكيان الصهيوني. لذلك نشاهد أن التيار التكفيري لم يقم بأي إجراء ضد الكيان الصهيوني، وانه يستهدف المسلمين فقط.
مع ما ذكرناه أعلاه واتضاح عدم مصداقية أدعياء هذا السيناريو المزعوم لما يسمى بـ«مواجهة الإرهاب»، فإنه من البديهي ألا تنضم الجمهورية الإسلامية الإيرانية لهذا السيناريو، الذي من ألفه إلى يائه هو في خدمة المصالح اللاإنسانية واللاشرعية لواضعيه الرئيسيين.
وعلى العكس من حماة وداعمي «داعش» بالأمس، ومن يدّعون قتاله اليوم، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت سباقة في التصدي لكل أشكال التنظيمات الإرهابية والتكفيرية المسلّحة في سوريا والعراق، وكان أداؤها جاداً وصادقاً، وهي ترى أن أي مشروع يتخذ للتعامل مع هذه الأزمة لن يحظى بالنجاح ما لم يكن شاملاً وجذرياً وغير انتقائي، ويكون هدفه القضاء نهائياً على هذه التنظيمات مع احترام السيادة الوطنية للعراق وسوريا.
(&) مستشار وزير الخارجية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018